|
قابلتها
بعد سنوات طويلة مضت على تخرجنا من الجامعة، كان كل شيء
فيها قد تغير، حتى ضحكاتها الجميلة التي
كانت تملأ كل مجلس يجمعنا، ارتسمت مكانها
نظرة حزن غريبة لم أعهدها بها وجلسنا معا
نستعيد ذكريات الزمن الجميل، فقالت بصوت
كله شجن ليت يوما واحدا من تلك الأيام
يعود فقد كنا نعيش جوا كله حب وتعاون وإخاء،
أما الآن فالناس أصبحوا كالوحوش كل واحد
يتمنى أن يأخذ مكان الآخر ويطمع فيما لديه، لايوجد حب ولا تفاهم ولارحمة.
وماهي إلا لحظات حتى انطلقت في البكاء فأخذتها
في
صدري وضممتها وقلت لها إن الحياة فيها الجميل
مثل القبيح فلماذا لاترين سوى السيىء
منها فقط..... وانطلقت تتكلم وتشكو من
حياتها وسوء معاملة زوجها وأخواته وأمه
وجارتها اللائي تفنن في إيذائها حتى
البائعين في السوق والناس في الشارع. الكل لا يعرف
ذوقا ولايراعي مشاعر أو أدبا.
وقالت إنها تعبت من كثرة التنازلات والتضحيات
والتسامح،
ولكن هي لا تجد مقابلا سوى الغش والكذب
والندالة التي أصبحت من سمات عالمنا الآن
.....وأعطيتها منديلا كي تمسح دموعها
وحاولت تهدئتها ببعض الذكريات المضحكة القديمة
حتى رأيت بسمتها وسط الدموع، فربت على
كتفها وقلت لها : هل تصدقيني إن قلت لك إنني
عندما أتكلم مع أي شخص فى العمل أو
الأصدقاء يشكو تماما مما تشكين منه ويقول نفس
الكلمات تقريبا؟
فقالت بكل ثقة، وهذا دليل على أن كلامي صحيح
وأننا أصبحنا
في عالم لايطاق .... وأجبتها نعم، أنت وغيرك
الكثير ضحايا للعطاء والبذل والرقة
والمعاملة الطيبة وأعتقد أننى إذا سألت
زوجك وأهله وجاراتك وكل من تشكين منه سيجيب
أنه أيضا من ضحايا تلك المعاملة الحسنة
التي تضيع وذلك الوفاء الذي يموت ..
فقطبت
جبينها وسألتني في استنكار عن مغزى ما
أقول، فأجبتها: إنني فقط أبحث عن ذلك الجاني
المزعج الذي جعل الحياة كئيبة وذهب بكل
جميل ولكني لا أجده أبدا.... أجد دائما الضحايا ولكن لا وجود للجاني ولا أعرف
أين يختبىء.....
وبدا كلامي بالطبع غير مفهوم
بالنسبة لها، فابتسمت وقلت لها: يا صديقة
العمر الجميل ورفيقة سنوات
الجامعة الرائعة التي جمعت القلوب
الخضراء والهمم العالية.... الدنيا هي الدنيا بكل
قوانينها وبكل أطماعها ولكننا فقط نجيد
جيدا فن الشكوى والدفاع عن النفس وإلقاء
التهم وتعليقها على شماعة الزمن الصعب
والناس السيئة. وبدأت تنصت باهتمام لما أقول
فتحمست أكثر وسألتها: هل سألت نفسك مرة
لماذا لا أستطيع توصيل ما في قلبي من حب
ومشاعر لمن حولي؟ ولماذا هم يسببون لى
إزعاجا؟ وترى هل معهم بعض الحق فيما يفعلونه
معي؟
وأخرجت
مصحفي وفتحته وقرأت عليها تلك الآيات من سورة فصلت (ومن
أحسن قولا مما دعى إلى الله وعمل صالحا
وقال إننى من المسلمين. ولاتستوي الحسنة
ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي
بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما
يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا
ذو حظ عظيم).
وما أن
انتهيت من قراءة الآيات حتى قالت: دفعت كثيرا بالتي هي
أحسن فلم أجد الحب والمعاملة الحسنة
أبدا، فقلت: هل تشكين والعياذ بالله في صدق تلك الآية؟ فأجابت على
الفور: حاشا لله من أنا، حتى لا أصدق
كلام الله؟، فقلت: أنا أعتقد اعتقادا جازما أن الله تعالى صادق في وعده وأنه
طالما وعد بالولاية والحميمية لمن يدفع
بالحسنى فإنه لاشك سيعطيها ولكن لابد أن
نعرف كيف ندفع بالحسنى
.....
وأخذت
تنصت بعد أن أدركت أن هناك شيئا كانت لاتفهمه. وطلبت مني
أن أوضح لها مقصدي، فقلت لها: أن الله
تعالى يستخدم الكلمات المحددة الواضحة
ولكننا أحيانا نخطئ في فهم تلك الكلمات،
فهو جل شأنه لم يقل ادفع بالحسنى ولكن قال
التي هي أحسن فما الفرق في المعنى وما
الذي يترتب على فهم ذلك المعنى؟
إن التي
هي أحسن تعني أن هناك أسلوبا ومعاملة
يحتاجها كل شخص نتعامل معه تختلف من واحد لآخر،
فالتي هي أحسن مع زوجك أنت ربما تكون
ابتسامة حانية وكلمة رقيقة عندما يعود متعبا
من عمله وقد تكون طعاما شهيا وفراشا
نظيفا لزوج آخر، وقد تكون هدوءا وعدم مجادلة عند
زوج عصبي المزاج وقد تكون نصيحة مهذبة
ومشورة رزينة لزوج يحتاج لمن يشاركه همه....
فإذا
وقفت زوجة بابتسامة عريضة في كامل زينتها أمام زوج يعود من عمله وكل تفكيره في
الطعام الذي سيأكله، فبكل تأكيد لن يلتفت
لتلك الزينة وربما استشاط غضبا وسخطا إذا
كان الطعام الذي يحبه غير جاهز وهنا
ستصرخ الزوجة بكل حرقة أنه أهمل ما تقدمه من
حسنى وهي التي تدفع وهو الذي يصد.....
وكذلك إذا كانت والدة الزوج الحسنى بالنسبة
لها تعني أن تشاركيها في إعداد الطعام
وتجهيز المائدة، فبالتأكيد لن تنالي حبها إذا
كنت تحملين لها الهدايا القيمة في كل
زيارة أو تكلميها كل يوم بالتليفون أو أي عمل
حسن آخر تفعليه غير الذي تنتظره منك
والذي هو أحسن بالنسبة لها.
إننا دائما نفعل
الأحسن ولكن من وجهة نظرنا نحن، ولهذا لا
نجد تلك الولاية ولا نشعر بتلك الحميمية من
أقرب الناس إلينا ومن أهلنا ومن أبنائنا
أحيانا فقد تظن الأم أن الحسنى أن تقدم
لأبنائها أشهى طعام أو حلوى، وقد يكون
الأحسن لطفلها أن تقص له حكاية أو تضمه لصدرها،
ولكن الأم لا تدرك التي هي أحسن لطفلها.
وهكذا كل من حولنا من أشخاص وأصدقاء عمل
وجيران لكل منهم طريقة هي أحسن للوصول
إلى قلبه ولكننا لا نلتفت إليها ونتكتفي
باللوم والحسرة على ما قدمناه من حسنى
توافق هوانا وتناسب مزاجنا ورغباتنا، فلماذا
إذا نحصل على تلك النعمة من الولاية
والحميمية من الأعداء الذين يحملون الحقد والغل
بين جنباتهم ونحن لانستحق أن نلقاها ممن
بيينا وبينهم نسب وصهر وعشرة وجيرة؟
إن
الذي يستحقها بكل تأكيد ذو حظ عظيم لأنه
سيجد تلك السعادة المنشودة وينعم بذلك
البال الهادىء، ولكنها بلا شك تحتاج إلى
الكثير من الفهم لشخصية الآخر وكيفية
التعامل معها والبحث عن التي هي أحسن مرة
ومرة حتى نحصل على الأحسن المنشودة
التي تمنحنا الحظ العظيم في الدنيا
والآخرة، وهذا لن يأتي ببساطة ونحن متمسكون
بكبريائنا ولا نقبل أي خفض لجناح الذل
ولانرضى أن نتازل عن ملي واحد من حقوقنا
ولانعترف برغبات الآخرين واحتياجاتهم
....
إنها حقا مسألة صعبة على النفس وقد كان
الله صريحا معنا عندما أخبرنا أنها لن
تاتي لنا على طبق من فضة بل تحتاج إلى صبر
فلن ينالها إلا الذين صبروا وفقهوا
وعرفوا مداخل البشر.
وقلت
لصديقتي وأنا أودعها المثل الذي يقول بدلا من أن تلعن الظلام ابحث عن
شمعه تشعلها، وأوصيتها أن تكف عن الشكوى
وتبدأ في البحث عن التي هي أحسن داخل كل
من يحيط بها وتصبر فالأجر يكون دائما على
قدر المشقة ولا تتعجل الجزاء وتستبطئ
المقابل فوعد الله أكيد ...... ترى هل
يأتى اليوم الذي يفهم كل منا الآخر ويختفي
ذلك الجاني اللعين الذي عكر صفو حياتنا
...... ربما يكون الغد أو بعد غد ولكن علينا
أن نبدأ من اليوم
...
بقلم د. هالة مصطفى
مدير مركز تخصصي لخدمات تنظيم الأسرة بمصر تابع للوكالة الأمريكية للتنمية -
CSI
|