|
تكمن أهمية
الإيجابية -فيما نرى- في أنها():
1-تمنع من الانحراف
في الدين
لو أن هذا الدين
الذي ختم الله به الرسالات، وأكمل به الشرائع، تُرك لكل واحد أن يدلو فيه بدلوه
بالزيادة أو النقصان، ماذا سيكون حال هذا الدين؟!
لابد أن النتيجة
الحتمية هي التحريف في هذا الدين، وضياع صورته الحقيقية، وتشويه شكله، وطمس معالمه
الأصيلة، وتزييف أهدافه النبيلة.
ولكن لو أن كل مسلم
علم أنه على ثغر من ثغور الإسلام، وأنه مطالب بالحفاظ على هذا الدين من تحريف
الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، لظل هذا الدين في حصن منيع يستعصي على
من يتربصون به الدوائر.
ومشكلة أي دين تكمن
في الابتداع فيه؛ لذلك حذر النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- منه، بل هدد وأوعد من
يقدم على هذا الفعل فقال:
"مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي فَعَمِلَ بِهَا النَّاسُ كَانَ لَهُ مِثْلُ
أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لاَ يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ ابْتَدَعَ
بِدْعَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ أَوْزَارُ مَنْ عَمِلَ بِهَا لاَ يَنْقُصُ
مِنْ أَوْزَارِ مَنْ عَمِلَ بِهَا شَيْئًا"().
وصح عنه -صلى الله
عليه وآله وسلم- أنه قال: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ
فَهُوَ رَدٌّ"()،
أي: مردود عليه غير مقبول منه.
والبدعة لا تقوم
ولا تظهر إلا عند غفلة أهل الحق، وقعودهم عن القيام بالمسئولية المنوطة بهم،
المعلقة في أعناقهم، فإذا وَجَدَتْ عند ابتدائها من يردها، فإنها ترجع مدحورة إلى
جحرها، ولا تزال تطل برأسها بين الحين والآخر، وتنظر من طرف خفي حتى تجد الغفلة
والسهو من أهل الحق فتعود من جديد.
وانظر -أيها القارئ
الحبيب- إلى هذا الحديث الذي رواه مسلم من أن "أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ
يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلاةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ:
الصَّلاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ. فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ.
فَقَالَ أَبُو
سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِr
يَقُولُ: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ
يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ
الإِيمَانِ"().
فهذا رجل من أهل
السلطة يغير سنة من سنن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم، فيقوم إليه رجل مجهول لم
نعرف عنه شيئًا، ولكنه احتسب تلك القومة عند الله، مهما كانت النتائج المترتبة على
ذلك، وبعد ذلك يؤكد الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري أن هذا الرجل قضى ما عليه، وهذا
صحيح لا يماري فيه إلا منافق، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- حيث يقول:
" إِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ"().
وهناك مواقف عظيمة
سجلها التاريخ لرجال خافوا على هذا الدين، فوقفوا في وجه الباطل مهما طغى وتجبر،
وتصدوا للطغيان مهما بغى وتكبر؛ فها هو "قاضي البصرة إبراهيم بن محمد التيمي يقول:
الخلفاء ثلاثة: أبو بكر يوم الردة، وعمر بن عبد العزيز في رد المظالم من بني أمية،
والمتوكل في محو البدع وإظهار السنة"().
وهذه كلمة حق
وشهادة صدق لهؤلاء الأطواد الشوامخ من أطواد الإسلام.
فإيجابية صديق
الإسلام وثاني رجل في أمة محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- إيجابية مشرقة، فهو مثال
ونموذج أعلى في الإيجابية، فقد وقف الصديق
t
متوعدًا مانعي الزكاة قائلاً قولته المشهورة: "وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً
كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
r
لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ"()،
وبذلك قضى على مانعي الزكاة الذين كانوا يريدون أن يتملصوا من تعاليم الدين،
ويتحللوا من فرائضه رويدًا رويدًا، لكنه
t
أدبهم فأحسن أدبهم، وردهم إلى الجادة، وجعلهم يسيرون في قافلة التوحيد مرة أخرى،
بعدما كادوا أن يَضلوا ويُضلوا.
فلولا أبو بكر
الصديق
t
ووقوفه في وجه المرتدين لكان حال الإسلام
في الجزيرة العربية، بل والعالم أجمع غير تلك الصورة التي نعيشها الآن.
وكذلك الحال مع
المتوكل الذي أبطل فتنة القول بخلق القرآن التي ابتدعها المعتزلة، واحتضنها ثلاثة
من خلفاء بني العباس، وهم: المأمون، والمعتصم، والواثق.
هذه الفتنة التي لم
يثبت أمامها من العلماء إلا إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل -طيب الله ثراه-
الذي رفض الإذعان لأهل السلطان، ولم يخش الصولجان، وضحك في وجه المنايا بعين راضية،
ونفس أبية، وشخصية قوية، وعقيدة صافية لا دخن فيها ولا شوائب، وتصدى لأعدائه وهو
شامخ البنيان، ثابت الجنان، فصيح اللسان؛ فقد حاول أعداؤه أن يفرضوا عقيدتهم
السقيمة بالقوة، واستعانوا بذوي المناصب، فأدخل أبو عبد الله السجن، وتكسرت السياط
على البساط، وهو كالجبل الأشم الذي يصعب على الأعاصير المسمومة أن تنال منه شيئًا،
وبعد ذلك منَّ الله
I
عليه، وخرج من تلك المحنة مرفوع الرأس، مشرق الوجه، عالي الجبين، وثبت الله به
المؤمنين، وهذا ما حدا بعلي بن المديني أن يقول: أيد الله هذا الدين برجلين لا ثالث
لهما: أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة([8]).
والمزني أن يقول:
"أحمد بن حنبل يوم المحنة، وأبو بكر يوم الردة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم
الدار، وعلي يوم الجمل وصفين"().
ورحم الله أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب
t
الذي ضرب أروع الأمثلة في هذا الباب؛ حيث ضرب بيد من حديد على من سولت له نفسه أن
يلج باب الابتداع والتغيير في الدين؛ فتحكي كتب السير أن قومًا أتوا عمر بن الخطاب
t
فقالوا: "يا أمير المؤمنين، إنا لقينا رجلاً يسأل عن تأويل القرآن. فقال: اللهم
أمكني منه. فبينا عمر ذات يوم جالس يغدي الناس إذ جاءه وعليه ثياب وعمامة فغداه، ثم
إذا فرغ قال: يا أمير المؤمنين، ﴿وَالذَّارِيَاتِ
ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا﴾[الذاريات:
1-2]. قال عمر: أنت هو، فمال إليه وحسر عن ذراعيه، فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته،
ثم قال: احملوه حتى تقدموه بلاده، ثم ليقم خطيبًا، ثم ليقل: إن صبيغًا ابتغى العلم
فاخطأ، فلم يزل وضيعًا في قومه حتى هلك وكان سيد قومه"().
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(6) محمد
بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي أبو عبد الله: سير أعلام النبلاء،
تحقيق: شعيب الأرناؤوط, محمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة
التاسعة، 1413ﻫ، (12/32).
|