|
حوارات عمرو خالد " لكل الناس "
حوار أجراه أ. عصام الغازي
مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ
6/6/2007
في الفروع كان
أكثر مرونة وتساهلاً وفي الثوابت .. إصرار على المبدأ .. لايذوب ولا يتنازل..
والثبات لا يلغي فكرة التعايش مع الآخرين..
إنها بعض
ملامح فكر الإمام أبي حنيفة التي خالفها البعض وأيدها البعض الآخر .. لكن الجميع
كان مقراً ومعترفاً بأن مفتاح شخصيته وآرائه هو حرية وإنسانية وكرامة الإنسان.
فقه أبي حنيفة .. أفضل رد على الغرب في قضايا المرأة
الداعية عمرو
خالد يستضيف أحد العلماء المتخصصين في فقه أبي حنيفة د. أسامة رفاعي سماحة مفتي
عكار بشمال لبنان ليؤكد على هذه الملامح من خلال بعض المسائل الفقهية التي لا تزال
تشغل بال المجتمعات الإسلامية بقوة.
مـفـاتـيـح شـخـصـيـتـه
حصل د. أسامة
رفاعي على الدكتوراه من جامعة المدينة المنورة " الجامعة الإسلامية " وكان موضوعها
فقه المواريث، ثم قام بالتدريس في جامعة لبنان ثم عين قاضياً، ومفتياً لعكار بشمال
لبنان.
سأله عمرو خالد
عن مفاتيح شخصية أبي حنيفة النعمان فقال:
- بالنسبة للإمام أبي حنيفة – رحمه الله – معلوم أنه
كان من التابعين وأنه أدرك بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم وهو الذي ولد في عام 80
هجرية وتوفي في عام 150 هجرية والناظر في فقهه يرى أن المفتاح الأساسي لشخصية
الإمام أبي حنيفة بالإضافة إلى جملة العلوم الشرعية، ونجده يركز على إنسانية
الإنسان، وكرامته وأن هذا الإنسان يجب علينا أن نصون كرامته كما صانها الشرع
الإسلامي، وأن نصحح أعماله وتصرفاته قدر ما نستطيع.
ولذلك نراه مثلاً في باب الحجر على السفيه الذي يتصرف
بأمواله تصرفاً ليس مستقيماً، وهو ما يوصف في أيامنا بالإنسان المبذر، لما تكلم
الإنسان في الحجر عليه، اعتبر أبو حنيفة أن الإنسان حر في تصرفه حر في معتقداته حر
في أن يفعل شيئاً ما أو لا يفعله، ثم يتحمل نتائج هذه التصرفات في الدنيا وفي
الآخرة ..
قال عندما تحدث الناس في الحجر على الإنسان إذا بلغ
25 عاماً وكان مبذراً أو سفيهاً لا يحسن التصرف في كل شيء، جماهير العلماء قالوا
بالحجر عليه أي يمنع من التصرف في ماله وممتلكاته، ويعين عليه وصي .. الإمام أبو
حنيفة يقول إن الإنسان إذا بلغ 25 عاماً لا يحجر عليه ولما سئل عن ذلك قال:
أستحي أن أحجر على إنسان فيما لو فرضنا أنه تزوج
مبكراً أن يكون جداً وعمره 25 عاماً، لأنه متزوج في سن 13 سنة، وبعد ذلك يمكن أن
يتزوج ابنه في سن 12 سنة، وبالتالي تبقى تصرفاته له ولا يحجر عليه .. وقد خالفه
أصحابه في هذا الرأي، لكنه انطلق من هذا المنطق ليقول: إن الإنسان حر في تصرفاته حر
في أعماله، حر في كل ما يقوم به وبالتالي علينا ما أمكن أن نحمي حرية هذا الإنسان
وأن نحافظ على كرامته وإنسانيته، وعلينا أن نسلك السبل ولو حتى بشبهة.
الـمـرأة كـامـلـة الأهـلـيـة
ويعلق عمرو خالد إذاً قضية الحرية والكرامة وإنسانية
الإنسان هي منطلقاته وقد أثارت مواقفه بالنسبة لحرية المرأة في ذلك الزمان بعض
المشكلات خاصة ما يتعلق بحريتها في الزواج وفي تولي القضاء هل هذا صحيح؟
يقول د. أسامة رفاعي:
قضية المرأة نرى بالإضافة إلى الأدلة الشرعية ,ينظر
الإمام أبو حنيفة إلى المرأة على أنها إنسان كامل، وبالتالي لها أهلية التصرف ولها
أهلية التحمل وأن عقودها ليست موقوفة على إجازة الغير أو متوقفة على إمضاء الغير،
بمعنى أنه إذا كانت المرأة عاقلة بالغة ووصلت إلى مرحلة تريد أن تختار زوجاً لها،
وأتى الولي وأراد أن يتعسف في استعمال الحق الذي جعله الله عز وجل له .. هنا تتضارب
إرادتان: إرادة الفتاة العاقلة البالغة الراشدة، التي ترغب أن تقترن بشخص ما،
والولي الذي ربما أراد أن يمنع زواجها من هذا الشخص.
الشارع كما يقول الإمام أبو حنيفة يرى أن إرادة
المرأة العاقلة البالغة مقررة في الشريعة الإسلامية تمنع الولي الذي يريد أن يصادر
قرارها ليكون قراره هو المقدم انطلاقاً من جملة أمور ومنها قوله " صلى الله عليه
وسلم ": " الأيم أحق بنفسها من وليها " قالوا الأيم في اللغة هي المرأة التي لا زوج
لها سواءً كانت بكراً أو كانت ثيباً.
وهناك حديث شريف آخر يقول:
" البكر تستأذن والثيب تستأمر " أي أن الثيب تسأل لأن
لها جرأة على الكلام، أما البكر فإنها تستأذن لأن إذنها صمتها أي إذا سكتت. الإمام
أبو حنيفة يروي بسنده أن امرأة أتت إلى النبي " صلى الله عليه وسلم " وقالت له: يا
رسول الله إن أبي أراد أن يزوجني من ابن عم لي ليرفع بي خسيسته، وأنا كارهة لذلك
قال: أجيزي ما فعل أبوك، قالت أنا لا أرغب إني كارهة لذلك، قال اذهبي وزوجي نفسك
....
قالت لا رغبة لي عما صنع أبي .. أي لا أريد مخالفته
وإنما أردت أن أعلم النساء أنه ليس لأوليائهن من أمرهن شيء.
ولذلك فإن القاعدة عند الحنفية تقول: وعبارة النساء
معتبرة في النكاح حتى لو زوجت المرأة العاقلة البالغة نفسها ممن شاءت، صح عقدها،
وللأولياء حق الاعتراض إذا كان الزوج غير كفء.
وقال كيف أجزتم لها أن تبيع وتشتري وأن تقبل الهبة
وأن تتصدق أو توقف المال ورفضتم هذا الأمر؟
الـحـريـة الـمـسـؤولـة
عمرو خالد:
هو منطق من حيث أن الإسلام أباح لها أن تبيع وتشتري
.. فكيف أباح لها هذا العقد ولم يبح لها العقد الآخر؟
- نحن هنا لا نفتي، لكننا نستعرض الآراء .. ما أريد
قوله: هذا الموضوع خالفه الأئمة فيه مخالفة شديدة فلو أننا تركنا العنان للبنات أن
يتزوجن دون موافقة الولي أو الأب، فإن كوارث كثيرة ستحدث ونحن نرى هذه الأيام
مشكلات اجتماعية رهيبة بسبب الالتفاف على إرادة الولي وموافقته.
د. أسامة رفاعي:
لكن ليست المخالفة على الإطلاق عند كل الأئمة،
فالإمام مالك اشترط الولي في قضايا الزواج، و لكن قال هذا يشترط في الفتاة التي
تمكث في البيت ولا تخالط الناس، أما الفتاة التي تخالط الناس وتعرف خيرها من شرها
فيجوز لها أن تلي عقد النكاح.
والحنفية عندما ناقشوه في هذه المسألة قال: لأن هذه
تعرف خيرها من شرها وتلك لا تعرف. قالوا إذاً الأصل أنها تلي عقد النكاح لنفسها
وللولي حق الاعتراض إذا كان الزوج غير كفء.
عمرو خالد:
أنا خائف من أي فتاة تذهب للارتباط بأي رجل وتقول
سأزوج نفسي ..
د. أسامة رفاعي:
لابد من الكفاءة وللولي حق الاعتراض إذا كان الزوج
غير كفء. ولذلك فإن المطبق الآن في المحاكم الشرعية أن الفتاة إذا لجأت إلى القاضي
وشكت إليه أمر الولي الذي يمنعها من الزواج، فإن القاضي يرسل إلى ولي أمرها ليستفسر
منه عن سبب المنع، فإذا وجدت رأيه سديداً في المنع يأذن بالزواج لأن له ولاية
عامة.
عمرو خالد:
أريد أن أركز على أن هذا الكلام قاله أبو حنيفة عام
150 هجرية أو قبله بسنوات، وكان هذا رأي واحد من الأئمة الأربعة في إعطاء الحرية
للمرأة، وإن من يقول في الغرب أن الإسلام سلب المرأة حريتها نرد عليه بما أقره
الإسلام لها بأن تحتفظ باسمها، وفي الغرب حتى اليوم لا تحتفظ المرأة باسمها لأنها
تغيره إلى اسم الزوج.
المرأة المسلمة أقدم حرية، ومع ذلك فإن المحافظة على
المرأة من أن تضيع جانب مهم فالمرأة في بلادنا مظلومة، والظلم يمنعها أن تتعايش مع
المجتمع وأحياناً يظن أن الإسلام هو السبب فتراها لا تتعايش حتى مع دينها.
د. أسامة رفاعي:
في هذا الموضوع الحنفية يقولون: أولى للمرأة ألا تلي
عقد النكاح لنفسها حتى لا تنسب إلى الوقاحة .. ولكن هناك فتاة بكر ستجبر على
الزواج، وهناك ولي يريد أن يمارس هذا الحق وهي رافضة، أي الأمرين أكثر ضرراً؟.. أن
تزوج الفتاة البكر رغماً عنها لتكون في بيت لا تقبل صاحبه ولا تحبه ولا تميل
إليه،وربما أدى ذلك إلى الطلاق، أم ندخل لنقول للولي: إذا أنت عارضت وكانت معارضتك
غير مجدية فإن الشارع يجيز للمرأة أن تلي عقد نكاحها مباشرة حتى نرفع ضرراً أشد
بضرر أقل.
ضــرورة الاخـتـلاف
عمرو خالد:
مفتاح شخصية أبي حنيفة إذاً هو الحرية، وإنسانية
الإنسان جميل جداً أن هذا أحد أئمة الإسلام، وأريد أن ألفت نظر الشباب إلى أهمية
ألا يعتنق الشباب رأياً أو فتوى سمعها من أحد العلماء، ويغلق عقله عليها، فيصد بذلك
أي رأي آخر أو أية فتوى.
د. أسامة رفاعي:
هذا تعصب مذهبي .. وهناك من يعرف بالتعصب ضد المذاهب
.. وقد تكون نوايا الشباب المسلم سليمة، ولكن الممارسة خاطئة فطالما هناك كتاب وسنة
لم لا يكون الشباب على رأي واحد؟
للإجابة على هذه المسألة باختصار .. أقول أن الاختلاف
الفقهي في الفروع ضرورة شرعية وطبيعة بشرية.. بمعنى أن عندي في الإسلام شريعة أي
فروع فقهية، وعندي عقائد، ويجب أن يستقر في الأذهان أن العقائد متفق عليها بين
أئمتنا الأربعة، كل ما يتعلق بذات الله تعالى أو الأنبياء عليهم السلام أو الملائكة
كلها قضايا مسلم بها وهي ثوابت.
بعض الناس يقولون: نحن نريد كلام السلف .. والأئمة
الأربعة هم أئمة السلف وليسوا من السلف العاديين، لأنهم جاؤوا في القرون الأولى
المشهود لها بالخيرية كالإمام أبي حنيفة ومالك والإمام أحمد والشافعي.
الاجـتـهـاد في الـفـروع
إذاً نحن نتبع في الأصول والعقائد أئمة سلف هذه
الأئمة الذين بعضهم رأى الصحابة رضي الله عنهم فكان من تابعي التابعين.
أما الفروع فهي ضرورة شرعية وطبيعة بشرية لأن الأئمة
جميعاً اجتهدوا فيها، والفروع مثل أحكام الصلاة وأحكام الزكاة، وأن أضع يدي أثناء
الصلاة فوق السرة أو فوق الصدر أو أرسل يدي وغير ذلك، وهذه تسمى فروع الشريعة.
ويجب أن يستقر في الأذهان أن من رحمة الله عز وجل أن
كانت الأحكام الفرعية التكليفية المتعلقة بأحكام العباد موسعة على شكل أن الاختلاف
أدى إلى الرحمة بالبشرية .. ولذلك بعض الناس يقولون: إذا كان الاختلاف رحمة فإن
الاتفاق نقمة .. لا هذه مغالطة.
ولذلك لما أتى رجل ألف كتابا أسماه " اختلاف الفقهاء
" قال له الإمام أحمد سمه " كتاب السعة " .. وتلك رؤية كل الأئمة أيضاً .. ومن هنا
يقول الإمام أبو حنيفة لما سئل عن صفات الحرية الموجودة عنده قال إنها حرية مقدسة
يمارسها ويعلمها بدليل أنه في مدرسته ما فرض رأياً واحداً، كان يطرح المسائل
العلمية للمناقشة. ولو كان الإمام أبو حنيفة لا يؤمن بحرية التعبير وحرية الإنسان
وكرامته لألزم تلامذته برأي واحد، وهذا كان مقرراً في مدرسة الإمام أحمد، حتى
الإمام أحمد تجد له في المسألة أحياناً عشر روايات والسبب .. أنه دائماً كان يعمل
نظره في المسألة ، ويقلب وجهات النظر تارة يغير رأيه لأثر، أو لدليل من السنة
مباشرة، أو تارة يطيب له رأي مختلف عن الآراء السابقة
أيضا الإمام الشافعي كان له رأي في المدينة في مدرسة
أهل الحجاز، وناقش الإمام مالك وانتقل إلى العراق فأسس المذهب الشافعي في العراق
وأتى إلى مصر فغير في بعض المسائل والروايات وأتى أصحابه ورجحوها.
خـطـأ الاجـتتهـاد وصـوابـه
الإمام أبو حنيفة يقول: رأينا هذا ما أتينا به هو رأي
ومن أتى بأفضل منه فهو أولى منا بالصواب، لا نجبر أحداً على هذا الرأي كل ما وصلنا
إليه إنما هو اجتهاد، فقد يقبل الخطأ أو الصواب.
لذلك عمت قاعدته الشهيرة:
" مذهبنا صواب ويحتمل الخطأ، ومذهب غيرنا خطأ ويحتمل الصواب".
ومن أهم أسباب اختلاف الفقهاء:
-
طبيعة
الناس.
-
طبيبعة
النص.
-
واختلاف العرف والعادات.
والاختلاف هنا
نعمة، لأنه ليس فقط طبيعة بشرية، إنما هو ضرورة شرعية .. وفي حياة النبي كان
الاختلاف موجوداً. يقول أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز: " ما من شيء أحب إليّ من
اختلاف أصحاب رسول الله ".
نشأ الإمام أبو
حنيفة في بيئة متلاطمة بالفتن والنزاعات الفكرية والفرق والاختلافات المذهبية ونحن
نعلم أن الكوفة التي مصرها سيدنا عمر بن الخطاب في عام 17 هجرية وأرسل إليها كبار
الصحابة وعلى رأسهم عبد الله بن مسعود كانت مقر خلافة علي بن أبي طالب، وقد أتى معه
من أتى من الخوارج الذين خرجوا على عثمان بن عفان، فاستوطنوا الكوفة.
والكوفة دخلها
من الصحابة ما لا يقل عن 500 صحابي .. وقد قيل أن أي مصر من الأمصار بعد المدينة
المنورة ومكة لم يدخلها هذا العدد من الصحابة الذين دخلوا الكوفة، ومع ذلك كانت
تموج بالفتن وفيها استشهد علي بن أبي طالب، ونشأ التشيع في بدايته على غير ما هو
عليه في أيامنا الأخيرة.
وقد عاصر زيد بن
علي، وعاصر محمد الباقر وجعفر الصادق، هؤلاء كلهم من آل البيت .. ووجد في زمانه
الخوارج وكانت لهم أتباع ووجدت المرجئة، ووجدت الفرق بكل أنواعها إلى درجة أن
الكوفة كان يقال عنها إذا وجد إنسان متفوق: هذا الفكر كوفي ويقولون: عن التعبد: هذه
عبادة بصرية، كالحسن البصري.
في هذه الأثناء
كان الإمام أبو حنيفة يناقش أصحاب الفرق ثابتاً على عقيدته ومثبتاً لأهل السنة على
عقيدتهم، وقد ثبت الله به عقيدة أهل السنة والجماعة.
إن من كرامات
أبي حنيفة – رحمة الله – أنه خرج رغم هذا العجاج الفكري والفقهي بعقيدة أهل السنة
والجماعة كما يخرج اللبن السائب من بين فرث ودم لبناً خالصاً للشاربين، وكما قالوا
قديماً: ارفع للحق راية يأتك أهله.
في بداية نشأته
تعلم أبو حنيفة علم الكلام حتى أصبح رأساً فيه، ثم بعد ذلك تركه و أدلف إلى علم
الفقه، ولأنه يخشى من علم الكلام أن يمارسه غير المتمكن، نهي ولده حماداً أن يتكلم
في علم الكلام وقال كلاماً رائعاً.
قال له ولده
حماد: أتنهى عن علم الكلام وأنت الذي أصبحت فيه علماً يشار إليك بالبنان؟ قال: نعم.
كنا إذا تكلمنا في علم الكلام كأن على رؤسنا الطير خشية أن يزل أحدنا فيكفر، أما
أنتم فإنكم تناقشونه وتتمنون زلته فإذا زل كفرتموه، ومن تمنى الكفر لأخيه فقد كفر.
www.amrkhaled.net |