|
ورحم الله أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي ضرب أروع الأمثلة في هذا الباب؛ حيث ضرب
بيد من حديد على من سولت له نفسه أن يلج باب الابتداع والتغيير في الدين؛ فتحكي كتب
السير أن قومًا أتوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالوا: "يا أمير المؤمنين، إنا
لقينا رجلاً يسأل عن تأويل القرآن. فقال: اللهم أمكني منه. فبينا عمر ذات يوم جالس
يغدي الناس إذ جاءه وعليه ثياب وعمامة فغداه، ثم إذا فرغ قال: يا أمير المؤمنين، ﴿وَالذَّارِيَاتِ
ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا﴾[الذاريات:
1-2]. قال عمر: أنت هو، فمال إليه وحسر عن ذراعيه، فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته،
ثم قال: احملوه حتى تقدموه بلاده، ثم ليقم خطيبًا، ثم ليقل: إن صبيغًا ابتغى العلم
فاخطأ، فلم يزل وضيعًا في قومه حتى هلك وكان سيد قومه"().
وقيل: إن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه كتب إلى قومه ألا يجالسوه، فلو جاء وهم مائة لتفرقوا.
ونتيجة لهذا الحصار
المفروض على صبيغ نجد أنه راجع نفسه، فذهب إلى واليه أبي موسى الأشعري فحلف له أنه
لا يجد في نفسه شيئًا، فكتب إلى عمر، فكتب إليه: خل بينه وبين الناس().
وهذا الفتى المعلّم
عبد الله بن مسعود الذي امتدحه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فقال في حقه: "لَرِجْلُ
عَبْدِ اللَّهِ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أُحُدٍ"()،
كانت إيجابيته وغيرته على الدين والحفاظ عليه أعظم ما تكون؛ فقد ذُكر له أن "عمرو
بن عتبة بن فرقد السلمي ومعضد في أناس من أصحابهما اتخذوا مسجدًا يسبحون فيه بين
المغرب والعشاء كذا، ويهللون كذا، ويحمدون كذا، فأخبر بذلك عبد الله بن مسعود فقال
للذي أخبره: إذا جلسوا فآذني. فلما جلسوا آذنه. فجاء عبد الله عليه برنس حتى دخل
عليهم فكشف البرنس عن رأسه ثم قال: أنا ابن أم عبد، والله لقد جئتم ببدعة ظلماء،
أوقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علمًا؟! فقال معضد -وكان رجلاً مفوهًا:
والله ما جئنا ببدعة ظلماء، ولا فضلنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. فقال عبد
الله: لئن اتبعتم القوم لقد سبقوكم سبقًا مبينًا، ولئن جرتم يمينًا وشمالاً لقد
ضللتم ضلالاً بعيدًا"().
وأخيرًا نختم
بالصحابي الجليل عبد الله بن عمر الذي لقب بـ"مجنون السنة" الذي أعلن براءته ممن
ابتدعوا القول في القدر، فأخرج مسلم، عن يحيى بن يعمر قال: "كَانَ أَوَّلَ مَنْ
قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا
وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ
فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه
وسلم فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلاَءِ فِي الْقَدَرِ، فَوُفِّقَ لَنَا
عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلاً الْمَسْجِدَ،
فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَنْ
شِمَالِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلامَ إِلَيَّ فَقُلْتُ: أَبَا
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ
وَيَتَقَفَّرُونَ()
الْعِلْمَ، وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لاَ قَدَرَ،
وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ. قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي
بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ
اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ أَنَّ لأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ
مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ"().
أرأيتم كيف غار عبد
الله بن عمر على العقيدة وتبرأ من الذين أرادوا أن ينفوا القدر، إنه يضرب لنا المثل
الأعلى في الإيجابية وفي الغيرة على دين الله، وعقيدة المسلمين الصحيحة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
أحمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني: فضائل الصحابة، تحقيق: د. وصي الله
محمد عباس، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1403ﻫ-1983م، (1/446)
باختصار.
(2) انظر:
أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي: الإصابة في تمييز
الصحابة، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى،
1412ﻫ-= =1992م، (3/458-459)- أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن
إدريس بن عبد الله: مسائل الإمام أحمد، تحقيق: د.فضل الرحمن دين محمد،
الدار العلمية، دلهي، الطبعة الأولى، 1988م، ص(477-478).
(3) أخرجه
أحمد في مسنده، ح(876)، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (9/288-289):
"رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني ورجالهم رجال الصحيح غير أم موسى وهي ثقة".
وذكره الألباني في "الصحيحة"، (6/570).
(4) سليمان
بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني: المعجم الكبير، تحقيق: حمدي بن عبد
المجيد السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، الطبعة الثانية، 1404ﻫ-1983م،
(9/126).
|