|
دعــــــوة
للتعـــــــايش
(4)
حوارات عمرو خالد " لكل الناس "
حوار أجراه أ.
عصام الغازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ 25/4/2007
كلمات أستاذه أكدت له قدرته وكفاءته على التأثير في المجتمع.
18 عاماً في أحضان أستاذه " حماد " وفي الكوفة أسس معنى التعايش.
شاب فارسي يدخل في دائرة اهتمام المسلمين العرب بفقهه وذكائه.
ومع " جعفر الصادق " عرف معنى الاختلاف وكان للأستاذ فيه رأي ورؤية .
كاريزما " أبو
حنيفة "
ويتواصل حديث عمرو خالد في حياة الإمام الأعظم ..
الفقه لماذا؟
اكتشف الإمام " الشعبي " كاريزما أبي حنيفة وقدرته لو امتلك العلم – إلى جانب
الثروة – في التأثير على الناس، ونصحه بذلك، ووقعت في قلب أبي حنيفة النعمان كلمات
الإمام " الشعبي "، فقرر بدء مسيرة تلقي العلم. وسأل نفسه: أي إطار وأي نمط من
أنماط العلم أتعلم؟
يقول: فبدأت أسأل وأختار. وقلت حدثوني ما هي أنماط العلم؟
فقيل لي : القرآن والحديث واللغة والشعر والفقه. فبدأت أسأل عنها واحداً، واحداً،
وحفظت القرآن والتفسير وتساءلت ماذا يكون آخر أمري؟
فقالوا تقرأ القرآن على الناس، وتعلم الصبيان فقلت: ثم ماذا؟
يقولون: فإذا كبرت، خرج من الشباب من هو أقدر منك على القراءة فيسبقك وسألت عن
الحديث: من أقدر الناس في الحديث؟ يقولون: تحفظ الحديث فيتعلم منك الناس حتى تصير
أعظم الناس تحديثاً.
فقلت: فماذا يكون بعد ذلك؟
يقولون: تكبر فيضعف حفظك فتنسى الحديث، وربما تتهم بالكذب.
فقلت: لا أريد أن أدخل في الحديث.
وسألت: فماذا عن الشعر؟
يقولون: تحفظ الشعر. فقلت وإذا حفظت الشعر وصرت أعظم الشعراء، فماذا بعد ذلك؟
يقولون يعطيك مالاً فتمدحه، ويمنعه فتذمه. فقال: لا أريد هذا.
فماذا أيضاً؟ .. اللغة.
يقول: حتى قالوا لي الفقه.
فسألتهم عنه فقالوا لي: تعلم الناس وتفتي الناس، وربما تكون قاضياً ، وأنت شاب
صغير.
فقلت أريد هذا العلم.
يقول: فذهبت إلى الشعبي، فقلت له: أتراني أقدر على الفقه؟
فقال: ذلك ما أردت لك.
فسألت:فمن أفضل الناس في الفقه؟
فقيل لى: حماد بن أبي سليمان.
فقلت: سألزمه. فلزمت حماداً ثماني عشرة سنة. تعلمت منه الكثير والغريب أن أبا حنيفة
عندما ذهب إلى حماد سأله الأخير: ماذا تريد؟
قال: أتعلم العلم. قال حماد: وماذا عن التجارة؟ قلت: لن أتركها.
قال: أحسنت. إذن تتعلم عندي كل يوم ثلاث مسائل فقط.
وحين مات حماد كان عمر أبي حنيفة40 عاماً، قضى منها إلى جواره 18 عاماً.
فكرة التعايش هي: كيف نلتحم ببعضنا.
كيف قبل مجتمع الكوفة هذا الشاب الفارسي الأصل، لينجح في العلم والتجارة؟
وكيف أن أستاذه حماد قبل هذا الشاب الذي يرتدي الثياب الفاخرة ليكون شريكه في مجلس
العلم؟
يقول أبو حنيفة:
غير أني لم أكتف بحماد، فبحثت عن باقي العلماء في عصري، يقول: فذهبت أطلب العلم من
جعفر الصادق، وجعفر هو مؤسس الفقه الشيعي، ومع ذلك أذن لي حماد أن أطلب العلم من
جعفر الصادق.
وارتضى جعفر الصادق أن يعلمني، وأختلف معه في مسائل، وقبل ذلك.. أي أن أبا حنيفة
درس الفقه الشيعي واختلف معه، وتعايش وتفاهم مع مؤسسه.
الديك الكسول
يقول أبو حنيفة:
بعد أن بقيت إلى جوار حماد عشر سنوات، كنا نجلس الليالي حتى الفجر، أنا ومجموعة
قليلة من تلامذة حماد، بعد درس المسجد، لنتناول العلم، وكان حماد رجلاً دمث الخلق،
فكان لا يستطيع أن ينهي الجلسة وهم يجلسون معه حتى الفجر، وكان لديه ديك، فكان يقول
إن الدرس لا ينتهي إلا بعد صياح الديك.
وكان أبو حنيفة يشعر بالغضب حين يصيح الديك .. وقد أطلق نكتة حول ذلك تقول: يا لك
من ديك كسول، تصيح في أول الليل. ثم ينظر إلى حماد ويقول له: يا إمام غير ديكك.
الحلم بالرئاسة
بعد عشر سنوات يقول أبو حنيفة نازعتني نفسي للرئاسة، فقلت: سأذهب اليوم للمسجد
وأجعل لنفسي حلقة مستقلة. فدخلت المسجد ورأيت حماداً في حلقته يجلس، فما استطاعت
نفسي من أجل ما فعله معي، فذهبت وجلست في الحلقة، وأبيت يومها أن أجلس بجواره وجلست
بين يديه.
مأساة الشاب الآن أنه غير متعايش مع نفسه لأنه لم يستطع أن يتعايش مع المجتمع. وكان
في مجتمع أبي حنيفة آنذاك نسمة هواء صحيحة، تساعد من أراد التعايش أن يتعايش
ويتلاحم، بدت هذه النسمة في الأستاذ الذي يشد تلميذه لأعلى ويجلسه إلى جواره. وكان
المجتمع ينضج ويزداد ثراء، ونحن الآن ندوس على بعضنا البعض ولا نستطيع أن نتعايش
داخل العمارة الواحدة، وداخل الشقة الواحدة. المحاكم امتلأت بالقضايا. ودماء
الضحايا أنهار في شوارع العراق. فكيف نستطيع الانتصار على غيرنا إذا كنا لا نستطيع
التعايش مع أنفسنا؟
يقول أبو حنيفة أنه قال لنفسه: بدلاً من أن أجلس وحدي، سأبقى بين المجموعة لأتعلم
من حماد. يقول: فجلست بين يدي حماد، وجاءه خبر من البصرة بأن له ميراثاً في أحد
أقربائه مات هناك وأنه الوارث الوحيد، وأن عليه الذهاب إلى البصرة لتسلم ميراثه،
فترك الحلقة وقال لي كن مكاني حتى أعود.
يقول لأنه استطاع أن يغلب نفسه في تلك الليلة، فقد أعطاه الله ما كان يريد من
رئاسة. وغاب حماد مدة شهرين يقول أبو حنيفة: فجلست مكانه في الحلقة مدة شهرين.
فبقيت أنظر فإذا بقضايا جديدة تجيء إلينا، وكلما جاءت قضية جديدة أقول الحمد لله
أنى لم أنفرد بالرئاسة وبقيت أعمل في إطار جماعي. فلما عاد حماد كنت قد كتبت كل
القضايا التي عرضت علي، فجلست بين يديه، وعرضت عليه 60 قضية فوافقني في أربعين منها
واختلف معي في عشرين قضية، وتعلمت من العشرين التي أخطأت فيها. فقلت: والله لا
أفارق حماد مادام حياً. ومات حماد بعد ثماني سنوات من تلك الواقعة.
وأنا أقول لأساتذة المدارس والجامعات ومديرى الشركات: اسمعوا الحب العجيب بين
الأستاذ وتلميذه مع العلم بأن أبا حنيفة مختلف مع حماد في حوالي مائة مسألة، وسيقوم
بتغيير كل نظام الحلقة بعد أن يتولى القيادة.
أستاذي العزيز ..
شكرا
يقول أبو حنيفة عن حماد:
والله إني لأستغفر لحماد كما استغفر لوالدي في كل صلاة. وإني لأستغفر لمن علمني
العلم ولمن علمته العلم. فقالوا له: نعلم أن تستغفر لمن علمك أما من علمته فلماذا
تستغفر له؟ قال: ليثبت على الحق لأظل آخذ ثوابه.
وبعد وفاة حماد أستغفر له مع أبوي في كل صلاة. ويقول أبو حنيفة: والله كان بين بيتي
وبيت حماد سبع سكك وما كنت أستطيع أن أمد قدمي في اتجاه بيت أستاذي حماد.
وقد أطلق أبو حنيفة على ابنه اسم حماد. وحين غاب حماد شهرين عن الكوفة سأله ابنه
عند عودته: يا أبت .. يا أبت هذه أول مرة تغيب فيها عن الكوفة، فلأي شيء اشتقت؟ ..
فقال : لأبي حنيفة، وإني والله أتمنى أن أرافقه فلا أغادره حتى أموت، ويقول التلميذ
أبو حنيفة عن أستاذه حماد: والله لا أستطيع أن أقلب الورق بين يدي أستاذي حماد بصوت
عال حتى لا أزعجه.
فقه الجماعة
يقول أبو حنيفة: وابتدأت الحلقة – كان عمره 40 سنة – وبدأ في تشكيل أعظم مدرسة. كان
أبو حنيفة أول من قرر أنه لا يوجد فقه فردي، فشكل مجموعة من 40 فرداً يمثلون
التخصصات المختلفة فيهم من يفهم في التجارة، ومن يفهم في اللغة، ومن يفهم في
الحديث، وفي القرآن وفي التفسير، وفي الشعر، كان يتطلع إلى فهم احتياجات المجتمع
ومشاكله، ويبحث عن حلول لها من القرآن والسنة ولم يترك أبو حنيفة كتاباً، لكنه ترك
فقه المدرسة ، وهو ما قالته واتفقت عليه مدرسة أبي حنيفة.
صحيح أن أبا حنيفة أستاذ، لكن الحلقة فيها 40 شخصاً ، وكان يحضرها المئات بل الألوف
إلا أن الصفوف الأمامية يجلس فيها الأربعون رجلاً من تلاميذه يبدأ أبو حنيفة الجلسة
يعمل مشكلة ويعرضها عليهم ، ثم يفتح المناقشة للبحث عن حل للمشكلة، يناقشون
أسبابها. وهناك من يسجل الجلسة كتابة ثم يطرحون الفروض من خلال منهج علمي. أبو
حنيفة جعل الفقه مثل الرياضيات: تحليل المشكلة والفروض المقترحة ثم الوصول إلى الحل
. وحل المسألة يأخذ يوماً أو أياماً إلى أن يصلوا إلى القرار النهائي على ضوء الرأى
الجماعي هو ليس رأي أبو حنيفة كفرد لكنه رأي المدرسة، وكان بين التلاميذ شاب اسمه
أبو يوسف هو التلميذ الأول وقد أصبح أبو يوسف فيما بعد قاضي القضاة في الدولة
الإسلامية لمدة أربعة خلفاء عمل أبو يوسف في حلقة أبي حنيفة هو كتابة القرار
النهائي أو الفتوى والأسباب التي تم اتخاذ القرار النهائي بموجبها.
وظلت هذه الحلقة منعقدة مدة 30 سنة أي منذ كان أبو حنيفة في الأربعين من عمره حتى
صار في السبعين من عمره كانت الحلقة مؤتمراً دائم الانعقاد لبحث القضايا.
وبلغ اجتهادهم حد إلغاء الفجوة بين الحياة وبين الدين لدرجة أن أحد العلماء قال:
أخطأ أبو حنيفة وكان إلى جواره عالم آخر كبير قال: لا يصح أن يخطىء قال له: كيف لا
يخطىء؟ هل هو معصوم؟ قال: ليس معصوماً ولكنه لا يفكر وحده هم مجموعة تفكر مع بعضها،
ولذلك تجد فتوى من فتاوى فقه الحنفي ورأي أبي حنيفة عكسها، فقد يكون له رأي
والمجموعة اتفقت على رأي آخر ، وهو ملتزم برأي المجموعة، هذا هو أول من شكل الفقه
الإسلامي وأبو حنيفة أول من أعطى منحة دراسية قبل جامعات أوروبا، فقد أعطى منحة
دراسية لأبي يوسف . كان أبو يوسف تلميذاً فقيراً، وقد توسم فيه أبو حنيفة أنه سيكون
شخصية غير عادية في المستقبل فقال له أبوه: أي والد أبي يوسف" أنت فقير وأبو حنيفة
ثري ولن تجد خبزك لو ظللت تابعاً له، وطالبه بأن يعمل ويهجر مجلس أبي حنيفة فبدأ
أبو يوسف يتخلف عن الحلقة . فسأله أبو حنيفة: يا أبا يوسف ما شغلك عنا؟ قال: طاعة
أبي في البحث عن عمل. وإذا انصرف الناس أعطاه أبو حنيفة صرة فيها مائة درهم. وقال
له عندما تفنى هذه تأتيني. ثم جعل له بعد ذلك راتباً شهرياً لكي يتفرغ للعلم. وقال
له : ولكن تفرغ لنا فإني أؤملك للمسلمين وقد أعطى أبو حنيفة بعد ذلك منحاً دراسية
أخرى لاثنين من تلامذته.
الدرس
وحدث بعد ذلك أن أبا يوسف قرر أن ينفصل عن حلقة أبي حنيفة ثلاثة أيام، ثم حرض شخصاً
على الذهاب إلى الذهاب إلى حلقة أبي يوسف وسؤاله: ذهب رجل إلى خياط " وكان عمل أبو
يوسف الأصلي خياطا" وقال له قصر لي هذا الثوب بدرهم وجاءه في اليوم التالي وسأله:
أقصرت الثوب؟ قال: سيكون جاهزاً غداً .. وذهب إليه في اليوم التالي. فقال له
الخياط: ليس لك عندي ثوب .ومر في اليوم التالي فرأى الثوب معلقاً وقد تم تقصيره.
فقال هاتفاً: ثوبي فقال له الخياط: نعم خذه. وطلب من الشخص أن يسأل أبا يوسف:
أيستحق الرجل أجره. فإن قال: نعم قل له أخطأت وإن قال لك لا. فقل له أخطأت ونفذ
الشخص كلام أبي حنيفة، فحين قال أبو يوسف: الرجل يستحق أجره. قال له أخطأت. ثم
تراجع أبو يوسف وقال: لا يستحق أجره فقال له أخطأت فطلب أبو يوسف من أعضاء حلقته أن
ينتظروه، ثم هرول باتجاه حلقة أبي حنيفة، فنهض له أبو حنيفة بعيداً عن تلاميذه
وقال: لعل الذي جاء بك مسألة الخياط؟ قال: نعم. فقال: إمام يجلس في حلقته ولا يعرف
في مسألة من مسائل الايجارات؟
فقال له أبو يوسف: علمني يا أبا حنيفة فقال: أبو حنيفة: إن كان قد قصر قبل أن ينوي
الاغتصاب فله الحق في الأجر . وإن كان قد قصر بعدما اغتصب الثوب، فلا يستحق الأجرة.
ثم نظر إليه وقال من ظن أنه يستغني عن العمل مع الناس فليبك على نفسه.
وقال له إنى أؤملك يا أبا يوسف للناس، وإنك إن تركتنا فاتك وفاتنا خير كثير. فبقى
أبو يوسف حتى مات أبو حنيفة ثم صار قاضي هارون الرشيد، ثم قاضي بلاد الخلافة
الإسلامية كلها.
www.amrkhaled.net
|