|
حوارات عمرو خالد " لكل الناس "
حوار أجراه أ. عصام الغازي مع
الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ 2/5/2007
عشاق الحرية ..
يرفعون دائماً شعار الفيلسوف الألماني " فولتير " الذي يؤكد احترامه ودفاعه عن حرية
الآخر في أن يقول رأيه ولو خالفه في الرأي.
هؤلاء لا يعلمون
أن الإمام أبا حنيفة النعمان سبق فولتير بقرون عندما أسس مدرسة للفتوى وأعطى
لتلاميذه الحق في مخالفته وسجل في الفقه الذي ينسب إليه الكثير مما يخالف رأيه هو.
سبق فولتير بقرون ..
أبو حنيفة .. رائد حرية الرأي
الإبحار في فكر
أبي حنيفة يكشف ريادته في أمور شتى منها تأسيس أول مدرسة فقهية في الإسلام وتدوين
علم الشريعة وإبداع الفكر التقديري الذي سبق به زمانه والتأكد بأن الدين يلبي
دائماً احتياجات الحياة.
الداعية عمرو
خالد يواصل سرد مسيرة الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان الذي أرسى مبادئ التعايش
الأولى في الإسلام.
عن إنجازات أبي
حنيفة يقول عمرو خالد: أبو حنيفة هو مؤسس أعظم وأول مدرسة فقهية في تاريخ الإسلام،
فقد ترك النبي " صلى الله عليه وسلم " للمسلمين القرآن والسنة.
وكان المسلمون
يرغبون في حل مشكلاتهم في الحياة بالقرآن والسنة، فكان لابد من إيجاد الطريقة التي
نستخرج بها من القرآن والسنة ما يحل مشكلتنا.
وهذا هو الفقه
الذي قدمه لنا الأئمة الأربعة فوضع كل منهم مذهباً للتحرك من مكان لآخر، وكان أبو
حنيفة هو البداية، وهو آخر من لحق بالتابعين عام 80 للهجرة، ويقال أنه تابعي لأنه
حضر أنس بن مالك فأنس هو آخر الصحابة لأن النبي " صلى الله عليه وسلم " دعا له
بطول العمر، فذهب إلى العراق وعاش بالكوفة التي ولد بها أبو حنيفة وقد جاء أبو
حنيفة قبل الإمام مالك، وقبل الشافعي الذي تتلمذ على يد أبي حنيفة وجاء قبل أحمد بن
حنبل.
تدوين الشريعة
وينسب إلى أبي
حنيفة أنه أول من دون علم الشريعة، وأول من وضع ملازم وقام بتقسيم الفقه إلى أبواب
وأول باب في الفقه هو الطهارة، ثم الصلاة ثم العبادات ثم البيع والشراء ثم باقي
المعاملات ثم الزواج.
هذه التقسيمة
أول من وضعها في تاريخ الإسلام هو أبو حنيفة، رغم أن أول كتاب وضع هو كتاب الإمام
مالك " الموطأ ".
ومذهب أبي حنيفة
حتى الآن هو الأكثر انتشاراً في العالم الإسلامي، خاصة بين غير الناطقين بالعربية
.. وكان إماماً غير عادي لدرجة أنه يقال: ينبغي لكل مسلم أن يدعو في صلاته لأبي
حنيفة .
احتياجات المجتمع!
عظمة أبي حنيفة
أنه أدرك احتياجات المجتمع وهذه أولى نقاط التعايش .. كيف أبني منطقة مشتركة بيني
وبين من هم حولي، فأنا جزء من المجتمع، ولابد أن أعرف احتياجاته وأساهم قدر طاقتي
في توفيرها.
يقولون: من الذي
يستطيع أن يكون مليونيراً؟ .. هو الذي يستطيع رصد حركة الناس في أي اتجاه، ويسبقهم
ويصل قبلهم. وأبو حنيفة فعل ذلك بالنسبة للفقه، سأل نفسه:
كيف أجعل
المسلمين يتقدمون خطوة للأمام من خلال فكرة التعايش؟
عندنا منطقتان:
الحجاز والعراق.
أبو حنيفة ولد
في العراق .. والحجاز عاش فيها النبي ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، وكان مقراً
للخلافة الإسلامية ثم انتقلت الخلافة إلى منطقة العراق مع الإمام علي بن أبي طالب.
فجأة تحولت العراق من مجرد قطر عادي لتكون مركز الدائرة، وبغداد كانت عاصمة العالم،
في الاقتصاد والثقافة والعلوم، كل يوم هناك علم جديد، وكل يوم هناك فكرة جديدة
واختراع جديد، والناس تدخل الإسلام بالملايين، كان تعداد بغداد في ذلك الزمن عام 80
للهجرة 2 مليون إنسان.
أما الحجاز فكان
يعيش في هدوء، وكان الوضع في مكة والمدينة مستقراً .. ونشطت حركة الترجمة في العراق
بكل لغات الدنيا، كل شيء وكل فكر يتم ترجمته إلى العربية، هجوم شرس من كل الثقافات
الوافدة رغم أن الإسلام قوي جداً وفي أقوى مراحل تاريخه، لكن هناك انفتاح وتطور
سريع.
الاجتهاد والقياس
كان الفقه يرتكز
على أن كل شيء يستند إلى القرآن والسنة فقط، إلا أن العراق غير الحجاز .. البيئة
مختلفة، في الحجاز يقولون نأخذ بالحديث كما هو ولا نحمله فوق طاقته .. لكن أبا
حنيفة يأتي ويقول كلاماً مختلفاً تماماً، سنأخذ بالقرآن والسنة، إلا أن القرآن
والسنة آيات عددها محدود، وتطورات الحياة غير محدودة، من هنا قال أبو حنيفة أنه
سيلجأ إلى الاجتهاد أو الرأي أو القياس!
قال أنه سيبحث
في الآية فإذا لم يجد ما يريد سيبحث في الحديث فإذا لم يجد سيبحث في كلام أبي بكر
وعمر وعثمان وعلي، فإذا لم يجد فإنه سيلجأ إلى الاجتهاد أو الرأي أو القياس، وسيربط
المشكلة التي استجدت بشيء مشابه نص عليه القرآن أو السنة، كالمخدرات مثلاً، فلأنها
تغيب العقل تم ربطها بالخمر، إذن المخدرات حرام.
كيف يتم الحكم
على كل الأحداث من خلال القرآن ثم السنة ثم الصحابة، ثم الاجتهاد أو الرأي، ولهذا
سميت مدرسة الرأي.
جزء مهم جداً في
التعايش أن آتي مكانك وتأتي مكاني، هذه ألفباء الحوار، ولهذا سبق أبو حنيفة زمانه،
وكان يرى أن لديه مشكلة ليست موجودة في الحجاز، فالحجاز ساكن والتجديد هناك محدود،
لكن في العراق إيقاع التطور متسارع، ولهذا كان عليه أن يسبق الأحداث أو يكون على
الأقل موازياً لها، وإلا فإن الفقه سيتخلف عن الحياة، فتحدث فجوة بين الإسلام
واحتياجات الدنيا، وأصر أبو حنيفة على عدم حدوث هذه الفجوة.
إنصاف أبي حنيفة
أول شيء أدركه
أبو حنيفة أن الناس في العراق لديهم تطور مذهل في الأحداث، والقرآن صالح طبعاً لكل
زمان ومكان، فأدرك أن الآيات المحدودة يمكن أن يخرج منها فكر غير محدود بمعالجة
القضايا غير المحدودة، لكن الأمر يستوجب إعمال العقل .. وواجه أبو حنيفة بسبب هذا
التفكير مشكلات كثيرة، لكن الحجاز بدأت تتأثر بهذا التفكير المتطور، واضطرتهم
الأحداث الجديدة إلى القياس.
يسأله رجل: إذا
قلت قولاً وكتاب الله يقول غير ذلك، بماذا ستأخذ؟ يقول أبو حنيفة: طبعاً بكتاب
الله.
فيسأله الرجل:
إذا قال رسول الله قولاً وقلت قولاً .. بماذا ستأخذ؟
يقول: طبعاً
بقول رسول الله، ويسأله الرجل: إذا قال أصحاب رسول الله قولاً، وقلت أنت قولاً، فبم
ستأخذ؟ يقول: بقول أصحاب رسول الله. قال له الرجل: وإذا قال تابعي قولاً وقلت أنت
قولاً؟ قال: هم رجال ونحن رجال، هنا قرر أن يستخدم رأيه، لدرجة أن الإمام الأوزاعي
– إمام الشام – وكان يعيش في بيروت،جاءه عبد الله بن المبارك وهو من تلاميذ أبي
حنيفة .. قال الأوزاعي لعبد الله بن المبارك دون أن يعرفه: من هذا المبتدع في
الإسلام الذي ظهر في العراق ويكنى أبا حنيفة؟
يقول عبد الله
بن المبارك: لم أرد عليه ولكن ذهبت فجمعت المسائل التي رد عليها أبو حنيفة، وجئته
بعد الصلاة وقلت له اقرأ، فقال لمن هذه؟
قلت: لرجل يسمى
النعمان بن ثابت.
فظل يقرأ ويقول:
عجباً ما هذا الفقه؟ عجباً ما هذه الرؤية؟
يقول فظل يقرؤها
حتى أذن المغرب ثم العشاء ثم بقي يقرأ، ثم قال لى: يا بن المبارك الزم هذا الرجل
فإنه عظيم .. من هذا الرجل، فقلت له: هو أبو حنيفة.
فقال: والله لقد
بلغني عنه غير الذي قرأت نحن نفعل ذلك الآن، نحكم على الناس دون أن نعرف قدورهم.
ألفباء التعايش
أن تسمع قبل أن تصدر أحكامك.
قلق الخلفاء من الاجتهاد
ولأن الكلام
الذي يقوله أبو حنيفة جديد، أرسل الخليفة المنصور إلى أبي حنيفة يقول له: بلغني أنك
تقدم الرأي والقياس والاجتهاد على أحاديث الرسول " صلى الله عليه وسلم " .. فرد
عليه أبو حنيفة قائلاً: ليس كذلك يا أمير المؤمنين .. أنا أقول أولاً بكتاب الله ثم
بسنة رسول الله ثم بأقضية أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم أعمل عقلي فأختار ما أراه
أرجح لحاجة الناس.
وبدأ أبو حنيفة
يسير باتجاه سير الحياة، فلم ينفصل الدين عن الحياة. نحن الآن في زمن أنشئت فيه
البنوك، فما وضع هذه البنوك في الإسلام. لا يوجد مجتهدون في الرأي حولها .. ثم يجيء
الاستنساخ، ولا يوجد اجتهاد حوله، فبدأت تحدث فجوة، وبدأ بعض الناس يبتعدون عن
الدين بدعوى أنه لا يلبي احتياجات الحياة، ونشأ التطرف والعنف نتيجة لذلك .. أبو
حنيفة تمكن من سد هذه الفجوة في زمانه.
أبو حنيفة يسبق زمانه
وانتقل أبو
حنيفة خطوة أخرى .. قال لماذا نظل نسير في ركب الحياة، وبين الحين والآخر نبحث عما
تحتاجه الدنيا ثم يرد الإسلام؟ وقرر أن يسبق الدنيا، فأنشأ ما سمي الفكر التقديري
.. يفترض مسائل غير موجودة، ويقول لو حدث ذلك ماذا نفعل؟
أوجد 20 ألف
مسألة سابقة لزمانها، هذا تاريخنا، وهذا إمام المسلمين الأعظم، في هذه المسائل سبق
في الزواج والطلاق والزراعة وكل نواحي الحياة، توقع أشياء ستحدث في الثلاثين سنة
التالية في العراق .. وكان أول من تحدث عن ترجمة تفسير القرآن الكريم إلى اللغات
الأخرى، وهوجم على ذلك هجوماً شديداً.
كان مثلاً يجلس
بين تلاميذه ويقول: بعد 20 سنة يحتمل أن يحدث كذا وكذا في دجلة والفرات، فكيف نواجه
ذلك؟
الرجال
المتزوجون الذين يخرجون للجهاد والمعارك إذا لم يعودوا ولم نعرف مصائرهم ماذا نفعل
بنسائهم؟
كان يسبق
الأحداث، والدنيا تلحق به وكان الخلفاء بحاجة إلى فقهه، لأن الأحداث تفاجئهم بما لم
يستعدوا له، فيجدون في فقه أبي حنيفة الحل الناجح.
أول مدرسة للفتوى
النقلة الثالثة
في مسيرة أبي حنيفة كانت تشكيل مدرسة للفتوى تشبه المجمع الفقهي كان يؤمن بالمدرسة
الجماعية في الفقه، فأنشأ أكاديمية أو مؤسسة علمية فقهية، وجاء بتلاميذ وعلماء من
شتى التخصصات واتفق معهم أن يعيشوا معاً سنين طويلة، لتشكيل الفقه الإسلامي، وقرر
أن يتم ذلك بحوار بين الأربعين عالماً الذين تتشكل منهم حلقته، ولم يفرض رأيه
أبداً.
وهنا تأكدت
النقلة الرابعة في مسيرته وهى إيمانه بالحرية، فلو أنه كأستاذ فرض رأيه على تلاميذه
الأربعين، لأنتج فكراً عقيماً، كان يربيهم ويقول لهم أنتم أحرار فقولوا ما شئتم،
وخالفوني كيفما شئتم لتكون هناك حرية في الحلقة أو في المدرسة أو الجامعة، كل واحد
يقول ما شاء، ويختلف معي كيف يشاء، وما نتفق عليه في النهاية هو فقهنا، هذه ليست
مدرستي، إنما هي مدرستنا، وكم من قضايا دونت في فقه مدرسة أبي حنيفة، عكس رأي أبي
حنيفة. هذا ما أنتجته بيئة العراق في فقه أبي حنيفة، أربعة إنجازات لم يسبقه إليها
أحد في تاريخ الإسلام.
www.amrkhaled.net
|