|
فكيف بالدنيا ... و هي دار الكبد و التعب و المشقة ..؟؟!!
مهلاً .. تريث
أيها الحالم
.. إلى
أين تذهب؟؟ .. نحن فقط ننظر للماضي
الآن
بعين الخيال ..
لننعم
بنسماته و نتعظ من
أخطائه و نفخر بإنجازاته .. إياك .. إياك أن تعتقد أنك إن عدت لساحة الجامعة فستجد
أصدقاءك هناك .. إياك أن تعود لبيتك طمعاً في الالتفاف حول إخوتك.. ثق أنك لن تجد
الطريق كما كانت .. أتظن أنك ستسترد المشاعر السابقة
حين تذهب إلى هناك برجليك ؟؟!!..
كنت أحسب أنها ستكون رحلة خيال فقط إلى الماضي الحميم بكل جميل فيه .. حتى
آلامه و
مشاقّه كانت جميلة .. لهذا شاركتك الرحلة
.. و
لكني لا أوافق أن تذهب برجليك و
عقلك و
فكرك و قلبك و حياتك كلها إلى الماضي ..معتقداً أنه أفضل من الحاضر المرهق أو
المستقبل الغامض؟؟
لا تريد أن ترد
علي .. هذا شأنك
.. و
لكن دعنا نتحاور أثناء رحلتك
..
ناداني
الشوق لرؤية
الأحباب
فتوجهت
صوب الحي العتيق ، وكالعادة
قطعت
الطريق مشياً على الأقدام ، حتى
بدا لي
البيت القديم وذكرياته ، ولم أضع
وقتاً
فأخذت في الصعود نحو الطابق الثالث
والأخير
.
كنت
متأكدة أنك ستسلك ذات الطريق سيراً على أقدامك كعادتك القديمة .. تحاول أن تجتر
الذكريات و تكرر نفس العادات معتقداً أنك إن أوقدت شمعة في سراديب الماضي فستعيد
الحياة إليها ..!!!
ولكن،دهمني
إرهاق غير
يسير عند منتصف السلم جعلني
أفكر في تأجيل الرحلة ،،
لولا أن طبعي يأبى التراجع ،، وبجهد جهيد
واصلت الصعود حتى بلغت
البسطة الثالثة
.
بالطبع
داهمك إرهاق .. ليس لأنك كبرت في السن فحسب .. و لكن لأن الظروف تغيرت .. و
روحك تغيرت
بما يناسب تلك الظروف .. و رؤيتك تغيرت بما يناسب عمرك و مجتمعك و
متغيرات حياتك ..و خبراتك زادت بكل خطوة خطوت بها من
الماضي إلى هذا الحاضر
..
فلا يمكن أن
تعيش بخبرات اليوم في ماضي الأمس
..و
الأشخاص
الذين
كانوا حينها حولك تغيروا بدورهم وفقاً لحياتهم و متطلباتها.. فلن تشعر الآن
أن الطريق
القديم كما كان من قبل .. كان سهلاً مرناً شيقاً ممتعاً ..و الآن أصبحت تشعر
بهذا الكم
من الإرهاق .. بل ستعجب كيف كنت تستطير في الماضي فرحاً برؤية ذلك
البيت القديم الذي لم يكتمل بناؤه .. و كيف كنت تسعد
بسماع أصوات منادي السلع .. و
كيف كنت تنشط على الروائح المنبعثة من مطبخ الجيران ..
لم تعد تشعر الآن بكل ذلك
..
لأنه ببساطة لم يعد الأمر كذلك .. فالجيران قد انتقلوا لبيت آخر .. و البيت
القديم
نصف
المكتمل كان قديماً يعكس لك طموحاتك التي تسعى لإكمال بنائها .. فكنت تسعد حين ترى
كل يوم و
قد ارتفع البناء طوبة .. فتتشجع لتسعى لتضيف إلى أحلامك طوبة تعينك على
بنائها في ذلك اليوم .. أما اليوم فقد سُوُي البناء لأسباب معمارية و بلدية و
اقتصادية و سياسية و أخرى لا تعرفها .. و أما طموحاتك
القديمة تلك فقد هدمت كثيراً منها
لتغير نظرتك و بنيت سواها طموحات أخرى منها ما اكتمل و
منها ما تركته
..
ومن
موقفي الجديد لاح لي باب
الشقة غارقاً في الصمت
والسكون ، فعلمت أنه لم يبق
من الصعود سوى عشر درجات هن ختام
السلم ،، لكني
لم أر درجة واحدة !! ،
ووجدت هوة عميقة ،، فخفق قلبي خوفاً على
آل البيت.
ألم
أخبرك؟!! .. لن تجد الطريق كما كان .. ما زلت تصمم على أن تعيش على ذكريات الماضي و
لا تؤمن
أنهم قد رحلوا .. لا تريد أن تقتنع أن هذه حال الحياة الدنيا ..بماضيها
الذي كنت تحبه فرحل ..و مستقبلها الذي تمنيته و لكن ظهر
أنه لا يناسبك ...تريد
اليوم أن تشعر بلذة صعود العشر درجات التي سبق و
صعدتها؟؟ كيف بالله عليك ؟؟ .. لأن
الدرجات أصلاً أصبحت في مكان آخر عليك أن تبحث عنه في
دنياك .. في زمانك .. في واقعك
..
و إن وجدتها .. فأنت لا تعرف كيف تصعدها لأنها أصبحت درجات الكترونية .. و
أنت
لا تملك (
الريموت كنترول ) الخاص بها و الذي يمتلكه كل من أراد النجاح في هذه العصر
بلغة العصر
ذاته... أنت لا تريد أن تدرك أن ذلك البيت و آله و أنت ذاتك ما كنتم سوى
قطرة في
نهر الدنيا .. و ورقة على أشجارها .. و أنكم
شيء
للحياة.. و مهما أخذتم من الحياة فإنما أخذتم على
شرطها، و شرطها أن تتحول
وتتبدل إلى أن
تنتهي..
تسألني عن معنى
السعادة ... ؟؟ أقول لك هذه هي عين السعادة..
انظر ماذا وجدت حين آثرت الرجوع
بقديمك إلى الماضي .. يائساً محبطاً من حاضرك .. أو خائفاً من مستقبلك ..وجدت هوة
عميقة
من الممكن
إن وقعت فيها أن تهلكك.. ستظل حينها قابعاً في أعتاب الماضي الذي طالما
أحببته و تمنيت عودته و المكوث الأبدي فيه .. هذه هي هوة الإحباط و التعلق بأذيال
الماضي .. هذا ما قادتك له الدموع التي طالما
أخرت
الكثير
أمثالك
عن ركب الفرسان ..ستظل
متقوقعاً مكانك .. لا أنت وجدت الماضي الذي
تبحث عنه .. و لا أنت عشت الحاضر الذي أنت ميت فيه الآن.. و لا أنت بنيت
المستقبل
الذي سيكون
لك ماضياً أيضاً بعد زمن ليس بطويل ..غير أنه لن يكون ماضياً جميلاً ننعش
ذكرانا به و نستلهم منه قوتنا.. لأنك أنت من اختار ردة فعلك هذه .. فهربت من واقعك
بدلاً من
أن تواجهه .. و استمريت في الطريق رغم استشعارك لتغيره و مشقته .. فلا
تتعجب من حالك بعدها
..
الاختيار قائم
أمامنا
كل يوم وفى كل لحظة ،، ونحن الذين نحدد ردّات
فعلنا التي
نواجه بها الظروف المختلفة في حياتنا ،، ويتأكد ذلك كل يوم حين تواجهنا
مشكلة ما
فنستشير الناس ..هذا يقول لك قم توضأ وصل و ادع الله.. و الثاني يقول لك هذه
هي الدنيا ملعونة حقيرة سبها وضعها تحت قدميك وتعال معي
نسهر سهرة تُخرجك من كل ما
فيك ..
الخياران أمامنا ونحن الذين نختار ما نشاء منهما دون
جبر من أحد ،،
فردات فعلنا هي
من صنع قراراتنا نحن وحريتنا نحن
..
ومع
أن الوصول بات متعذراً إلا أني لم ألتفت إلى
الوراء ، ولم أفكر في
التراجع ، بل ولم أفقد الأمل . وجعلت ألصق بصري
بالباب
الغاااارق في
الصمت والسكون و أنا أنادي
، و أنادي ، و أناااااادي من
الأعماق.
بالطبع
مع استمرارك و تصميمك في تشمم روائح
الماضي و اللحاق بها .. مؤكد ستكون العودة للحاضر صعبة
.. و لكنك لم تسمح لنفسك
بمجرد التفكير ..بل لم تعط لواقعك حق الالتفات له و
إنفاق بعض من الوقت عليه
محاولة النهوض به و الخروج بأقل الخسائر من الماضي أو تبديل أحلام المستقبل
غير
القابلة للتنفيذ بغيرها ..فأنت لم تعط لنفسك من قبل المجال للتفكير أنك مع كل ما
تملك
و تحلم لست
شيئاً في ذاتية الحياة .. تدوم طالما الحياة دائمة .. و انظر ماذا كانت
نتيجة
تفكيرك .. فكان شقاؤك في توهمك ذلك ..
أنا لا أعني بقولي هذا أني أعيب عليك يوم أن كنت فرحاً
بما لديك .. و لا أعيب عليك أحلامك .. و لا
أقلل من قدر حزنك على ما فقدت أو ما لم تحققه بعد .. و
لكني أراك مخطئاً حين تذهب
بقديمك إلى ماضيك و تؤثر أن تعيش فيه .. محبطاً من
حياتك التي تحياها اليوم .. و
فاقداً الرغبة في الاستمرار لترى نور شمس الغد الجميلة
.. أعيب عليك حين كنت لا ترى
سوى مالديك .. و تقيم سعادتك و حزنك وفقاً لذلك .. ألم
تسمع قول الله تعالى
) كيلا
تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم
(
أحلامنا نحبها و نقدّرها و إن لم نستطع تحقيقها .. و
دنيانا نعيشها و نتكيف معها و إن كانت قاسية مجحفة .. و أملنا و رضانا بالله يكبر و
يزيد بأن
(
و
للآخرة خير لك من الأولى * و لسوف يعطيك
ربك
فترضى
) ..
ابق مكانك لو شئت ..و نادِ من الأعماق كما ترغب .. و
لكن ثق
مهما ناديت
و بكيت و ولولت ..فلن يجيبك سوى صدى صوتك .. من أجل ذلك .. نصيحتي لك ..
فكر ..و
فكر .. و فكر .. و التفت للوراء .. ليس وراء الماضي
.. بل
للحاضر الذي توليه ظهرك الآن
..
نسأل الله العون
و القبول
نقلتها لنا د.معالي فقيه
المملكة العربية السعودية
|