|
مواقف خالدة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا
محمد النبي الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته أجمعين وبعد،،،،
إخواني
الأعزاء،
إن السيادة لا توهب والخلود لا يورث والعظمة لا تغتصب والفضل لا ينتزع وإنما تأتي
أهلها راغمة وتلتحم بهم فيعيشون بها وتحيا فيهم فما يذكر الواحد من هؤلاء السادة
إلا وتسبق إلى الأذهان صفته في عملية كأنما هي ترجمة فورية لخلقه الذي اتصف به أو
سمته الذي عرف بها .
ـ هل ساءلنا
أنفسنا كيف يهدي الإنسان نفسه أسباب الخلود والسيادة والفضل؟ كيف يصنع من نفسه
مثلاً ذلك الشجاع الجريء الجسور فتصير هذه الخصال فيه هدياً وسجية؟
× لا شك أن
من يلهم الحق ويعلم تمام العلم أنه على الحق ويثق في أن الحق سبحانه وتعالى كافله
ومؤيده لا شك أنه سيجد من نفسه نزوعاً إلى الالتزام بما علم ، والجهر بما وثق ويصبح
وقد ضحى بالمال والجهد والنفس، ويمسي وقد ناداه الناس شجاعاً وسموه بالجريء الجسور.
أسماء بنت أبي بكر
ـ
صاحبة موقفنا اليوم من ذاك الصنف الموصوف بالجرأة في الحق والشجاعة في البذل ،
ضيفتنا اليوم هي الصادقة الذاكرة الصابرة الشاكرة أسماء بنت الصديق أبي بكر التي
جمعت المجد من أطرافه فهي الصحابية زوج الصحابي وأم الصحابي وبنت الصحابي وحفيدة
الصحابي وأخت الصحابي .
× ضيفتنا هي
أسماء ذات النطاقين ، تقول في سبب تسميتها بهذا الاسم : صنعت سفرة النبي صلى الله
عليه وسلم في بيت أبي حين أراد أن يهاجر فلم أجد لسفرته ولا لسقائه ما أربطهما ،
فقلت لأبي ما أجد إلا نطاقي ، قال : شقيه باثنين فاربطي بهما فلذلك سميت ذات
النطاقين .
ـ سماها
رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات النطاقين وقال لها أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين
في الجنة .
نحن إذن مع
واحدة من المبشرات بالجنة ووالله ما استحقت ذلك بنسب أو قرابة ولا بقليل عمل بل
بشجاعة وجرأة وتحمل وثبات يقصر عن مثلها الأبطال من الرجال .
× تحكي عن
نفسها فتقول :
لما خرج
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبوجهل بن هشام
فوقفوا على باب أبي بكر فخرجت إليهم فقالوا أين أبوك يا بنت أبي بكر ؟!
فقلت : لا
أدري والله أين هو؟ فرفع أبوجهل يده وكان فاحشاً خبيثاً فلطم خدي لطمة طرح منها
قرطي .
ـ كانت
أسماء في ذلك الوقت قد جاوزت الخامسة عشرة من عمرها بقليل، وعلى حداثة سنها لم
يرعها وقوف النفر من قريش وعلى رأسهم أبو جهل بما علمت فيه من صلافة وفحش وخبث ، بل
خرجت إليهم وواجهتهم وردت على سؤالهم وأقسمت صادقة استهزاءً بجمعهم
× ورغم
اللطمة التي تلقتها إلا أنها ردتها بكلماتها لأبي جهل صفعات تطعنه في رجولته التي
سولت له أن يلطم امرأة لا حول لها ولا قوة.
ـ ولم
يدفعها تعرضها للأذى إلى إفشاء سر أبيها وسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو البوح
بوجهتهما بل ردت القوم بعارهم مخذولين.
× ولما
استقر المقام بالصاحبين في الغار عرفت أسماء واجبها الذي فرضته عليها خصالها ولم
يطلبه منها أحد فكانت إذا أتى الليل ذهبت إلى الصاحبين ومعها من الطعام ما يصلحهما
لم ترهبها ظلمة الليل ووحشته.
ـ أجل، فقد
أورثها إيمانها بالحق قوة وجرأة وثباتاً جعلها تخترق هجعة الليل وتشق وعورة الطرق
وتصعد الجبل إلى الغار وتجتاز كل هذه المخاطر وهي حامل ببكرها عبد الله بن الزبير
وتغافل في كل ذلك عيون المشركين المتربصة بها في كل وقت وحين
× كانت
أسماء بثباتها تضفي على من حولها الثقة وتبثهم الأمان وما ذلك إلا للحق الذي رسخ في
نفسها وانطلقت منه تواجه المواقف بشجاعة وكياسة وثبات.
واللافت في
الأمر أنه ما من هؤلاء الرجال الذين قاسموها هذا الحدث العظيم في تاريخ الإسلام أحد
أنكر عليها مشاركتها أو اختلق الأعذار والمخاوف لحرمانها من دور خلقت له وهيئ لها.
ـ روي عنها
أنها قالت " لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج معه أبو بكر احتمل ماله
كله، خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف انطلق بها معه فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب
بصره ، فقال : والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه . قلت : كلا يا أبت ، إنه قد
ترك لنا خيراً كثيراً . قالت : وأخذت أحجاراً فوضعتها في كوة في البيت كان أبي يضع
ماله فيها ، ثم وضعت عليها ثوباً ، ثم أخذت بيده فقلت : يا أبت ضع يدك على هذا
المال ، فوضع يده عليه فقال : لا بأس ، إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن وهذا بلاغ
لكم ، ولا والله ما ترك لنا شيئاً ولكن أردت أن أسكن الشيخ .
× هكذا يكون
دائماً أهل الحق وأبناء الحقيقة أشداء على أنفسهم رحماء بمن حولهم ، وهم وإن باتوا
يعالجون المخاوف ويقتحمون المخاطر، ويهيؤون أنفسهم للتضحيات؛ فإن من معهم ينامون
ملء جفونهم ولا يحملون ليومهم أو لغدهم هماً
ـ حقاً ،
كانت أسماء(رضي الله عنها) شديدة في الحق على نفسها ، يذكر أن أبابكر (رضي الله
عنه) كان قد تزوج في الجاهلية بقتيلة بنت عبد العزى فأنجب منها أسماء وطلقها فأتت
تزور ابنتها بعد هجرتها للمدينة المنورة حاملة معها الهدايا من زبيب وسمن وغيرها
وهي آنذاك على شركها فأبت أسماء أن تقبل هديتها أو تدخلها بيتها حتى تسأل النبي صلى
الله عليه وسلم ، فحملت سؤالها إليه أختها أم المؤمنين السيدة عائشة.
× أذكر أنه
نزل فيها وفي أمها قرآن يتعبد به المسلمون إلى يوم قيام الساعة، فقال الله تعالى في
الآية الثامنة من سورة الممتحنة:
(لا
يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ) فأمرها
النبي صلى الله عليه وسلم أن تقبل هدية أمها وأن تدخلها بيتها.
ـ أعزائي:
لقد خالفت أسماء في هذا الموقف ما تميل إليه النفس بفطرتها وطبعها ، فقد كانت للأم
في الجاهلية مكانة عظيمة استطاعت أن تضبط مشاعرها وتسيطر على عاطفتها حتى تتبين
الحق ، الحق الذي عاهدته على ألا تتركه ولا يتركها وألا تغفل عنه ولا يخذلها ومن
عجب أعزائي أنها كانت في هذه الأثناء تعاني من فقر شديد وربما بكت رغم قوة تحملها
من شدة الجوع .
×
كانت أسماء رفيقة الحق وبنت الحقيقة كثيراً ما تقسو على نفسها حرصاً على حق غيرها
ومراعاة لمشاعرهم هيا بنا نصحبها في هذا الموقف لنرى كيف يصهر السادة نفوسهم فتتطهر
من الأثرة وتنقى من الخبث.
ـ أجل
أعزائي تحكي أسماء فتقول : تزوجني الزبير وماله في الأرض مال ولا مملوك ، ولا شيء
له غير فرسه .. وقد كنت أعلف فرسه وأكفيه موؤنته وأسوسه ، وأدق النوى لناضحه أي
الناقة التي ينقل عليها الماء ، وكنت أنقل هذا النوى من أرض الزبير التي أقطعه
إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد على رأسي وهي على بعد ثلثي فرسخ ،
فجئت يوماً والنوى علي رأسي فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من أصحابه
... فدعاني ثم قال " إخّ إخّ " أي للبعير .. ليحملني خلفه فاستحييت أن أسير مع
الرجال وذكرت غيرة الزبير وكان من أغير الناس . فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم
أني قد استحييت فمضى .. فجئت الزبير فقلت لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي
رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه فأناخ لأركب معه فاستحييت وعرفت غيرتك ، فقال لحملك
النوى كان أشد علي من ركوبك معه قالت : حتى أرسل إلي أبوبكر بعد ذلك بخادم فكفتني
سياسة الفرس فكأنما أعتقني .
× إن هذا
الموقف لعجيب لعلكم لاحظتم معي أعزائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينكر على
أسماء خروجها من بيتها بل هم بأن ينيخ بعيره ليحملها خلفه لكنها استحيت وذكرت غيرة
زوجها فامتنعت وفي هذا رسالة لمن يرون حبس المرأة ومنعها من الخروج أو العمل
ـ وهذا
الموقف وإن دلنا على أنه ليس من حرج في أن تركب المرأة إن اضطرت مع صهر أو قريب من
غير المحارم في حضور جماعة من أهل الصلاح والتقى، إلا أنه يرشدنا إلى فضل رعاية خلق
الزوج وترك ما قد يزعجه .
× على أن يكون هو أيضاً لديه من الرحمة والرأفة بزوجه ما يجعله
يتنازل في غير تفريط مراعاة لظروفها ...
|