|
إن أروع ما فتن قلب الإنسان ذلك الجمال الأخاذ في الطبيعة التي تعرض
محاسنها بسخاء، ولا يملك إلا أن يقف أمامها منبهرا وقد اخترقت روعة مناظرها روحه
ونشرت بين جنباته بهجة وسرورا، وراحة وسكينة.
إنه إحساس كامن في الإنسان ذلك الذي يجعله يسر لرؤية ما هو جميل.
فمن ذا الذي لا يسره منظر الأزهار بألوانها الساحرة! ومن ذا الذي لا يسره منظر
الأشجار بخضرتها البهية الناضرة! ومن ذا الذي لا يسره منظر الأنهار بمياهها العذبة
الجارية!
لقد ألهمت بجمالها الفنانين -على مدى العصور والأزمنة- فرسموا أروع
اللوحات ونظموا أعذب الأشعار وكتبوا أجمل النصوص. ولكم غزا جمالها من أرواح فامتلأت
به جمالا وأنتجت جمالا وأبدعت في عوالم كثيرة مادية ومعنوية!
إن الإنسان عندما يلجأ إلى الطبيعة ليستريح في كنفها ويملأ عينيه
بنورها الساطع وألوانها البراقة وأشكالها البديعة، يغمر قلبه أحاسيس فياضة من الحب
والإعجاب، والنشوة والفرح.
فإذا فتح لها بابا أوسع غدّت روحه وأنمت فكره وأوسعت خياله بما
تلقيه في روعه من الدروس والحكم. وإن ألقى إليها سمعه حدثته حديث العقلاء والنبهاء،
حتى الورقة وهي تسقط برشاقة على الأرض، والعصفورة وهي تغرد فوق غصن الشجر، والزهرة
وهي تتمايل بلطف مع النسيم العليل!
إن المولى عز وجل الذي ما خلق شيئا سدى، لم يخلق الجمال عبثا، وإن
بدا أنه زينة ظاهرة وزخرف الدنيا. فلا يجعل الإنسان من الطبيعة ملجأ للتنزه
والترويح عن النفس ودفع التعب والملل عنها، لأن فيها من الفضائل والفوائد أكثر من
ذلك وأجلّ.
فإذا كنا نأخذ منها ما نزيّن به ظاهرنا، فكيف لا نأخذ منها ما نزين
به باطننا؟ أليست مصدر لباسنا وحلينا وزينة مساكننا، فلماذا لا يكون فيها أيضا ما
نلبس به باطننا بلباس من الزينة والتقوى؟
إن الإنسان ليصيبه الخجل إذا ما كان يرتدي ثوبا رثا وسط جمع من
الناس قد تأنقوا في ملبسهم. فكيف لا يحس بالحرج وهو يعيش وسط الطبيعة بصورها
الجميلة وأصواتها الشجية سيئ القلب فاحش اللسان؟
إن الخالق جل وعلا قد زين لنا السماء فجعل فيها كواكب نيرة وبروج،
وزين لنا الأرض فأنبت فيها حدائق بهيجة ومروج؛ ودعانا لتزيين ظاهرنا وباطننا جميعا.
أنار لنا الكون بضياء الشمس وبدد لنا ظلمة الليل بنور القمر؛
وألهمنا النور وأوحى به إلينا وهدانا إليه.
وأحيا لنا الأرض حين أنزل عليها الماء فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج
بهيج؛ وأمرنا بإحياء قلوبنا بماء الوحي الصافي الزلال لكي تعطي أكلها وثمارها من
الفضائل والمحاسن.
لقد أحسن كل شيء خلقه وأمرنا بالإحسان في كل أمور حياتنا. وجعل لنا
فيما خلق في الأرض وفي السماء معالم تدلنا على الإحسان، وتدعونا إلى تجميل نفوسنا
وتزيين أعمالنا وإنارتها بنور العلم والإيمان.
وأتقن جل وعلا صنع كل شيء ودعانا على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام
إلى الإتقان فيما نأتي من أعمال؛ فلا نقدمها للناس إلا في هيئة مكتملة صالحة جميلة.
فأكبر الدروس التي تعلمنا إياها الطبيعة والكون من حولنا بل خالقها
وبارئها ومبدع الجمال فيها: تجميل الظاهر منا والباطن والإحسان في القول والفعل.
إنه موضوع شيق جميل محبب للقلوب عميق الأثر في النفوس، هذا الذي
أحببت الإمعان فيه منذ أن وقفت يوما أتأمل حبة الفاكهة، وأتعجب من لونها الجذاب
وشكلها البديع! فوجدتني أتساءل في نفسي: لماذا خلقت بهذا الجمال وهي إنما خلقت لقوت
أبداننا؛ لكأنها غداء للروح والبدن معا؟!
وانجذبت روحي لهذه الثنائية العجيبة فرُحت أنظر في آيات الله
المقروءة وآياته المشهودة وساحت نفسي بين روائع وجماليات الخلق أراها بعيني
وأتحسسها بروحي. فجاءت هذه الكتابة التي هي جملة ما خلص إليه خاطري من فهم وإدراك
متواضع لهذا المعنى الواسع الجليل جلال خالقه وسعة حكمته سبحانه.
وأحببت أن أقدمه هدية إلى هذا الموقع الذي أحبه وأحب المشرفين عليه
وأحب زواره لما أجد فيهم جميعا مما تجله نفسي من محاسن الأفكار والرؤى والأحاسيس
الصادقة الجميلة.
ورجائي أن يجد لديكم القبول الحسن والفائدة المرجوة. فما وجدتموه
حسنا فهو من توفيق الله لي، وما كان غير ذلك فلضعف علمي وما أوتيت من العلم إلا
قليلا.
ولله الحمد أولا وآخرا.
بقلم هادية سلام
|