|
حوارات عمرو
خالد " لكل الناس "
حوار أجراه أ. عصام الغازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ5/9/2007
وحده
وقف مدافع عن العقيدة واجه المعتزلة، ليمنع فتنة كادت تعصف بالمسلمين ..
في عصر المأمون كانت بداية الصراع بين ابن حنبل
وخصومه.
رفض القول بخلق القرآن فكان مصيره السجن والجلد وأشد
أنواع التعذيب.
ورغم قسوة المحنة فقد ظل الإمام، كما هو .. لم يتغير،
حتى انتصرت كلمة الحق وخرج من محنته راضياً مرضياً بما قدره الله له وعليه.
جلدوه وعذبوه .. فلم يهتز:
أيـام في سـجـن الإمـام!
الداعية عمرو خالد .. يكشف تفاصيل تلك الفترة العصيبة
من حياة الإمام ابن حنبل .. يقول:
بعد اتساع رقعة الدولة الإسلامية إثر سقوط فارس
والروم، دخل في الإسلام من هو حاقد وكاره، ونشأت فرق ومجموعات لديهم الخطط لهزيمة
الإسلام بالفكر بعد أن عجزوا عن النيل منه بقوة السلاح، فكان المعتزلة إحدى هذه
الفرق التي تغلغلت في أجهزة الحكم لتنخر فيها كالسوس، فصوروا الإسلام كدين معقد،
بإدخال أشياء لم ترد في النصوص أو السنة النبوية .. وهنا جاء دور الإمام أحمد بن
حنبل ليتصدى ببطولة لهؤلاء المعتزلة ولفكرة خلق القرآن التي روجوا لها فكان المدافع
الشرس عن سلامة العقيدة.
مـؤامـرة الـمـعـتـزلـة!
روج المعتزلة بقوة لفكرة خلق القرآن، فالمسلمون
يعرفون ببساطة أن القرآن كلام الله، فجاء المعتزلة وقالوا إن القرآن مخلوق،
وبالتالي فهو طارىء.. فلو أنه كان أزلياً أو قديماً، لكان القدماء متعددين ولكن
القرآن عقيدة وثنية، وبالتالي فهو مخلوق!
وكانت هذه الفكرة الفلسفية هي المدخل لتعقيد سهولة
الإسلام ويسره. يقول الله تعالى :"
(وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ
وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ).
هذه هي سهولة الدين وبساطته. إلا أن المعتزلة ظلوا
يبثون هذه الفتنة مدة 60 سنة تقريباً، من خلال الجدل والحوار والمناظرات، فتصدى لهم
أبو حنيفة. وبدأ المعتزلة يفكرون في خطة بديلة تشبه إلى حد كبير ما جرى في
الإمبراطورية الرومانية، وهو التسلل إلى سدة الحكم ليكونوا هم الوزراء الأساسيين في
بلاط الخليفة. فيقنعوه بالفكرة، ويدفعوه إلى إجبار الناس على اعتناقها، ومن لا يرضخ
لذلك يعذب ويقتل. وخطوة خطوة يتم تشويه الإسلام.
وقد حاولوا ذلك في عهد هارون الرشيد وأيضاً في عهد
المنصور من قبله، فكان المنصور متيقظاً لهم، ولم يضم أياً منهم إلى بلاطه، وكان
حريصاً على السنة وعلى تقريب العلماء الأنقياء، وكان أبو حنيفة يقف متصدياً لفكرهم
ودهائهم. فلم يفلحوا في عهد المنصور.
وتقدموا في عهد هارون الرشيد ليكرروا محاولاتهم إلا
أن أبا يوسف تلميذ أبي حنيفة كان مستشاراً لهارون الرشيد فأفشل محاولاتهم.
إلى أن جاء المأمون إلى الحكم بعد موت أبي حنيفة
ووفاة أبي يوسف، فبدأ المعتزلة يتسلقون إلى سدة الحكم وصاروا بطانة السوء للمأمون،
وبرز منهم ابن أبي داود الذي قام بتحريك الفتنة وأقنع بها المأمون، فصارت فكراً
رسمياً معلناً من الدولة. إذ طلب المأمون أن ينشر في كل مكان أن القرآن مخلوق، وأن
" علي بن أبي طالب " خيرٌ من أبي بكر وعمر، وأننا لن نرى الله يوم القيامة.
كان أحمد بن حنبل من رموز رفض التعقيد، ولهذا فهو
متعايش يرفض الذوبان.
مـوقـفـه مـن الـفـتـنـة
ماذا فعل أحمد بن حنبل؟ وماذا فعل المأمون والمعتصم
من بعده؟ وكيف كانت الفتنة؟
لم يسمح أحمد بن حنبل بمرور هذا التعقيد، فقد كانت
طبيعته الشخصية ومذهبه الفقهي قائمين على البساطة والتبسيط، على عكس ما يقال عن
تشدده وتزمته. فلماذا صُوِّر على هذا الشكل المتزمت؟ .. لأن موقفه من الفتنة كان
قوياً ومتصلباً، فعكسوا ذلك على كل ما يقال عنه.
يتحدث أحمد بن حنبل عن زوجته الأولى " العباسة بنت
الفضل " أم ابنه صالح، التي عاش معها 30 عاماً. وبعد أن ماتت تزوج " ريحانة " وحين
ماتت ريحانة تزوج حسنة. وقد أنجب من زوجته الثانية عبد الله أشهر أبنائه الذي حمل
فقهه. وأنجب من الزوجة الثالثة سدة.
يقول عن زوجته الأولى: أقمت مع أم صالح أكثر من 20
عاماً فما اختلفت أنا وهي في كلمة، كان شديد الزهد، وفي أحد المآدب التي حضرها
علماء أجلاء، قام أحدهم بإحضار كثير من الطعام، فعلق أحدهم قائلاً: هذا إسراف، فرد
أحمد بن حنبل: لا ليس بالإسراف، والله لو أن الدنيا صغرت حتى صارت لقمة فجعلتها في
فم أخي، لما كانت إسرافاً. قال هذا رغم زهده الشديد.
أتاه رجل يسأله: كم بيننا وبين العرش؟
فقال: بينا وبين العرش دعوة صادقة من قلب مخلص.
ويأتيه رجل يسأله : أيهما أفضل: علي أم عثمان أم
معاوية؟ ومن كان المخطىء في معركة الجبل وصفين؟
قال: تلك فتنة نجّى الله أيدينا منها، فلننجِّ
ألسنتنا. كلهم على خير. كلهم مخلصون. من اجتهد فأصاب له أجران. ومن اجتهد منهم
فأخطأ له أجر واحد.
نـصـيـحـة مـجـرم!
حين اقتادوه إلى السجن بأمر المعتصم لإصراره على رأيه
في فتنة خلق القرآن، كان مشفقاً على نفسه من تجربة السجن وما ينتظره من التعذيب
فيه، وأثناء اقتياده قابله سجين قديم متمرس في الإجرام اسمه أبو هيثم الطيار ، نظر
أبو هيثم في وجه أحمد بن حنبل فرأى لمحة ضعف فيه، فقال له: يا إمام اثبت على الحق
فإن عشتَ عشتَ حميداً. وإن متَّ متَّ شهيداً. ثم نظر إليه أبو هيثم وقال:
أتعرف يا إمام لقد ضربت في هذا السجن ثمانية عشر ألف
سوط بالتفاريق فما ردني ذلك عن السرقة. فعلت ذلك من أجل الشيطان فاثبت أنت من أجل
الرحمن.
يقول ابن حنبل: فكأنني رجل جديد.
وقف ابن حنبل بين يدى المعتصم، فقال له المعتصم:
أنا لا أحب إيذاءك، وإني أشفق عليك. فقل لي ما أريد (
أن القرآن مخلوق ).
فقال الإمام أحمد بن حنبل: يا أمير المؤمنين أرأيت
هذا الذي تقوله لي؟ أليس الله تبارك وتعالى قد أرسل لنا كتابه؟ ألم يقل: (لْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)؟ قال: نعم.
قال: أهي في كتاب الله؟ قال: لا.
قال: أليس رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد بلغ ما
أمره الله تبارك وتعالى به؟ قال: نعم.
قال: أعلم رسول الله بهذه المسألة؟ قال: نعم.
قال: فلمَ لم يخبر بها؟ فسكت المعتصم.
ثم نظر المعتصم لابن أبي داود أعلم الصحابة بهذه
المسألة؟ قال: نعم.
قال: فلمَ لم يخبرونا بها؟ فسكت ابن أبي داود.
فقال ابن حنبل: يا أمير المؤمنين أعطني شيئاً من كتاب
الله أو من سنة رسول الله أقول به. ولكن ما كان عليه المسلمون دعهم على ما هم
عليه.
فقال ابن أبي داود: يا أمير المؤمنين إن لم تضربه
ستغري الآخرين.
فقال المعتصم: ائتوني بالجلادين.
فأتى عشرة جلادين بالسياط.
فقال المعتصم: ليست هذه ائتوني بسياط جديدة.
وقال للجلادين: شدوا عليه وإلا قطعت أيديكم.
يقولون إن بعض الجلادين كان يضربه وهو يبكي ويقول أحد
الجلادين: والله لقد ضربته ضرباً لو كان فيلاً لهددته.
يقولون: كنا نضرب السياط فنجد الحفر في ظهره. نقول
الضربة القادمة ستخرج من فمه.
فيغشى عليه، فيقول المعتصم: أريقوا عليه الماء، فيفيق
فيقول له المعتصم: قل ما أريد. يقول يا أمير المؤمنين أعطني شيئاً من كتاب الله أو
سنة رسوله أقول به.
بعد ذلك قال له المعتصم:
أتريد أن تقهر كل هؤلاء؟
فقال: يا أمير المؤمنين كيف أجعل في حال المسلمين
ماليس في القرآن أو سنة رسول الله. أعطني شيئا أقول به.
فقال: اضربوه أكثر.
فظلوا يضربونه بالسياط حتى أغشي عليه. فخافوا أن يموت
فيثور الناس عليهم.
فقال: اسقوه بالماء.
فأفاقوه وأتوا إليه بالماء ليشرب.
فقال: إني صائم. وظل شهراً كاملاً ينام على بطنه بسبب
آثار السياط المؤلمة على ظهره.
ضـد الـتـمـرد
جاءه تلامذته لزيارته في السجن وقالوا له: لو شئت
نثور على المعتصم.
قال: لا تفعلوا هو أمير المؤمنين.
بعد سنتين يفتح المعتصم عمورية وينقذ المرأة التي
استغاثت به: وامعتصماه. فيقول ابن حنبل: المعتصم مني في حل ( أي عفوت عن المعتصم )
قالوا له كيف؟
قال بما فعله مع المرأة وبما فتح عمورية.
هذه المرأة العربية التي صفعها ملك الروم فصرخت:
وامعتصماه.
وحين بلغت استغاثتها المعتصم أرسل إلى ملك الروم يقول
له: رد إليّ المرأة معززة مكرمة وإلا أرسلت لك جيشاً أوله عندك وآخره عندي. فخاف
ملك الروم وأعاد المرأة معززة مكرمة، ثم فتحت بعدها عمورية.
هكذا كان أحمد بن حنبل شديداً وسهلاً. كل الأئمة
الأربعة عذبوا وأوذوا فلم يلجأ أحدهم إلى العنف. ويموت المعتصم بينما يظل أحمد بن
حنبل في سجنه شهوراً وسنوات، مر عليه ثلاثة خلفاء وهو في محنة سجنه: المأمون
والمعتصم والواثق بعد خمس سنوات من حكمه.
مع المأمون أطلقت الفتنة.
ومع المعتصم تعرض للتعذيب.
ومع الواثق ظل في سجنه.
ثم أتى المتوكل آخر الخلفاء العباسين الذي يعود إلى
السنة. وكانت أفكار أحمد بن حنبل تنتشر بين الناس، فقبضت الشرطة على شيخ " رجل بسيط
" يردد كلمات أحمد بن حنبل، ويسوقونه إلى المتوكل في حضور ابن أبي داود. وتدور
مداخلة بين الرجل البسيط وابن أبي داود بأمر المتوكل.
يقول الرجل: يا ابن أبي داود أخبرني عن مقالتك هذه؟
أهي مقالة واجبة في دين الله؟
فقال أبو داود: نعم، طبعاً، واجبة في عقيدة المسلمين.
فقال الشيخ: فأخبرني عن رسول الله هل ستر شيئاً من
الإسلام.
فقال: معاذ الله أن يستر رسول الله شيئاً .
قال: فلمَ لم يحدث بها؟
فسكت ابن أبي داود فقال الشيخ:
يا أمير المؤمنين هذه واحدة، فنظر إلى ابن داوود
وقال:
فأخبرني حين قال الله: اليوم أكملت لكم دينكم أكان
الله صادقاً في إكمال دينه أم ستر شيئاً؟
قال ابن أبي داود: لقد اكتمل.
قال: فأين هي في كتاب الله.
فقال: لا أجد لها مكاناً.
قال الرجل الشيخ: يا أمير المؤمنين إن هذه الثانية.
ثم نظر فقال: يا ابن أبي داود أعلمها رسول الله أم
جهلها؟
قال: علمها طبعاً، قال: فهل دعا الناس إليها؟
قال: لا، قال: يا أمير المؤمنين أنكون نحن أحسن من
رسول الله؟ ألا يسعنا ما فعله رسول الله؟
فقال المتوكل: يا ابن أبي داود اخرج عني فلن تكون في
وزارتي بعد اليوم. صدقت أيها الشيخ، والله انتهت هذه الفتنة ولن نلزم بذلك أحداً.
ولا يكون معنا في وزارتنا أحد من المعتزلة، وليخرج أحمد بن حنبل من السجن.
ويخرج الإمام أحمد بن حنبل من السجن وقد تعب جسده،
ويعرض عليه المتوكل المال والعطاء فيقول:
يا أمير المؤمنين أكرمتني إذ أخرجتني، ولكني لا آخذ
منك المال.
قال: لمَ يا أحمد؟
قال: يا أمير المؤمنين هذا المال ليس مالك هذا مال
المسلمين. وليس يحل لي أن آخذ مال المسلمين.
الـمـشـهـد الأخـيـر
وبدا أن الإمام أحمد بن حنبل يحتضر، فتأتي الناس من
كل حدب وصوب تحيط ببيته. لدرجة أن الباعة أغلقوا الدكاكين لأن الناس افترشت السكك
والشوارع. ولم يكن لأحد أن يصل إلى بيته من شدة الزحام.
وقد أتاه واحد من جلاديه يبكي، وأصر على لقائه قبل
أن يموت.
فدخل على الإمام أحمد وقال له: يا إمام اجعلني في حل.
فقال له الإمام: أنت في حل بشرط.
قال: ما هو؟ قال: لا تفعل ذلك مع أحد بعدي.
قال: لن أفعل ذلك، قال: أنت في حل، ثم قال الإمام
أحمد بن حنبل لمن معه:
وضئوني للصلاة.
فقالوا: ألا تصلي جالساً؟ قال: مازلت أستطيع، ولكن
أسند عليك يا عبد الله.
كان عمره 77 عاماً. ودخلوا عليه في اللحظات الأخيرة
من حياته، فوجدوه يردد أبياتاً من الشعر تقول:
" إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل
خلوت ولكن قل على رقيب
سهونا عن الأيام حتى تتابعت
ذنوب على آثارهن ذنوب
فياليت أن الله يغفر ما مضى
ويأذن لي في توبة فأتوب".
ويموت الإمام أحمد بن حنبل، فيشيعه آلاف من الرجال
والنساء، ويحضر الخليفة المتوكل الغسل والجنازة، وصلى الناس عليه مرات عديدة، وحمل
نعشه، وكان قد أوصى أن توضع ثلاث شعرات لديه من شعر النبي صلى الله عليه وسلم في
قبره شعره على كل عين وشعره على فمه.
وسار الناس في الجنازة يلعنون من ظلمه، ويترحمون
عليه.
www.amrkhaled.net
|