|
( الحلقة الرابعة والعشرون )
الصحبة الصالحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حلقة اليوم تتحدث إلى الشباب خاصةً لكنها في الوقت ذاته ستسعد الآباء والأمهات جدا، وسيتمنون أن يراها أبناءهم، لكنها تعني الشباب في المقام الأول، وترسل إليهم رسالةً نأمل أن تكون بإذن الله ذات فائدة.
قل لي من تصاحب أقل لك كيف ستكون؟
منذ فترة ونحن نتحدث عما يواجه الشباب من مشكلات كالمخدرات وغيرها، لذا كان يجب أن تأتي هذه الحلقة لتسألهم من هم أصدقاؤكم؟ ليعرفوا من يصاحبون؟ وأغلب الظن أنها جاءت في وقتها نظرا لما تظهره الإحصاءات من أن 99% من الشباب والفتيات يلجأون إلى المخدرات، وغيرها بدافع من الأصدقاء فكان لزاما بعدما تحدثنا عن مشكلات الشباب أن نقول لهم كيف يختارون أصدقاءهم؟
دعوني أوجه كلمةً للأب والأم - قبل أن نبدأ- فعندما كان ابنكما في سن السادسة والسابعة، والثامنة من عمره كان كلاكما هو الأول والأغلى في حياته، ومركز اهتمامه وحبه، وعاطفته من ناحية أخرى، والآن وبعدما بلغ سن الرابعة عشرة، والخامسة عشر، والسادسة عشر، والسابعة عشر تغيرت كل هذه الأمور، فقد حل محلك آخر وأصبح الأول في اهتماماته، ربما أصبحت أنت في المرتبة الثانية، وربما العاشر وفق قربك من ابنك، فلو كنت صديقا له لبقيت في المرتبة الثانية أو الثالثة، ولكن إذا كنت أبا غائبا، أو مرعبا ربما أصبحت في المرتبة العاشرة، لكن ما نتحدث عنه الآن أنك لم تصبح بؤرة اهتمامه كما كنت، ولم يحل محلك فردٌ فقط وإنما مجموعة ذات قانون ينص على أنه من لا يسير وفق هواها يطرد. بالإضافة إلى أن ابنك يعيش حالة من خوفه من الانعزال، كذلك يحرص على إرضاء تلك الجماعة، ولكن من هم هؤلاء المجموعة؟ علما بأنهم قادرون على إرجاعك في بؤرة الاهتمام كما كنت إذا كانوا هم يهتمون بوالديهم، هؤلاء هم الأصدقاء فلا تجد كارثةً إلا ووراءها صديقا، فالصاحب ساحبٌ لصاحبه، ونحن كائناتٌ بشرية خلقت اجتماعية بطبيعتها، فلا بد أن يكون له أصدقاء ولابد أن يتأثر بهم، كذلك تؤثر على سلوكه وعلاقاته ونظرته إلى الناس وطريقة تعامله معهم، قل لي من تصاحب أقل لك كيف ستكون؟
لعل هذه المقدمة جاءت لأقول للشباب إن ما ذكرته من وجود أصدقاء، وتأثرك بهم واستبدالك من كانوا في بؤرة اهتمامك بهم يعتبر من المسلمات البديهية. وأقول للآباء والأمهات أن هذا طبيعي في سنك، ولا أحد يرفض أن يكون لك أصدقاء؛ لأننا جميعا نحتاج إليهم، ولكن يجب أن نتفق معكم أيها الشباب والفتيات من البداية على شئ هام: أن الأصدقاء يؤثرون في ثلاثة أشياءٍ هامة بل، وخطيرة غير تأثيرهم في عاداتك، وملبسك، وعلاقتك بالمجتمع:
· الشئ الأول: مستقبلك ونجاحك في الحياة.
· الشئ الثاني: علاقتك بأهلك.
· الشئ الثالث والأهم: علاقتك بربك.
أصدقاؤك وعلاقتك بربك:
هؤلاء الثلاثة من كبريات الأشياء في حياتك؛ فعلاقتك بربك من حيث فسادك أو هدايتك لها علاقةٌ بأصدقائك بلا شك، وهي كلمة كبيرة؛ أي هل سيحدد الأصدقاء علاقتك بربك؟ بالطبع نعم. أفستكونين قريبةً من الله أم بعيدة؟ محجبة أم غير محجبة؟ ستشرب الخمر أم لا؟ ستتجرع المخدر أم لا؟ ستفعل كذا أو لا؟ ستصلي في المسجد أم لا؟ كل هذا ليس لأنك سيئ، وإنما لأنك محاطٌ ببيئة عزيزة إلى قلبك، فإن كانت صالحة أثرت عليك إيجابيا، وإن كانت طالحة أثرت عليك سلبا، علما بأنه قد يوجد شخصٌ متدين وسط مجموعة متدينة، ولكن تتحول علاقتهم لصحوبية فلا يأخذون بيده إلى الخير، فصاحبهم كان متدينا، والآن تحولت العلاقة لصداقة روتينية، حدث هذا كثيرا وأعرف قصصا منها، وكأني أتحدث هنا لكل فئات الشباب بما فيهم المتدين الذي يظن أنه آمن وسط أصدقائه المتدينين ؛ فإنك لا تدري أيؤثرون بالإيجاب أم أنهم مجرد أصدقاء؟
علاقتك بأهلك يحددها أصدقاؤك:
فعلاقتك بأهلك تتأثر بأصدقائك؛ حكى لي شخصٌ ما أنه لم يتعلم أن يقف عند دخول والده إلا بعدما رأى واحدا من أعز أصدقائه يقف عندما يتحدث إليه والده، والعكس صحيح فسلوكيات أصدقائك مع أهلهم تطبع على سلوكك مع أهلك، فإن كنت تقلدهم في ملابسهم أفلن تقلدهم في هذه؟
مستقبلك في الحياة:
أأنت محاطٌ بأفرادٍ ناجحين وذوي همة عالية، يشغلهم البناء والعطاء والإنجاز؟ أم محاطٌ بأفرادٍ فاشلين؟ فإذا كان كل من حولك يرسب فلمَ تنجح أنت؟ فالتفكير يتأثر بما يحيطه من بيئة حوله، فلا يرى إلا ما يحيطه، وهذه طبيعة العقل البشري أن يكون أسيرا لما يراه حوله في الدائرة القريبة، فلا يستطيع أن يقفز للدائرة البعيدة ليقلدها وإن كانت تحوي مثالاً يحق له أن يحتذى به، وكأنه في غرفة مغلقة لا يستطيع أن يرى ما هو خارجها، ولذلك تقول الآية: "... وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ..."(البقرة: من الآية81) وتعني هذه الآية أنه بتكرار تلك الخطيئة أحاطت به فلم يعد قادرا على تخيل الدنيا إلا بها، وهذا ما يحدث بالضبط معك ومعي، فلا تظن أن هذه الحلقة موجهة إلى صغار الشباب فقط، وإنما أتحدث فيها إلى نفسي أيضا فبدون أصدقائي سأضيع، وأسأل فيها والدك من أصدقاؤك ؟ وأحدث فيها أمك، فهي تحدثنا جميعا؛ لأننا نتأثر بالأصدقاء، فكم من سيدات يتحدثن عن أزواجهن العظماء ممن بلغن الأربعين الذين ربما ضاعوا بعد تعرفهم على أفرادٍ معينين! وكم من سيدة عاقلة تتمنى لو تحجبت ولكنها لا تستطيع بسبب ما يحيطها من صديقات! هذه الحلقة للشباب ولنا، بل لكل كائن بشري، لكنها تعني الشباب – خاصة-.
أجب على الاستقصاء واعلم نوعية من تُصاحب:
وضعنا على موقع عمرو خالد دوت نت استقصاء رائعا للشباب لا أظن أن قد وضعه أحد قبل ذلك: يحوي عشرين سؤالاً يدورون حول شئ واحد: من أي الأنواع أصدقاؤك؟ مَن تصاحب؟ وبعد الأسئلة وإجابتك عليها تظهر لك النتيجة ويُحدد أصدقاؤك من ثلاثة أنواع، ومن ضمن هذه الأسئلة والتي سأذكرها على سبيل التجريب، وأريدك بينك وبين نفسك أن تجيب أحيانا، كثيرا أم مطلقا:
· هل من الممكن أن يسخر أصدقاؤك من أهلك؟ هل تقبل ذلك؟
· هل اعتاد أصدقاؤك على ارتكاب الكبائر كالخمور والمخدرات؟ هل يعرضون عليك أن تشاركهم في الكبائر؟
· هل إذا رفضت ذلك من الممكن أن تطرد من هذه المجموعة؟
· هل أصدقاؤك متفوقين دراسيا؟ لاحظ أني لا أتحدث في الدين فقط بل إن الأسئلة تغطي أكثر ثلاث دوائر هامة في حياتك.
· هل لك صديق واحد متفوق دراسيا؟
· كيف يتعامل أصدقاؤك مع أهلهم: باحترام وأدب، أم بإهمالٍ ولا مبالاة أم لا تعرف؟
· هل يهتم أصدقاؤك بممارسة الرياضة بانتظام؟
· هل أصدقاؤك إيجابيون أم سلبيون؟
· هل تقبل أن يسُبك أحد أصدقائك بأبيك أو أمك؟
· هل لأحد أصدقائك هدفٌ في الحياة أو مشروعٌ يتمنى تحقيقه؟
· هل يتحدث أصدقاؤك عن أمنياتهم المستقبلية؟ أحيانا أم نادرا أم أنه موضوع غير مطروقٍ على الإطلاق - مؤجلٌ لما بعد التخرج-؟
لكل إجابةٍ دلالة، وقد ساعدنا في عمل هذا الاستقصاء أساتذة علم نفس؛ لنساعدك في النهاية ونقول لك نوعية من تصاحب، ولست هنا بصدد الحكم على أصدقائك، بل أنت من سيحدد نوعهم بعد الاستقصاء من ثلاثة أنواع- ويمكنك أن تحدد ذلك الآن بعد ما ذكرته، وإجابتك إياه في دواخلك-:
· النوع الأول: صاحب سوء، يجرك إلى الفساد، أو يعينك عليه، أو يشير إلى طريق الفساد، أو يشد يديك ويعلمك أنواعا من الفساد، سواء أكان ذلك مع الله فيبعدك عنه، أو مع أهلك فتبعد أيضا عنهم، أو لمستقبلك الذي سيدمره، فيفسد إحدى هؤلاء الثلاثة.
· النوع الثاني- الناتج عن الإجابة بأحيانا على أسئلة الاستقصاء في الغالب-: صاحب سلبي غافل لا يجر إلى الفساد ولا يدفع إلى الخير كشباب كثيرين حيثما تأخذه الدنيا يسير، لا صاحبَ همةٍ عالية يدفعني للعلو، ولا هو فاشل، لا منحرف ولا طائع، لا بارًّا بأهله ولا عاقّا لهم، بل هو في مرحلة ملبدة بالغيوم غير واضحة، هو ذلك السارح.
· النوع الثالث: الصاحب الصالح الذي يجرك للخير وهذا لا يعني أن يكون متدينا، ولكن عليه أن يغطي أكثر ثلاثة أشياء هامة في حياتك، أي أن تكون علاقته بربه على ما يرام، وكذلك علاقته بأهله، وإما أن يكون ناجحا أو أن يريد النجاح- لنكون منطقيين- فإذا كان متدينا وفي الوقت ذاته فاشلا فليس هذا ما أقصد بالصاحب الصالح، وكذلك إن كان متدينا ويسيء معاملة أهله، وقد تسألني أيوجد أمثال هؤلاء؟ بالطبع نعم، فهناك من خيرة الشباب والفتيات من أمثال هؤلاء، ولاحظوا هنا أني أحدث كلا من الجنسين على حدة، فلا يفهم أن تكون هناك صداقةٌ بين شاب وفتاة، وإنما أعني أن الشباب يختار أصدقاء من الشباب والفتيات تختار صديقات من الفتيات- ذلك لأوضح المعنى فلا يقول أحد أنه قد وجد ضالته في الجنس الآخر- فهذه هي صفات الصاحب الصالح، ولم أطلب هنا أشياء على غير العادة ولكن يا لحظك إن وجدتها فيه! فإني أقسم أنه لا يوجد أحد يرتقي إلا ووراءه صحبةٌ تدفعه لذلك.
انظروا إلى مقولة علي بن أبي طالب (صاحبوا أصحاب الهمم العالية تنجحوا) فهؤلاء هم من نحظى بصحبتهم - أصحاب الطاقات- من يريدون أن ينتجوا، ويضيفون شيئا، وهذه ما يراه الإمام علي، ولا تصاحب الخامل السلبي.
المرء على دين خليله:
دعونا ننتقل إلى سؤال آخر وهو: كيف تختار أصدقاءك؟ للنبي صلى الله عليه وسلم حديث رائع يقول فيه: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)، وكان من الممكن أن يقول إن المرء على سلوكيات وأفعال خليله، ولكنه قال الدين نفسه؛ فأنت تقلده حتى في دينه، ودعونا نتخيل أننا نسمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم الآن، وينظر كل منا إلى من يخالل، فكيف تختار أصدقاءك -؟ قد تستغرب السؤال، وقد تقول كما قال لي أحدهم أني لم اخترهم بل هم من وجدتهم في المدرسة، أو في الجامعة، أو في النادي، فكلانا وُجد في طريق الآخر فصادق بعضنا بعضا - صالحا أم طالحا إنه قدري- وهناك نوعٌ آخر من الشباب يسلم أيضا بأن ذلك حظا، ولكنه كان يبحث عمن يقوده للضلال ومعاكسة الفتيات فبحث عمن يساعده على ذلك وصادقه. كيف تختار أنت أصدقاءك؟ دعونا الآن نذكر هدف الحلقة - وكنت دائما أذكر الهدف من البداية ولكني آثرت اليوم أن أؤجله حتى أذكر ما قد قلت-: هل من الممكن أن تبدأ من اليوم في البحث عن صاحب صالح وتقول له صادقني دون أن تخجل؟ ليس بالضرورة أن تقول له ذلك وإنما صادقه كما تصادق الآخرين، ترى كم تبلغ من العمر الآن؟ ثمانية عشر؟ عشرون؟ خمسة وعشرون؟ وهل يعقل أن تكون منذ خمسة وعشرين عاما تصادق من تصادفه في طريقك؟ ألهذه الدرجة أنت سلبي؟ لم لا تختار أنت؟ يقول النبي لك: (فلينظر) أي ليس أي أحد تجده، أو بعد ذلك تغضب من والديك إن قالوا لك لِمَ تصاحب فلانا؟ فتدافع عنه وكأنك أنت من اختاره، والحقيقة ليست كذلك بل وجدته في طريقك. ما رأيك أن تعزم من اليوم على أن تختاره؟ فمن حقك أن تبحث عن صديق ويكون لك أصدقاء وهذا هو هدف حلقة اليوم، وربما تتساءل هل ستجده؟ بالطبع ستجده، وفي كل مكانٍ، ستجده في المدرسة، وفي الجامعة، وفي المسجد، وفي النادي ولكنك لم تبحث عنه منذ البداية، ما رأيك أن تجرب بعد هذه الحلقة أن تختار ولو لمرةٍ واحدة، وقل لنفسك إن كان كل ما يحيطني من منظومةٍ بهذا الشكل فلم لا أبحث عن واحدٍ لعله يكون بابا أرتقي من خلاله؟ أتحدث إليكم الآن بلغة العقل من خلال كلامٍ يسهل تطبيقه، ولن أتشاجر معك كما يفعل والداك. هذه الكلمات موجهة للجميع حتى للآباء والأمهات فلابد أن يكون في حياتك من يأخذ بيدك للارتقاء، أو يأخذ كل منكم بيد الآخر للأعلى، وهذا هو هدفنا، وعليك أن تدعو الله أن يرزقك به، وبإذن الله لا ينته رمضان إلا وقد أرسله الله لك، ويكون هذا من دلائل قبول رمضان، ومن دلائل حبه لك. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما أعطي أحد بعد الإسلام خير من أخٍ صالح؛ إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه) فلا يوجد بعد الإسلام شئ أكثر حلاوةً من هذا! فإن نسيت ذكرك، وإن ذكرت يعينك ويدفعك.
دعني أضرب لك أمثلةً لتعرف إلى أي مدى يؤثر الأصدقاء -سلبا أو إيجابا- كوسيلة لأقنعك فلعك تقول أن ما ذكرته نظريا، ولأؤكد لك أنك لست سيئا؛ وإنما وضعك في بيئةٍ سيئة يجعلك مثلها، وإن وضعت في بيئة جيدة لأصبحت صالحا، وكذلك كل أصدقائك، حتى قائدكم الطالح إن وضع ضمن مناخ صالح لتغيرت أحواله للأفضل، فهذه هي طبيعتنا، كورقة المنديل من الممكن أن يجفف بها العرق، وقد تكون في دورة المياه، ومن الممكن أن تصبح ورقة مصحفٍ فتوضع فوق الرؤوس وترتفع منزلتها بالمكان الذي تواجدت فيه، ما أعنيه أن الأداة واحدة، ووفق مكانها تُحدد قيمتها، فأنت ذو خامةٍ جيدة فلا يوجد إنسانٌ شريرٌ بالطبيعة لأن فيك نفخة من الله، ولكن الوسط الذي أنت فيه هو ما يؤثر عليك. قل لي من تصاحب؟ أخبرك كيف سيكون مستقبلك؟ وهل ستكون ناجحا أم فاشلاً؟ وهل ستهتدي وتتوب إلى الله أم لا؟ أستكون طائعا لربك أم ضائعا؟ وهل ستكون بارا بأهلك أو عاقا لهم؟ ليس هذا ضربا من التنجيم، ولكنه شيء ظاهرٌ للعيان، دعونا نعود للأمثلة، وهما مثالان متناقضان أحدهما لصديق ضيع صديقه فقاده لجهنم، والآخر أنقذ صديقه من جهنم وأدخله الجنة.
النموذج الأول: من ضيع صاحبه:
كان أبو جهلٍ له صديقٌ حميم يُعرف بـ"عقبة بن أبي معيط" وفي أثناء دعوة النبي للإسلام في مكة خرج أبو جهل في رحلة تجارةٍ وعملٍ، فأصبح "عقبة" وحيدا بعيدا عن تأثير صاحبه، فبدأ بسماع النبي حيث تأثر، وبدأ القلب يشعر بحلاوة هذا الكلام فذهب للنبي صلى الله عليه وسلم، وسمع له وقال: "هذا كلام عظيم" وقرر أنه سيأتي اليوم الذي يليه ليشهر إسلامه- انظر إنه الشخص نفسه ولكنه خرج من البيئة السيئة- وفي اليوم التالي كان أبو جهلٍ قد عاد من سفره، فقال له عقبة: " لقد استمعت إلى محمد فأعجبني ما يقول" فرد عليه قائلا:" لساني على لسانك حرامٌ بعد اليوم إن لم تذهب إلى محمد وتبصق على وجهه"؛ أي سأتبرأ من صداقتك إن لم تفعل ذلك، فوازن بين صديقه والنبي فاختار صديقه، فذهب للنبي، وحاول أن يبصق على وجهه صلى الله عليه وسلم، وتحول لأكثر الأشخاص عداوةً للنبي، يقول النبي:(ما آذاني أحد كما آذاني عقبة بن أبي معيط)، وهو الشخص نفسه الذي ألقى على ظهر النبي - وهو ساجدٌ عند الكعبة- أمعاء جمل ميتٍ فلم يستطع القيام حتى جاءت السيدة فاطمة الزهراء وأزالت هذا الوسخ، وقد مات مقتولا في غزوة بدرٍ ،وألقي مع القتلى، ووقف النبي وقال:(يا عقبة بن أبي معيط هل رأيت ما وعد ربك حقاً؟) ونزلت فيه آية "وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً*يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلا*ً لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً" (الفرقان 27/28/29) بالطبع إنها قصة إسلامٍ وكفر ولكني أقصها عليك لأريك شخصا كان أمامه الطريق وقد اقترب. صدقني هذا ما يفعله معك أصدقاؤك ليس في القضية ذاتها، ولكن في أمورٍ أخرى كالمخدرات، كأن يقول لك لم يبق معنا ما نشتري به المخدرات اذهب واسرق أمك- وهذا حدث-، فيسمع كلامه ويذهب ويأمرها أن تعطيه قرطها مهددا إياها، فتناوله إياه مضطرة ًوهي باكية ترتجف من أن يضربها. اعرف شخصا كلما قابل والد صديقه سخر منه- أي من والد صديقه- وفق خطةٍ رتبها مع ابنه!=
المثال العكسي: من أنقذ صاحبه من الجحيم وقاده للجنان:
مثلٌ جميل لشخص يُعرف بـ"عياش بن أبي ربيعة"، أحد الأغنياء وصحابي أسلم بمكة، وفي الوقت ذاته، صديق حميم لعمر بن الخطاب، ويحبه حبا شديدا، وأثناء هجرتهما سويا من مكة إلى المدينة، خشي أبو جهل بهجرته هذه أن ينقل صورة لشباب مكة أن شباب الأثرياء قد اتبعوا محمدا، وبذلك يعطي صورة جميلة عن المسلمين، لذا حاول عرقلة هجرته، فاتبعه حتى وصل إليهما في الطريق، ونادى قائلاً:" يا عياش- فهو لايستطيع التحدث إلى عمر-: أدرك أمك، أقسمت ألا تستظل من الشمس، وألا تستحم ولا تلمس الماء حتى تعود إليها". فقد عزف على الوتر الحساس فتأثر عياش، فقال عمر: "لا تصدقه يا عياش إن عدت معه سيفتنك" قال:" يا عمر أمي" فقال عمر بن الخطاب: " يا عياش، سيفتنونك صدقني، أمك إن أتعبتها الشمس ستستظل، وإن آذاها القمل ستستحم"- بالطبع تعرف طبيعة سيدنا عمر- فقال عياش:" يا عمر، لا أستطيع أمي"- انظر ماذا سيفعل هذا الصديق الرائع؟- فقال عمر:" يا عياش إن أبيت إلا أن تعود فخذ ناقتي؛ لعلها تذكرك بي وبالإسلام" والناقة تعادل السيارة الآن أتتخيل ما فعله وصديقه عائدا للكفار؟ وعاد عياش على ناقة عمر وفور عودته قيده أبو جهل وحبسه في بيتٍ وظل في مكه ورده عن دينه، وتركوا الناقة فهم لا يعلمون صاحبها إلى أن نزلت الآية التي فيها " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً..." (الزمر:53) فكتبها عمر بن الخطاب في رسالةٍ وأرسلها إلى عياش بمكة، فقرأها فظل يبكي، يقول:" فنظرت فإذا ناقة عمر، فتذكرت ما فعله بي من أجل الإسلام، فانتفض الإسلام في قلبي، فمزقت قيودي وانطلقت وركبت الناقة، وعدت مسرعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلحقت عمر وأرسلت إليه أني قادم، فانتظرني على أبواب المدينة يأخذني بالأحضان ويأخذني من يدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أرأيت هذين المثالين؟ هذا ما يحدث بالضبط معك ومعي؛ ففي حياة كلا منا قصة مشابهة ولكن بأحجامٍ مختلفة.
اختر صاحبا صالحً:
أكرر من جديد هدف الحلقة، وأرجوك أن يكون في حياتك صاحبٌ صالحٌ ناجحٌ، أو يتمنى أن يكون كذلك، بار بأهله، ويعرف ربه ويحبه. أتنوي أن يكون ذلك وتحاول العثور عليه؟ وإن كان معك هلا جددت العهد معه على أن تبذلا من جديدٍ وأن تقدما شيئا للإسلام، ولبلادنا، وأن تنجحا لمستقبلكما، أو تتعلما كيف تعرفان الله، وأن تستفيدا من رمضان؟ هل يعزم من يستمعون إليّ الآن، وهم نادمون أنهم ابتعدوا عن أشخاص بعينهم أن يقتربوا منهم من جديد؟ وأولئك الذين يستمعون قائلين كم هو جميلٌ هذا الكلام! ولكنهم غير موجودين، أقول لهم: ستجدونهم بإذن الله. ابدأوا بالدعاء من الليلة، وستبحث عنه، وستختار لأول مرةٍ في حياتك، ولن تفرض عليك الصدفة، وإن كان كل أصدقائك سيئين فليكن بينهم واحدا يرتقي بك للأعلى.
بهذا نكون وصلنا للنهاية بعدما أرسينا قاعدة اليوم التي تعد إحدى قواعد التآلف الأسري، فلو طبقتها ستكون قادرا على التواصل مع عائلتك لدرجةٍ عالية، وهي التي تدعو لاختيار صاحب صالح؛ ولأن الموضوع ذو أهمية؛ ولأجل من لم ير حلقة اليوم من الشباب سنكمل الفكرة نفسها وحول القاعدة نفسها غدا بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
Amrkhaled.net© جميع حقوق النشر محفوظة
يمكن نشر ونسخ هذه المقالة بلا أي قيود إذا كانت للاستخدام الشخصي وطالما تم ذكر المصدر الأصلي لها أما في حالة أي أغراض أخري فيجب أن يتم الحصول على موافقة كتابية مسبقة من إدارة الموقع
|