اجتماعي (حياتنا)
    مودة ورحمة
    بنين وبنات
    المؤمنون أخوة
    ربّياني صغيرًا
    بنات أفكاري
    أنا وطني
عن عمرو خالد
ملفات خاصة
ثقافي (قلم وورقة)
تزكية (حي على الفلاح)
تنمية بشرية (أنت أفضل)
عندما يتزوج الفيلسوف..!
الأقسام الرئيسية>اجتماعي (حياتنا)>بنات أفكاري
التقيم الحالى لهذا المقال بناء على 44 رأى

"قدري أن أكون فيلسوفا".. هكذا كان يحسم دائما أي حوار داخلي تنازعه فيه نفسه، حيث يصطدم العقل مع ذاته، ولا يجد فكاكا إلا بالسير في دهاليز الحوار حتى نهايته.

هذا هو قدر الفيلسوف لمن لا يعرفه، يعيش صراعا مع الكل، حتى مع نفسه التي يكاد يشعر بالغربة عنها.. حائر متردد، يدرك تماما أن عقله أكبر من قدرته على التحمل، ولكنه ما أن يغتر به حتى يكاد يئن تحت وطأته.

كابَر طويلا، وهو يتلذذ بفنونه وعلومه التي اعتقد أنه سيتخلص بها من جحيم الشك، ليكتشف بعدها أنها لم تكن أكثر من جرعات خدّر بها قلبه وعقله لسنين طويلة.

لم يجد بدا من السير في رحلته "الغزالية" باحثا عن الحقيقة، وما أن لاحت له بوارقها حتى ذاب فيها عشقا، وازداد بها هياما.. وغربة.

خرج من صومعته أخيرا، وعاد متواضعا إلى عالمه بعد أن غسل وجهه بنور العبودية.

نظر إلى ما حوله مجددا، وبعين "الإنسان" المنتشي ببرودة الإيمان، فبدى له أن اللذة لن تورث سعادة، وأن الخلْق إن تكالبوا جميعا على شهواتهم فإن يقينه لن يتزعزع قيد أنملة. 

"قدري أن أكون فيلسوفا".. هذه حقيقة، "ولكن ذلك لن يبرر اعتكافي في برجي العاجي".. وبدأ الحوار ينهش قلبه من جديد، ويقض مضجعه.
"كيف لي أن أصمت؟".. "وما الجدوى من عقل لا يعود على صاحبه بالخير أيا كان حجمه؟".. "لقد اهتديت به إلى الله، وأبصرت عين الحقيقة، ولكن.. ماذا يقول العقل نفسه عندما تغيب الحقيقة عن عقول الآخرين؟".

"قدري إذن أن أصبح مُصلحا، وأن أحسِب ما تبقى من أنفاسي كي أحقق غايتي قبل فوات الأوان".

قد تراه يمشي الهوينى على الرصيف متأبطا حقيبة كتبه، مغرقا في التفكير، مطرقا رأسه الذي يغطيه الشعر من أعلى وأسفل، أو تراه يحث الخطى مسرعا، مثبتا عينيه على الأفق، وكأنه يحدق في هدفه القريب البعيد.
هو ذاته، ذاك الحائر القلق.. ولكنه لم يعد مشغولا بهمّ نفسه اليوم، بل بهموم لا يدري كيف يجمعها في عقله المنهك. 

 في المساء، وعلى حافة مكتبه العتيق، حيث تتزاحم كتبه ودفاتره، تراه يسترق النظر إلى نافذته التي يغشاها الندى المتكاثف على الزجاج البارد، يمسح بيديه، ويتأمل روعة البدر في ليلة اكتماله.

يفكر من جديد.. "يا للسخرية، كيف لي أن أسهر الليل كله لأقضي في مشاكل الغير، بينما أعجز أنا عن حل مشكلتي؟"... "وحيد أنا.. لئن ملأ علي حب الله حياتي، فإن قلبي ما يزال ينادي".. "سبحان من قسم القلوب إلى أنصاف متساوية، ونثرها بين العباد".. "أين أنت أيها النصف التائه عني؟.. وكيف لي أن أجدك بين وجوه الزحام؟". 

ظل يبحث عنها، على شاشات التلفاز والسينما، بين راكبات المترو، وفي صالات الانتظار.. كان يرسمها باستمرار، حتى كادت صورتها تكتمل في ذهنه المزدحم بآلاف الصور والأفكار.

ما أكثر شبيهاتها، جواهر تتلألأ أمام عينيه، تستر حسنها حينا وتكشفه حينا آخر، عجائب الكون كله يختصرها كحل في عين هذه، وآيات الروعة كلها تلوكها تلك بين شفتيها.

"أي همّ هذا الذي كنت في غنى عنه؟".. "وهل سيتسع قلبي لإحداهن بعد أن تنازعته أنباء الزلازل والحروب؟"..

"ما لي وللحب؟.. ليتك يا قلبي خُلقت ملتحما بنصفك الآخر، وأزلت عن كاهلي هذا العناء".

"يا إلهى.. ليست هذه بعابرة للسبيل.. إنها قدَر جديد!".. هكذا بدت له من النظرة الأولى، وما أن بادرها بالحديث حتى توافقت القلوب.

"إنها هي".. وفاتحها بما يفكر فيه. تمنّعتْ.. وتغنجتْ.. ثم استرسلت في الكلام.
هجره النوم بضع ليال، فالقلب بات مشغولا بما لم يعهده من الهموم، وعليه أن يعد له العدة من القلق والسهر.

حتى إذا أنهكه العشق، دعاها إلى حظيرته، حيث يستودع أسرار مشروعه الحالم..

"أفيلسوف أنت؟".. رفعت حاجبيها في استنكار!

"نعم.. ومُصلح أيضا".. رافعا حاجبيه من العجب.

"أنتَ إنسان عظيم.. ولكني لا أقوى على حِملك".. وبَكَت أسفاً عليه.

"قدري أن أكون فيلسوفا، وأن أصبح مصلحا، وأن أبيت وحيدا".. أغمض عينيه محاولا النوم.. كانت الدموع تغالبه، وصور المعذبين في الأرض تنهال فوق رأسه.

"كيف لي أن أنام بعد اليوم؟.. وأي حضن سيحتمل رأسي الثقيل إذا استلقى عليه؟".. فتح عينيه.. نظر إلى السماء.. توضأ ومرّغ وجهه في التراب.

"هنا يستلقي رأسي.. هنا أفترش وجهي.. هنا يسكن قلبي.. سبحان ربي الأعلى".

 وبقي السؤال مطروحا..

ترى، هل سيتزوج صاحبنا الفيلسوف؟

بقلم أحمد دعدوش

سوريا

تنبيه:لن يتم قبول التعليقات التي بغير اللغة العربية أو الانجليزية**
أضف تعليق
الاسم
البريد الالكترونى

*فقط من أجل التواصل ولن يتم عرضه بالموقع.
عنوان التعليق
التعليق

*الحد الأقصى للتعليق هو 750 حرف.

تعليقات الزوار
لحظة تامل2007-08-26
حيرة فيلسوف
اشعر بصدق هذه الكلمات واشعر بان هذه المشاعر تدور فى ذهن البشر ولكن اظن ان هذا الفيلسوف يبحث عن ذاته ويبدو ان هذه قضية ابن ادم منذ بدء الخلق وطالما ارتضى الاسلام دينا فلتستقر نفسه بالسير على خطى الحبيب محمد عليه الصلاة و السلام وايا كانت حياته طالت ام قصرت فسيعبر بر الامان ان شاء الله
حنان2007-08-22
لايهم
ارى ان الفيلسوف يستمر فى طريقة الاصلاحى وان جاء اليوم وقابل نصفة الاخر وقبلت فليقبل ويحمداللةوان لم يحدث لايحزن فدورة اعظم من مجرد زوج

--- أضف تعليق ---
طباعة المقال
إرسال المقال لصديق
متصفح ملفات اﻷكروبات
متصفح ملفات اﻷوفيس
جميع حقوق النشر محفوظة   Amrkhaled.net   1427 ©     هجرية     Managed By: ZADSolutions
برعاية