|
حوارات عمرو خالد " لكل الناس "
حوار أجراه أ. عصام الغازي مع
الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ 9/5/2007
حلقاته العلمية
كانت مؤتمراً دائماً مفتوحاً ..
30 عاماً ..
والنقاش دائر لا يتوقف
مدرسته الفقهية
كانت البداية والشرارة الأولى لعلوم العصر كالجبر والكمياء والفلسفة والطب والمنطق.
بفضله صارت
بغداد عاصمة الحضارة في العالم كله .. ومنها انطلقت المدارس العلمية في أوروبا. ولم
يكن هناك دليل للتعايش أكثر من هذا.
كيف حقق أبو حنيفة .. التعايش مع الآخر؟
يقول الداعية
عمرو خالد في حديثه عن سيرة أبي حنيفة النعمان:
بدأ أبو حنيفة
حلقته النقاشية وعمره 40 عاماً ( عام 120 هجرية) واستمر حتى عام 150 هجرية. مؤتمر
دائم مفتوح لا ينفض على مدى 30 عاماً. يذهب أعضاؤه إلى أعمالهم في الصباح، ومنهم
أبو حنيفة الذي ظل تاجراً ناجحاً، وكان متجره في أهم شوارع بغداد، كان عالماً نابغا
له مهنة يمارسها بنجاح، ولعل التجارة أفادته في طريقة التفكير .. ثم تلتئم حلقة
النقاش يومياً من المغرب حتى بعد العشاء.
يجلس أبو حنيفة
على رأس الحلقة، عن يمينه أبو يوسف " تلميذه النجيب " وعن شماله تلميذه محمد بن
الحسن، وفي يد كل منهما أوراق وقلم ثم يجلس 40 رجلاً.
تواضع العلماء
يبدأ أبو حنيفة
الكلام بالتحدث عن المسألة التي ستطرح للنقاش، ويسأل: ماذا يكون رأي الإسلام فيها؟
طلب الحديث برفع
اليد، والأولوية للصف الأول في الكلام، وأبو حنيفة لا يعطي رأيه في البداية، لكنه
قد يعلق أو يوجه مسار النقاش. وبعد أن يقول الجميع رأيه ويتم الاتفاق على الرأي
الجماعي في المسألة، يطلب أبو حنيفة من أبي يوسف إثباتها في أوراقه. وأحياناً يثبت
أبو يوسف الآراء المتباينة حول هذه المسألة.
وكان أبو حنيفة
يقول: لا تأخذوا مني ما أقوله دون أن تعرفوا لم قلته. وكان إذا تصارعت الآراء بعنف
يقول لمن اختلف معه: سأتبنى رأيك وأدافع عنه، على أن تتبنى أنت رأيي وتدافع عنه كي
نتجرد للحق. مارأيك أن تناظر برأيي وأناظر برأيك؟
وكان حين يسافر
للحج يلتقي بعلماء مكة فيسألهم فيما أغلق عليه من أمور، ثم يعود ليعدل فتواه التي
وجد في مكة ما هو أفضل منها. وكان يرفض أن يسجل أبو يوسف رأيه الشخصي حتى تجتمع
الحلقة على رأي فيتم تسجيله، وكان تلاميذه يردونه قائلين: أخطأت يا أبا حنيفة:
فاندهش رجل جديد على الحلقة وقال محتجاً: ألا توقرون الشيخ؟ يقال له أخطأت، ويقبل و
يسكت ولا تتكلمون؟ فال له أبو حنيفة: دعهم فلقد عودتهم ذلك بنفسي، ونحن لا نفقه إلا
هكذا.
صاحب الحجة
يقول الإمام
مالك عن أبي حنيفة لو أراد أن يقنعك أن هذا العمود من ذهب لأقنعك بحجته، ويقول عنه
أبو يوسف: كنا نختلف مع أبي حنيفة ووالله تدور الأيام ولا نستقر إلا على ماقاله أبو
حنيفة.
ويقول محمد بن
الحسن: جمعنا العلم من أناس شتى فوجدنا العلم بالتفاريق ووجدناه جملة عند أبي
حنيفة.
ويقول الإمام
الشافعي: ما علمت أن في الأرض أفقه من أبي حنيفة وعندما يدخل على الناس يقولون: هذا
عالم الدنيا.
دخل أبو حنيفة
على الخليفة المنصور فقال: يا أبا حنيفة ممن أخذت العلم؟
قال: من أصحاب
عمر بن الخطاب.
ومن أصحاب ابن
مسعود عن ابن مسعود. ومن أصحاب علي بن أبي طالب. فقال المنصور: كفاك فقد استوثقت
علماً. ومع هذا العلم كله قبل أن يقال له: أخطأت.
فلما قيل له:
كيف تقبل ذلك؟
قال: قبلها عمر
وهو على المنبر من امرأة. وكان النقاش يستمر لعدة أيام في الحلقة دون الوصول إلى حل
للمسألة. وحين يهتف أحدهم " الله أكبر " يعرف الجميع أن الحلقة وصلت إلى حل للمسألة
المعقدة. فيهرول الجميع إلى الحلقة لسماع الحل.
اتهام الإمام
ووصل الولع
بحضور الحلقة أن أبا يوسف حين مات ابنه، سارع بدفنه وتلقي العزاء فيه، حتى لا تفوته
الحلقة، وحين مات أبو حنيفة صار أبو يوسف قاضي القضاة في الدولة الإسلامية وكان
مرافقاً دائماً لهارون الرشيد وقد مات وعنده 2 مليون دينار وأثناء احتضاره سألوه
ماذا تتمنى قال أتمنى أن أكون في حلقة أبي حنيفة دفعت نصف ثروتي.
من المسائل
التي ناقشها أبو حنيفة وسببت متاعب له أنه أفتى بقراءة الفاتحة في الصلاة لغير
العرب بلغتهم واتهموه بتشويه الإسلام وأرسل العلماء له في الحجاز من يناقشه ويقول
له أن العربية ستضيع هكذا وهي لغة القرآن الكريم فجمع أبو حنيفة الحلقة وقال لهم
جاءنا من الحجاز كذا وكذا وتوصلت إلى تعديل في الفتوى يقول أن المسلم غير العربي
يستطيع قراءة الفاتحة بلغته إلى أن يجيد اللغة العربية فإذا لم يتعلم يلثم.
سر اجتهاده
وقد أرسى أبو
حنيفة قاعدة مهمة هي كيف أتعامل معك وبنى منهجه على الحديث الصحيح لرسول الله صلى
الله عليه وسلم فحين أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى اليمن، قال له:
بماذا ستقضي يا معاذ؟ قال: بكتاب الله.
فقال له النبي
صلى الله عليه وسلم: فإن لم تجد؟
قال: بسنة رسول
الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فإن لم
تجد؟
قال: اجتهد رأيى
ولا آلو.
فابتسم النبي
صلى الله عليه وسلم وضرب على صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضي
رسول الله. وكان العلماء لا يتصورون أحداً يستطيع الاجتهاد غير الصحابة. وأدرك أبو
حنيفة أنه إذا لم يجتهد في مواجهة الأفكار والثقافات الوافدة على العراق وتسارع
التطور فإنه سيضيع ولن يجد الإسلام مكاناً له في عقول وقلوب هؤلاء الذين يتدفقون
على بغداد من كل جنس ولون. وكان عليه أن يجتهد ليظل الإسلام متماشياً مع هذا
الواقع. قالوا عن أبي حنيفة أن أصله فارسي وأنه جاء ليخرب الإسلام، وقالوا أنه
زنديق. وقالوا أنه من المعتزلة. وقالوا أنه من الخوارج، رغم أنه أكثر مسلم حارب
الخوارج، وقالوا أنه فاسق تاب ثم ارتد مرة أخرى عن الإسلام. وقالوا: لو خرج أبو
حنيفة عن المسلمين بالسيف لكان أهون مما خرج به، وكان في دفاعه عن نفسه يقول: كذب
والله وافترى من قال إنني مقدم الرأي على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني
آخذ بكتاب الله ثم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رأي الصحابة ثم أجتهد.
فماذا فعل مع
المختلفين معه؟
كان المختلفون
معه خمسة أنواع:
-
شخص عنده
عقل وعلم لكنه لم يفهم وجهة نظره
-
أو شخص
بسيط ومتواضع الذكاء
-
أو شخص
لا يفهم الكلام النظري ويريد أن يرى دلائل عملية.
-
أو شخص
حاقد وحاسد وأحمق.
-
أو شخص
صاحب قوة وسلطة ويريد إرغامك على تبني فكرته، وقد تعامل أبو حنيفة مع كل هذه
الشرائح من البشر، لأنه تواجد في مناخ متلاطم الأمواج وتعايش معه فألفة المسلمين هي
أعظم أركان الشريعة. ولا يوجد أمر شرعي في الإسلام إلا وراءه هدف من أهداف الألفة،
لماذا قال الإسلام أن الغيبة حرام، وأن النميمة حرام، والطلاق صعب أن يتم، ولماذا
شرع صلاة الجمعة وصلاة الجماعة في المسجد؟ الشرع كله مبني على ألفة المسلمين.
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:
" ألا أدلكم على ما هو أعلى درجة من الصائم القائم
الذاكر؟
قالوا: ما هو ذلك يا رسول الله؟
قال: إصلاح ذات البين"
التعايش إذن واجب علينا.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن فساد ذات
البين هي الحالقة " لا أقول تحلق الشعر وإنما تحلق الدين.
كان أبو حنيفة يتبع خمسة طرق للتعامل مع الناس.
1-
المنطق
العقلي
2-
المنطق
العملي
3-
التحايل
الذكي
4-
الصبر
والحلم
5-
الثبات
على المبدأ في مواجهة المختلف الذي يريد أن يفرض عليك رأيه، وقد نجح أبو حنيفة في
التعامل مع الناس من خلال هذه المهارات الخمس.
1-
ماذا
تفعل لو اختلف معك شخص ذو عقل؟
انتشرت الشائعات أن أبا حنيفة أخطأ، ووصل ذلك إلى
الحجاز. قالوا أنه يفسد في الدين، وأنه يقدم رأيه الشخصي على حديث النبي صلى الله
عليه وسلم، وأنه يقيس أي يقول أن العقل يقول كذا فيقر ما يقوله العقل حتى ولو اختلف
عن حديث النبي. وذهب أبو حنيفة للحج، فالتقى بالإمام محمد الباقر: أنت الذي غيرت
دين جدي فقدمت القياس على أحاديثه؟ فقال أبو حنيفة: ما فعلت.
قال: بل فعلت.
قال أبو حنيفة: يا إمام .. هلا جلست حيث تحب حتى أجلس
حيث أحب؟
فجلس محمد الباقر على مقعد.
فقال له أبو حنيفة: أنت جلست حيث تحب، وأنا أجلس على
الأرض حيث أحب أن أكون بين يديك.
الباحث عن الحق
يقول أبو حنيفة: أنا مع من يختلف معي كمثل رجل ضاعت
ناقته في الصحراء، فهو يريد الناقة فلا يفرق معه: هل هو الذي سيجدها، وأنا أبحث عن
الحق لا يفرق معي على لساني سيكون أم على لسان غيري، من هنا بدأ بالتواضع مع محمد
الباقر. وقال أبو حنيفة: إنما فعلت ذلك لأن مقامك عندي كمقام جدك عند أصحابه
واستطرد: يا إمام أنت تقول أنني غيرت دين جدك بالقياس بالرأي وتركت حديثه. قال:
نعم. فعلت.
فقال: أبو حنيفة: يا إمام أسألك ثلاثة أسئلة:
أيهما أضعف الرجل أم المرأة؟
فقال الباقر: المرأة أضعف بدنياً.
قال: في دين جدك ميراث الرجل وميراث المرأة أيهما
أقل؟
قال: المرأة نصف الرجل.
فقال: لو كنت أعمل بالرأي وأترك حديث جدك لقلت المرأة
أضعف فتستحق ضعف الرجل لكني لم أقل ذلك. لأن حديث النبي مقدم عندي على رأيي . ثم
سأله السؤال الثاني:
أيهما أعظم عند الله: الصلاة أم الصيام؟
قال: الصلاة.
فقال: يا إمام المرأة بعد رمضان يفوتها صلاة وصيام
بما أمرها جدك صلى الله عليه وسلم. أن تقضي: الصلاة أم الصيام؟ قال: الصلاة.
فقال أبو حنيفة: لو كنت أجتهد برأيي وأترك حديث النبي
صلى الله عليه وسلم لقلت: الصلاة أفضل إذاً تعيد الصلاة ولا تعيد الصيام، لكني لم
أفعل ذلك. قلت كما قال جدك: تعيد الصيام ولا تعيد الصلاة.
ثم سأله السؤال الثالث:
يا إمام أيهما أكثر نجاسة: البول أم النطفة؟
فقال: في دين جدي البول أنجس.
قال: يا إمام لو كنت آخذ بالرأي وأجتهد وأترك حديث
النبي صلى الله عليه وسلم لقلت: البول نغتسل منه والنطفة نتوضأ منها لأن البول أنجس
لكني قلت كما قال جدك البول نتوضأ منه والنطفة نغتسل منها. فلم أغير بالرأي يا
إمام، وإنما فعلت ما فعلت لأن العراق كل اليوم الناس تكون في جديد فأردت أن أحمل
الناس لدين جدك. فقام محمد الباقر وقبل رأس أبي حنيفة.
www.amrkhaled.net |