|
( الحلقة السابعة
)
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله صلى
الله عليه وسلم. أهلاً بكم، لنكمل سويا "دعوة للتعايش".
كنا نتحدث
عن الأئمة الأربعة واليوم نحن على موعد مع إمام جديد: الإمام مالك. ولكن دعونا أولا
نتذكر سويا ما هو معنى التعايش؛ التعايش الذي نطبقه من خلال سير الأئمة الأربعة.
التعايش
هو العيش، كيف نعيش مع بعضنا البعض؟ كيف نفهم بعضنا البعض؟ كيف نتفاعل ونقبل الآخر؟
لا أقصد قبول أفكار الآخر بل قبول وجوده. كيف أبني جسورا لا حوائط؟ ما هو أدب
الاختلاف وأدب الحوار؟ كيف ننظر إلى اختلاف البشر على أنه ميزة وليس عيبا؟
حكمة الله
في خلقنا أن نعمر الأرض، كيف سنعمرها بأفكار واحدة؟ لا يمكن، إذًا فالاختلاف ثراء
للأفكار لتعمير الأرض، هذا هو التعايش.
اليوم سنتحدث عن الإمام مالك، وهو نموذج لشخص استطاع أن يجمع حوله الآلاف من الناس
لسنين طويلة. لن نتحدث اليوم عن قصته بل عن شيء عجيب جدا، عاش هذا الرجل أربع
وتسعين سنة، منذ العام الثالث والتسعين هـ إلى العام المائة وخمس وثمانين هـ، على
عكس الإمام الشافعي الذي عاش أربع وخمسين سنة فقط. بدأ الإمام مالك في الجلوس
لإفتاء الناس منذ بلوغه عامه السابع عشر! وهو يقول: "ما جلست للفتوى حتى شهد لي
سبعون من علماء المدينة أن أجلس للفتوى". جلس الإمام مالك للفتوى عن جدارة لمدة
حوالي سبعين عاما حيث يلتف حوله الآلاف، أنا مستشعر قدر هذا العالم لأني أتحدث مع
الناس، لا يوجد أحد لديه ما يقدمه للناس في هذه المدة بهذه القوة ويجد منطقة مشتركة
لآلآف من الناس، إلا إذا كان لديه شيء غير عادي.
حلقة
اليوم، تناقش ماذا كان لدى مالك ليقدمه طوال هذه الأعوام لهذا العدد الضخم من
الناس؟ هذه الحلقة تعلمني وإياكم مهارة نتعايش بها ونستفيد من الإمام مالك فيها.
يوجد حديث للنبي صلى الله عليه وسلم يتنبأ فيه بالإمام مالك! يقول صلى الله عليه
وسلم: "يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل من أجل العلم فلا يجدون إلا عالم
المدينة". النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يتنبأ بأن الناس ستتجمع من
جميع أقطار العالم يبحثون عن رجل ليتعلموا منه وسيجدونه في المدينة. يقول العلماء
والتابعون أنهم ما كانوا يشكون أن النبي صلى الله عليه وسلم يقصد مالك. فسُمي "عالم
المدينة" كما سُمي "إمام دار الهجرة". وهو ثاني الأئمة الأربعة الذين ترتبط أسماؤهم
بتشكيل الفقه الإسلامي الذي تشكل بعد وفاة النبي، لوجود عدد محدود من الآيات
والأحاديث أمام عدد غير محدود من المشاكل والمواقف، فجاء الأئمة بفكر "كيف نستنبط
من الآيات والأحاديث المحدودة حلولا للمشاكل والمواقف غير المحدودة"؟
وُلد
الإمام مالك وعاش وتُوفي في المدينة ولم يخرج منها إلا لمكة حاجًّا أو معتمرا فقط.
وكان درسه في المسجد النبوي وبالتحديد في أجمل مكان فيه: ما بين منبر النبي وبيته
صلى الله عليه وسلم - في الروضة-كما قال صلى الله عليه وسلم "ما بين بيتي ومنبري
روضة من رياض الجنة". جلس مالك في الروضة لمدة سبعين عاما، سبعون عاماً! معنى
هذا أنه جمع ثلاثة أجيال من جميع أنحاء العالم. تعالوا ندخل أكثر إلى حياته.
كان
يلقي درسين:
درسٌ خاص
لتلاميذه يتناولون فيه المنهج الذي سيورثه لهم، ودرس عام للفقه يحضره مئات الآلاف
من الناس. هل تتصور أنه مع تزايد عدد الناس لم يسع المسجد هذا العدد الضخم من
الناس؟ فكان الحل أن يكون معه فريق عمل على خبرة بالجنسيات، لماذا؟ لأن الحضور من
جميع بقاع الأرض، فكان يبدأ الدرس كالآتي: "ليدخل أهل المدينة، ولا يدخل إلا هم".
فيدخل أهل المدينة لدرس مالك ابن أنس ثم يخرجون، "ليدخل أهل الحجاز، ولا يدخل إلا
هم"، ثم "ليدخل أهل العراق"، "ليدخل أهل الشام"، "ليدخل أهل مصر"، "ليدخل أهل
الأندلس". من هذا الرجل؟ قلت لكم أنه كان يحضر إلى درسه ثلاثة أجيال، قد يتصور
البعض أن هذا شيء طبيعي فكلهم من أهل المدينة، على العكس تماما، فهم من شتى بقاع
الأرض: أفارقة، شامييون، عراقيون، أوروبيون من الأندلس! كيف جمع هؤلاء البشر ونحن
لا نستطيع أن نتعايش حتى داخل نفس العقار؟
من هم تلاميذه؟
تلاميذه
من ثلاث قارات: آسيا، وأوروبا، وأفريقيا. الشافعيّ من مكة، يحيى بن يحيى من
الأندلس، أسد بن الفرات من تونس، شبطون من الأندلس، ابن الأشهب من مصر، العتيقي من
فلسطين. لم تعرف جامعات أوروبا اختلاط الأجناس داخلها سوى في القرن الأخير.
كان بيت
هذا الرجل يجلس فيه تلاميذ من ثلاث قارات! ما هو السر؟ ماذا تملك يا مالك لجمع
الناس؟ كيف نكون مثله؟ ليس ضروريا أن نجمع الآلاف، بل يكفي أن نجمع العشرات. هل من
الممكن وسط سفك الدماء في العراق أن يأتي من يتجمع حوله الناس ليجد لهم منطقة
مشتركة؟ هل ممكن أن يأتي من يجمع الناس في لبنان؟
هيا بنا
لندخل أكثر وأكثر في درسه لنعلم ماذا كان يقدم مالك للناس لمدة سبعين عاما. كيف
اجتمع عليه ثلاثة أجيال؟
من
كان يحضر درسه؟
كان
يحضره الخلفاء! بالفعل أربعة خلفاء من أكبر خلفاء الدولة العباسية والعالم
الإسلامي: الهادي، وهارون الرشيد، والأمين والمأمون. وهم لم يحضروا بالصدفة في
طريقهم للحج، بل كانوا يخرجون من العراق خصيصا لحضور درس مالك.
من كان
يحضر درسه؟ كل الأمراء والولاة، كل أساطير العلم مثل أبو حنيفة الذي يكبره بثلاثة
عشر عاما جاء من العراق ليحضر درسه، محمد بن الحسن جاء من العراق ليحضر درسه، أبو
يوسف جاء أيضا من العراق، والليث بن سعد عالم مصر الكبير جاء من مصر ليحضر درس
مالك! من كان يحضر درسه؟ تلاميذه منهم الشافعي الذي سيصبح بعد ذلك عالما كبيرا تعلم
بين يدي مالك.
أتتصورون شكل المسجد النبوي لمدة سبعين عاما؟ به بشر من جميع أنحاء العالم! ثم أن
هناك شئ آخر عجيب: ابنته فاطمة تجلس وراء جدار لتسمع الدرس، فكان هناك من يقرأ ثم
يعقب على كلامه الإمام، فإذا أخطأ القارئ تقوم فاطمة بالقرع على الحائط ثلاث مرات،
فيعلم الإمام أن القارئ أخطأ! هذه البنت التي تعلمت علي يد الإمام مالك تصحح
للرجال!
أأقول لكم
شيئا أعجب من هذا وذاك؟ قبل تأسيس الدولة العباسية كانت هناك الدولة الأُمَوِية،
التي كانت قوية إلى أن جاءت الدولة العباسية وأنهتها بعد صراع طويل، فهرب رجلاً من
الأمويين يدعى عبد الرحمن الداخل – أو صقر قريش - من الدولة العباسية وسافر وأسس
دولة أموية في الأندلس، فكانت العلاقة بين الدولة العباسية والدولة الأموية غاية في
السوء، وكان من له علاقة بأي من الدولتين يعتبر عدوًّا للدولة الأخرى. تخيل أن كلا
الدولتين قبلوا بمالك بن أنس؟ وعشقه كل من عبد الرحمن الداخل خليفة الأندلس وهارون
الرشيد خليفة الدولة العباسية! كيف فعلت هذا يا مالك؟ هل كان مالك العالم الوحيد في
عصره؟ على العكس، كان هناك أبو حنيفة وليث بن سعد والعديد من جبال العلم.
أتريدون
أن تزدادوا إعجابا بهذا الشخص العظيم؟ هارون الرشيد – الذي يعد أقوى خلفاء العالم
الإسلامي – أرسل إلى مالك قائلاً: "هل تقبل أن تأتي إلى العراق لتعلم أولادي من
علمك؟ " لم يُرِد مالك الذهاب؛ لأنه لا يصح أن يذهب العلم لأولاد الخليفة المرفهين.
فيرسل إليه قائلاً: "يا أمير المؤمنين، أعزك الله، إن هذا العلم خرج منكم، فإن
أعززتموه يعز، وإن أذللتموه يذل. يا أمير المؤمنين، العلم يؤتَى ولا يأتي". لاحِظ
أنه بدأ الخطاب بالعزة، وقال لهارون الرشيد أن هذا العلم خرج منهم، لأن العباسيين
يدَّعون أنهم من نسل عمّ النبي صلى الله عليه وسلم فعليهم أن يعزوا العلم ولا
يذلوه. فلم يستطع الخليفة الغضب، وقال: "صدقت. فليخرج الأولاد إلى مالك". واشترط
عليه مالك ألا يتخطوا الرقاب وأن يجلسوا حيث انتهى بهم المجلس. رغب هارون الرشيد أن
يتعلم ويتأدب أولاده علي يد مالك على الرغم من علمه بحب عبد الرحمن الداخل له. ماذا
تملك يا مالك؟ ما سرك يا مالك؟
الطريف،
أن أتى هارون الرشيد للمدينة- بعد ذلك- ونزل بقصره في المدينة، وأرسل لمالك أن يأتي
ليعلمه العلم، فقال مالك: "العلم يؤتى ولا يأتي". فقال هارون الرشيد: "إذًا أأتيك،
ولكن قل للناس أن ينصرفوا حتى أنتهي ثم يحضروا هم للدرس". فقال مالك: "يا أمير
المؤمنين، إن العلم إذا اختص به الخاصة دون العامة، لم يستفد به لا الخاصة ولا
العامة". فحضر هارون الرشيد للدرس. فأشار مالك لتلاميذه أن يجلس حيث انتهى به
المجلس. فقام حاشية الخليفة بإعطاء الخليفة كُرسيا ليجلس عليه. فلم يعجب ذلك الوضع
مالك، ولكنه ذكي وعاقل، فلم يقل شيئا وبدأ الدرس كما يبدأه كل مرة فقال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم إن الله قال في الحديث القدسي: "من تواضع لي هكذا..."،
وجعل ينزل بيده للأرض، "...رفعته هكذا"، ونظر إلى هارون وابتسم، فقال
هارون: "خذوا الكرسي!" انظروا إلى ذكاء هذا الرجل الذي جعل الخليفة يطيعه ويضع
المقعد جانبا، وكان من الممكن أن يقولها له بطريقة تثير غضب الخليفة فيحمل المقعد
ويضربه به!
علينا أن
نعرف ماذا يملك مالك؟ ما هي الصفة التي جعلت منه هذا الشأن العظيم؟ أهي
الالشأهي صفات القيادة؟ إذا كان هكذا، إذًا فلن
نستطيع تقليده لأن هذه الصفات ملك لبشر دون الآخرين. لن أخدعكم، فبالفعل لديه صفات
قيادة غير عادية وهيبة رهيبة. يقول الشافعي الذي لا يهب أحدا: "ما هبت أحدا إلا
مالك بن أنس". يقول سعيد بن هند الأندلسي: "ما هبت أحدا إلا شخصا واحدا: عبد الرحمن
الداخل..."، مؤسس الدولة الأموية في الأندلس، "...حتى رأيت مالك بن أنس، فَصَغرَت
هيبة عبد الرحمن الداخل في عينيّ أمام هيبة مالك بن أنس". وُصِفَ مالك أنه طويل،
أشقر، أزرق العينين، أبيض الوجه، شديد الجمال! يقول العرب: "ما رأينا بياضا أحسن من
بياض وجه مالك بن أنس".
هل هذه هي الصفات التي جمعت الناس؟ لا يمكن! لمدة سبعين عاما! أربعة خلفاء وثلاثة
أجيال يجتمعون عليه وعلى فقهه؟! ما هي تلك الصفة؟ أهو ذكاءه الشديد؟ قال عنه أستاذه
ربيعة: "ما رأيت في أهل هذا الزمان أعقل من مالك بن أنس". وكان إذا أتاه مالك أشار
إليه ربيعة وقال لتلاميذه: "جاء العاقل". يمكننا أن نقول إن هذه الحلقة تحليل
لشخصية مالك. ما هو سر هذا الرجل؟ هل هي الإيمانيات المرتفعة؟
عاش هذا
الرجل عمره كاملاً في المدينة، وكان كثيرا ما يبكي في الروضة عند حديثه عن النبي
ويقول: "لعلي أجلس مكانه"، ثم يبكي ويقول: "أمالك بن أنس الفقير الضعيف يُحدِّثُ في
روضة الرسول صلى الله عليه وسلم؟!" فيبكي حتى يقول الحضور: "أبقيت دموع؟!" ثم يقول:
"قوموا عني، لا أستطيع أن أكمل". كان لا يتحدث بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم
إلا وهو متوضئ – لم يأمر الناس بذلك ولكنه كان يفعل ذلك- فكان يشعر أن حديثه عن
النبي عبادة.
كان تلاميذه يقرعون بابه فيقول لهم: "أي يوم هذا؟ يوم الفقه أم يوم الحديث؟"
فيقولون: "يوم الفقه"، فيفتح لهم سريعا. فإذا كان يوم الحديث يتأخر، فيقولون له:
"لما تأخرت؟" فيقول: "لأتطهر، وأتوضأ، وأتعطر من أجل حديث رسول الله صلى الله عليه
وسلم". لم يركب مالك في المدينة قط. هل سر هذا الرجل تعلقه الشديد برسول الله صلى
الله عليه وسلم؟ بعث له هارون الرشيد مجموعة من الإبل كهدية فتصدق بها جميعا وأعطى
واحدا لتلميذه الشافعي. فقال له الشافعي: "أبقِ واحدة لنفسك لتركبها". فقال مالك:
"أنا لا أركب في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم". ومع ذلك لم يحرمها على
تلاميذه، أهي الحالة الإيمانية؟ كانت هناك أمثلة قد تشبه هذه الحالة؛ فكان هناك
محمد بن المنكدر الذي كان إذا سمع اسم النبي تغير لونه واعتدل في جلسته. أهي صفات
القيادة؟ أهي الحالة الإيمانية؟ أهو الذكاء؟ كل هذا صحيح ولكنه ليس السر.
السر هو
طريقته في التفكير، منهجه. بنى مالك بن أنس جميع أرائه الفكرية على كلمتين:
مصلحة الناس، والتيسير على الناس. دائما ما كان يضع مالك بن أنس نفسه مكان الآخر.
وهذا هو صميم التعايش؛ فكلنا يفكر في نفسه وفي أرائه واحتياجاته فقط. ولكن أفضل شخص
هو الذي يضع نفسه مكان الآخر وينظر من زاوية الآخر. الأفضل هو الزوج الذي يضع نفسه
مكان زوجته ليعلم سبب اختلافهما، الأب الذي يضع نفسه مكان ابنه المراهق ليعلم طريقة
تفكيره واحتياجاته. يفكر مالك بهذه الطريقة.
نبع فقه
مالك من هاتين الكلمتين واستنبط منهما كلمتين شهيرتين "حيث المصلحة تجد الشرع".
ستجد الآية والحديث أينما تجد مصلحة الناس. أما القاعدة الثانية فهي أن "الأصل
في الأشياء الإباحة". الإمام مالك يقول: "أن الفقيه هو الذي يبيح للناس بدليل،
أما التحريم فالكل يُحْسِنُه". كان الإمام مالك يظل يقول: "لا أعلم" لمدة عام كامل،
لأنه يبحث عن حل حلال ولا يريد أن يقول للمستفتي "حرام". هذا ما جمع الآلاف حوله
لأنه يعطيهم ما فيه مصلحتهم. وحقيقة الناس أن كل فرد أسير مصلحته؛ قال الناس لسيدنا
نوح (...وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ...) (هود:27) أي إذا أردتنا أن
نتبعك أرنا أفضالك علينا.
كما قام
باختيار بعض الآيات وكانت قواعد منهجه. هذه الآيات منها: (...وَمَا جَعَلَ
عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ...) (الحج:78). هذه الآية محورية في رأي
الإمام مالك (...يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر...) (البقرة:185)،
(يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا) (النساء:28). بنى فقهه
على هذه الآيات فأصبح مالك يفكر في مصلحة الناس والتيسير عليهم. علاقة هذا بنا أننا
يجب أن نفكر في مصلحة الناس قبل مصلحتنا.
كان
الإمام مالك دائما ما يبدأ درسه بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "المؤمن هينٌ
لينٌ سهل".
سأعطيكم
بعض الأمثلة البسيطة التي تبين كيف جمع منهج الإمام مالك الناس حوله طوال هذه
السنوات. مثلاً، كان يرى الإمام مالك أن الزواج من أهم مصالح الإسلام، وبالتالي أي
مسألة لتيسير الزواج تجدها من فقهه. ستجد في فقهه العديد من المسائل التي تجعل عيش
الناس أسهل وأكثر أمانا. وكان يرجع لحديث النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري
أن "جاءه رجل أبيض ومتزوج من امرأة بيضاء اللون. جاء الرجل للنبي صلى الله عليه
وسلم وقد أنجبت امرأته غلاما أسود اللون. قال الرجل: "يا رسول الله هذا غلامٌ
أسود".
ففهم
النبي صلى الله عليه وسلم مقصد الرجل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألك إبل؟"
فقال:
"نعم يا رسول الله".
قال
صلى الله عليه وسلم: "ما لونها؟"
قال:
"حُمر".
فقال
صلى الله عليه وسلم: "فهل فيها من أروق-
أي ذات
لون آخر-؟"
قال:
"نعم يا رسول الله؟"
قال
صلى الله عليه وسلم: "فكيف جاء؟"
قال:
"لعل عرقا نزعه"
-أي حدث اختلاط للجينات-.
فقال
النبي: صلى الله عليه وسلم: "وهذا الصبي لعل عرقا نزعه. اذهب يا رجل".
فأخذ الإمام مالك
من هذا الحديث أن الأصل هو تأمين الناس وعدم الشك فيهم، فقد أغلق النبي صلى الله
عليه وسلم باب الشك بدلاً من أن يفتحه.
مسألة
أخرى لطيفة في فقه مالك في الوضوء، إذا كنت متوضئا وتشك في وضوئك - هل نقضته أم
لا؟-: بعض الناس لديها وسواس فتتوضأ ثم تشك في وضوئها فتعيد الوضوء، ثم تذهب للصلاة
في المسجد فتتوضأ، ثم قبل الصلاة تتوضأ ثم تشك في الوضوء وسط الخُطْبَة فتتوضأ.
يقول مالك لهذا الرجل: "أتستطيع أن تقسم كما ترى الشمس أنك نقضت وضوئك؟"
فيقول
الرجل: "لا".
فيقول
مالك: إذًا، أنت متوضئ". نستنبط من هنا أن فقه مالك جاء من التيسير على الناس، على
عكس بعض الفقهاء الذين يحملون هم كيفية التعسير والتعنيت على الناس. أوجه كلامي
الآن للفقهاء وأهل الفتوى: انظروا لكلمة مالك: "الفقيه هو الذي يبيح بدليل، أما
التحريم فالكل يُحْسِنُه".
لهذا كان
يأتي للإمام مالك أناسًا من جميع أنحاء العالم حتى من الأندلس!
يقول
الإمام مالك: "يسألني السائل، فأتركه أسبوعا كاملاً، أفقد فيه شهيتي للطعام والنوم،
أبحث له عن مخرج ومصلحة تفيده!" من المعروف أن أكثر من قال "لا أدري" هو الإمام
مالك، لأنه لا يريد أن يقول على شيء "حرام" إلا أن يكون متأكدا مائة بالمائة حتى لا
يعسر على الناس.
قال لرجل:
"ابق بالمدينة، فوالله ليس لك عندي مخرج لعلي أجد لك مخرجا" ثم يأتي له فيقول له:
"هل كنت تقصد الغضب أم التهديد حينما أقسمت بالطلاق؟"، وهدفه "أبحث عن مخرج".
جمع
الإمام مالك كل أرائه في كتاب وسمّاه "الموطّأ" وهو يُعد أول كتاب أُلف في الإسلام.
يبدأ كتاب "الموطأ" بالحديث، ثم أقوال الصحابة، ثم أقوال التابعين، ثم أقوال أهل
المدينة، ثم ينتهي برأيه الشخصي. ثم الحديث الذي يليه ثم أقوال الصحابة...إلى آخره.
"الموطأ" هو أول كتاب في الإسلام بعد القرآن الكريم، فالإمام مالك هو أول من أدخل
حركة التأليف في الفقه والدين. انظروا ماذا سمّى الكتاب؟ "الموطأ" أي: المُعبَّد
والمُذَلَّل للمسلمين، فجاء عنوان الكتاب من فقه مالك. وضع به اثنى عشر ألف حديث.
تلقت الأمة الكتاب بترحيبٍ شديدٍ حتى إن هارون الرشيد كان يحفظ "الموطأ" ويرويه.
يتيمز "الموطأ" بأنه كتاب أحاديث وفقه في الوقت نفسه، كما أنه يعد من أهم المصادر
التي مهدت للبخاري الطريق من خلال منهجه وتدقيقه في جمع الأحاديث. كما مهد للشافعي
أن يؤلف في أصول الفقه.
سُئِلَ
الإمام مالك ذات مرة: "أي الأعمال عندك أفضل؟" فقال: "إدخال السرور على المسلمين،
فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله
عنه كربة من كرب يوم القيامة". وأنا نَذَرتُ نفسي أُفرِج كُرُبات
المسلمين"! انظروا لرسالة هذا العالم!
شعار الإمام مالك:
كان
شعاره: ما خُيِّرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما.
انظروا يا
من تسددون على أنفسكم وعلى الناس، حاشى لله أن تكون هذه دعوة للتهاون والتسيب.
المنهج هو "الإباحة بدليل". قد يستغرب البعض من أن ما جاء بالأجيال الثلاثة من كل
أقطار الأرض هو التيسير الذي كان منهجه! بالفعل هذا هو السبب الرئيسي لأن الناس
أسيرة المصلحة.
بنى
الإمام مالك مدرسته ومنهجه على هذا الأساس وسمّى كتابه "الموطأ" لكي يوصل هذا
المعنى.
أريد –
قبل أن أختم – أن أقدم لكم مفتاحا عن "كيف أصبح مالك بهذه الصورة؟" دعوني
أختم هذا الجزء بكلمة أوجهها للآباء والأمهات؛ فقد حدث في طفولة مالك موقف من أبيه
وأمه هو ما جعل منه الإمام مالك: كان مالكا في طفولته يحب اللعب حبًّا جما وكان
قليلاً ما يستذكر الدروس وكان أخوته الذين يصغرونه بأعوام متفوقين أكثر منه، أما هو
فكان كل همه اللعب بالحَمَام والغناء.
وكانت أمه
تتمنى أن يصبح مالكا فقيها مثل أبيه وجده. حينما وجده أبوه بهذا الشكل أراد أن يغير
من سلوكه. كيف نغير نحن من سلوك أبنائنا؟ بالقهر والأوامر، حتى عندما يكبر الأولاد
نقهرهم على الالتحاق بكلية ما! أما مالك فلم ينشأ بهذه الطريقة، فأصبح الإمام مالك.
قرر الأب إقامة مسابقة بعد صلاة الجمعة يسأل الأب الأولاد في العلم، فكان أخوه الذي
يصغره يتفوق عليه، فنظر الأب إلى مالك وابتسم وقال له: "ألهتك الحمائم عن العلم!".
هذا كل ما قاله الأب! يروي مالك هذه القصة وعمره سبعون عاما! تَذَكَّرَ هذه الكلمة،
أرسل له الأب رسالة غير مباشرة. يقول الإمام مالك: "فغضبت أن سبقني أخي الأصغر
وقررت أن يري أبي أن باستطاعتي التفوق أنا الآخر. فقررت التفوق في الغناء!" هنا جاء
دور الأم، فقالت له: "يا مالك، إن المُغَني إذا لم يكن حسن الصوت- وإن كان جميل
الوجه- لا يلتفت له الناس". لم تستهزي به أمه، ولم تخبره أن صوته قبيح. بل بعثت له
إشارة أن الوجه الجميل لا يكفي للغناء. انظروا إلى هذه الأم، ما أعظمها!
الأمهات
الآن يمثلون لائحة الشؤون الإدارية بالشركات: نم، كُل، اقرأ، اشرب، ذاكر، احفظ...
هذه ليست
تربية! التربية هي التي تقوم بها أم مالك.
التربية هي كيفية الارتقاء بالأولاد، ثم إن نصيحتها تصلح لمطربي هذه الأيام! تقول
لهم ألا تعتمدوا على شكلكم للغناء. هذا كلام أم مالك وليس كلامي!
فقلت لها:
"فماذا أفعل؟"
فقالت:
"لن تتقدم كثيرأ في الغناء، ولكن قد تتقدم في العلم". ما أعظم هذه السيدة! ما أجمل
هذه الشخصية! لهذا أصبح الإمام مالك قمة في الانفتاح. يقول الإمام مالك: "فنمت
ليلتي أفكر. فلما استيقظت جاءتني أمي وقالت لي: "أشتريت لك ملابس هدية". فإذا بها
تأتيني بملابس العلماء! يقول "فوضعت قُلُنْسُوّة..."، أي عمامة العلماء،
"...ووضعتها على رأسي" - الإمام مالك متذكرًا- للقصة، يقول: "كانت ثقيلة على رأسي،
ولكني كنت فخورا بها". يقول: "فلبست القُلُنْسُوّة وعمامة العلماء وخرجت أنظر إلى
الناس وينظرون إليّ فأزداد بهجة!" فعدت إلى أمي أقول لها: "أريد العلم!"
هو من
سألها ما تريد هي! فقالت له: "اذهب إلى ربيعة عالم المدينة، فتعلم أدبه قبل علمه".
وظل متذكرا هذه القصة حتى بعد أن بلغ السبعين من عمره!
هل علمتم
لِماَ أصبح مالك غاية في التفتح؟! هل علمتم لماذا كان يضع نفسه مكان الآخر؟!
هذا هو
ديننا، هذا هو إسلامنا! يا غرب، أنا أخاطبك بهذه الحلقات، لأن هذه الحلقات كما تذاع
في القنوات العربية تذاع في القنوات الغربية. أنا أقول للغرب: "تعلم التعايش من
إسلامنا. لا تجبرنا على ثقافتك. لا تدعي أنك الوحيد الذي تجيد التعايش. في تاريخنا
أنه وُلد في العام الثالث والتسعين هجريا عالم اسمه مالك ابن أنس، بنى منهجه على
المصلحة والتيسير، وربته أمه هكذا. أليس هذا هو التعايش؟
أسأل الله
تبارك وتعالى أن نخرج من هذه الحلقة بفكر يجعلنا نضع أنفسنا مكان الآخر، ونفكر
مكانه ونعامله بسهولة.
"إنما
بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".
"المؤمن هين لين سهل".
"ما
خُيِّرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما
أو قطيعة رحم".
أسأل الله أن
نعيش بهذه المعاني ونفكر فيها، ونعلمها لأولادنا، وننفذها مع زوجاتنا، ونحقن بها
دماء إخواننا في العراق.
أراكم
الحلقة القادمة مع الإمام مالك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
Amrkhaled.net©
جميع حقوق النشر محفوظة
يمكن نشر ونسخ هذه المقالة بلا أي قيود إذا كانت للاستخدام الشخصي وطالما تم ذكر
المصدر الأصلي لها أما في حالة أي أغراض أخري فيجب أن يتم الحصول على موافقة كتابية
مسبقة من إدارة الموقع
|