|
الفساتين
الزاهية تتبختر في خطواتٍ مرحة رشيقة والقمصان المشجرة الجديدة أخرجها الصيف فوق
البنطلونات التي يلبسها الأطفال فيسبقون بها الزمن نحو رجولتهم البعيدة.
وضوضاء "
المزامير " تختلط بصليل أجراس الدراجات في نغم متواصل يقطعه من وقت لآخر فرقعة "
بومبة" يلقيها طفل قزم فيلفت نحوه العيون، ثم يسير منفوشاً وكأنه أطلق صاروخاً إلى
القمر.
وكان اليوم
عيداً .. والناس جميعاً في إجازة من الحياة ومتاعبها .. إلا أنا .. فقد زادت أعبائي
في المطبخ أمسح الأرض وأدعك الأواني وأغسل الأطباق التي أفرغ أسيادي محتوياتها
الدسمة في كروشهم.
وأثناء هذا لا
يبخل عليّ عم إبراهيم الطباخ بلكمة مفاجئة إذا لم أفهم طلباته الملهوجة، أو يرفسني
بقدمه إذا أوقعني النحس في طريقه وهو يهرول بين الحلل، التي يتصاعد منها البخار
المعطر بالنكهة الطيبة. أما إذا تأخرت في تلبية طلبات السوق فإنه لا يتورع عن
إبداء رأيه الصريح في سلالة آبائي وأجدادي حتى يكاد يشككني في انتمائي إلى الجنس
البشري، رغم هذا كنت أعمل في همة ونشاط، متطلعة إلى الساعة إلى أفرغ فيها من شغل
المطبخ، فألبس فستاني الجديد .. ذلك الفستان الأصفر الذي ظل يزغلل عيني فوق جسد "
ستي الصغيرة " طول الصيف الماضي. ثم لحسن حظي – غضبت عليه هذا العام .. فكان من
نصيبي، لقد بهت لونه قليلاً، ولكن أزراره ما زالت لامعة! أما الفرق بين نحافتي
ولظلظة صاحبة الفستان، فقد أصلحته الست الكبيرة ليلة أمس .. ولكنها تكاسلت عن
اختصار ذيل الفستان بحجة أنه حشمة، متناسية أن نفس الفستان كان يعلو فوق ركبتي الست
الصغيرة التي يرتفع رأسها فوق رأسي بشبر على الأقل.
شيء آخر كان
يداعب خيالي .. كنت أتعجل الساعات البطيئة كي أفوز بواحدة من تلك البالونات الملونة
التي يلهو بها الأطفال في مثل سني، ويتقاذفونها بينهم في خفةٍ ويسرٍ رغم حجمها
الكبير.
و أخيراً انتهت
متاعبي في المطبخ قرب العصر .. وفي لحظات كنت أدور حول نفسي في مرآة الحمام أستعرض
أناقتي، ثم سمعت وقع أقدام تقترب فأسرعت بالخروج .. وكدت أصطدم بالست الكبيرة التي
حدجتني في احتقار وقالت بكبرياء.
.. مالك مسروعة
كدة يا بت؟
.. أظنك عمرك ما
لبست فستان زي ده؟
واكتست لهجتها
بشيء من الصرامة والحزم وهي تقول:
-
.. حاسبي
على الفستان الجديد .. أحسن أقطم رقبتك .. فاهمة؟!
- وهززت رأسي بالموافقة وأنا أبتلع الكلمات التي كدت
أنطق بها خشية أن تثور فتحرمني من العيدية التي ظلت تعدني بها طيلة الأسبوع حتى
تحمسني على مضاعفة الجهد في عملية التنظيف الشاملة التي تسبق العيد. وفوجئت بها
تقول بصيغة تقريرية لا تقبل المناقشة.
- سيدك ساب لك خمسة صاغ عيدية .. وأنا حاحوشها لك
عندي أحسن ما تضيعيها في الفاضي. وإذا جالك قرش من هنا أو من هنا لازم تحوشيه عندي
.. فاهمة؟ .. أهو الأكل في البيت .. ناقصك إيه؟.
- واستدارت لتمشي ثم عادت تلتفت إليّ قائلة:
- ولما يتحوشلك قرشين كويسين ابقي اشتري لك فستان
جديد أو أي حاجة تنفعك. وأخذت أفافيء محركة شفتيّ في ارتباك، ثم همست في خوف:
بس .. بس يعني كان نفسي أشتري حاجة في العيد.
حاجة؟ .. حاجة إيه؟ .. بـ .. بـ .. بالونة حمرا ..
فتقدمت نحوي، وقد أسندت خاصرتها بكفيها، وقالت في تهكم:
- .. نعم؟! .. بتقولي بالونة حمرا..؟ يا سخطة كدا ..
والنبي تتلهي على عينك. . اجري انزلي في الشارع مع الأولاد .. وخدي بالك منهم.
وهكذا تبخرت أحلامي فجأة .. وجرجرت ساقي إلى الشارع
حيث جلست منطوية على " دكة البواب".وما لبثت البالونات المتطايرة أن خطفت بصري،
ولكني لم أجرؤ على الاقتراب من الأطفال حتى لا أتعرض لسخريتهم وأذاهم وفجأة وجدت
إحدى البالونات تطير في الهواء .. ثم تقع قرب قدمي، ولم أستطع الصمود أمام هذا
الإغراء المثير فانتفضت من مكاني وأمسكت بها، وأخذت أتحسس جلدها الطري الناعم في
لذة مجنونة .. أفسدتها لكمة من صاحب البالونة، الذي خطفها مني ساخطاً لأني لوثتها
بيدي، ثم راح يلقي بها في الهواء ويتلقاها وعدت أنكمش فوق دكة البواب، ولم أنم في
تلك الليلة رغم جسدي المكدود .. ورحت أعصر عقلي الصغير لأستخلص منه حلاً لهذه
المشكلة. . ولم أستسلم للنوم إلا بعد أن قررت أمراً .. أمراً خطيراً.. ولكنه الحل
الوحيد للحصول على البالونة الحمراء.
لم يكن الأمر صعباً كما تصورت .. ففي اليوم التالي
عندما ذهبت لأشتري الخضار من السوق كانت الفكرة قد اختمرت تماماً في رأسي. وفي طريق
عودتي محملة بالخضار، كان يرقد في باطن حذائي قرش بأكمله .. ولم تلحظ الست الكبيرة
لعثمتي الخفيفة وأنا أشرح لها طمع الخضرية الذين يستغلون فرصة العيد ويرفعون
الأسعار. ولكني أحسست وأنا أخطو أمامها بأنى أعرج في مشيتي كأن حجراً كبيراً يثقل
حذائي..
وفي تلك الأمسية لاحظت مخدومتي أني ترددت كثيراً على
دورة المياه .. فعللت هذا بنوبة من إسهال أصابتني نظراً لإفراطي في أكل العيد
الدسم. وأردفت استنتاجها قائلة في شماتة:
- تستاهلي علشان تبطلي الفجعنة .. " ومن أعماقي حمدت
الله على سوء ظنها، الذي لولاه لاكتشفت سر اختفائي الدقائق الطويلة خلف الباب
المغلق. فقد كنت أقضي هذه الفترات مع بالونتي الحمراء .. بعيداً عن الدنيا ومن فيها
.. لا يشاركني أحد فيما أمتلك .. أنفخها .. ثم أفرغها من الهواء ببطء شديد خشية أن
يصدر عنها همس يكشفني فتكون فضيحة بجلاجل..
- وانتهى
اليوم بسلام .. ومازال شغفي متأججاً بالبالونة الحمراء .. ولكني تمالكت نزواتي
بصعوبة حتى نام أهل البيت جميعاً .. ولم يعد يتردد في سمعي إلا حفيف شجرة الكافور
العالية المواجهة لنافذة المطبخ الذي أنام فيه. وبدأت أخرج البالونة من مخبئها في
كيس وسادتي الدمور .. ومكثت أناجيها في رفق، وأتحسس ملمسها الحريري في سعادة طاغية
.. وخطر لي سؤال محير " ترى إلى أي حجم يمكن أن تصل هذه البالونة الرائعة"؟ وتشجعت
قليلاً .. ونفختها أكثر فأكثر .. ثم خشيت عليها فأفرغتها في الحال .. وأدهشني أن
أجدها قد كبرت عن الأول .. " يا حلاوة .. البالونة كبرت .. كبرت فعلاً .. لاشك إذاً
أنها تتحمل مزيداً من النفخ .. سوف أنفخها لما تبقى قد كرش الست الكبيرة!
" وأخذت أنفخ ..
وأنفخ .. والبالونة تكبر وتكبر حتى حجبت عن عيني باب المطبخ الذي كنت أركز عليه
بصري خشية المفاجآت. وفجأة .. طراخ !!! فرقعت البالونة!.. وكان لصوتها دويّ هائل
أبرزه سكون الليل الهادىء .. وتسمرت في مكاني كأنما أصابني شلل مفاجئ ، وراح قلبي
يدق بشدة كمطرقة تزلزل ضلوعي الرقيقة..
وبالطبع حدث ما
كان متوقعاً .. ومتى كان الحظ حليفي حتى يسد آذان النائمين فلا يسمعوا انفجار
قنبلتي الحمراء!.
استطعت أن
أتمالك جأشي، وقمت أبحث عن مكان أخفي فيه أداة الجريمة. واتجهت بتفكيري نحو الفرن
الصاج في ركن المطبخ .. وما كنت أمد يدي بداخله حتى سمعت صوتا راعداً أقوى من
انفجار البالونة ..
كانت الست
الكبيرة تسد فتحة الباب بجسدها الضخم وهي تزمجر في دهشة وغضب:
- بتعملي إيه عندك يا مقصوفة الرقبة ..؟
وانتفضت واقفة ويداي خلف ظهري تقبض على دليل الإدانة.
ولم تنتظر جوابي بالطبع، فانقضت على أصابعي وانتزعت منها جسم البالونة المتهتكة ..
وكان تحقيقاً طويلاً لم أستطع أن أثبت فيه براءتي،
ولكنى أنكرت واقعة السرقة، وأدعيت أني عثرت عليها في الطريق،، لعلها سقطت من طفل
أهوج جيبه مخروق ..
" وكادت الحيلة تقنع زبانية جهنم الذين وفدوا إلى
المطبخ واحداً بعد الآخر، وجلسوا أمامي كهيئة المحكمة .. لكن .. لكن كان لهم ابن في
الجامعة – الله يخرب بيته مطرح ما راح – أخذني على انفراد، ووراح يغريني بالاعتراف
.. حتى تهدأ العاصفة ويتركوني لشأني .. وتعهد لى بشرفه أنه سيحميني ويقف بجانبي إذا
اعترفت بالحقيقة ... أقنعني الملعون بكلامه المعسول .. فاعترفت .".
عندما وصلت " نفوسة " إلى هذا الحد من قصة طفولتها
البائسة .. كانت زميلاتها يحدقن فيها مبهورات .. وترامى إلى أسماعهن وقع أقدام "
السجانة " تقبل نحوهن. .
وانفتح باب الزنزانة .. ودلفت منه امرأة قاسية
الملامح وصاحت بصوت غليظ :
- نفوسة محمد عطوة .. قومي معايا .. مطلوبة للنيابة
. .
وقامت نفوسة بلا أي مبالاة أو انفعال لطول درايتها
بهذه الاجراءات .. وهتفت إحدى السجينات متسائلة في لهفة:
- ... وبعدين يا نفوسة؟. حصل إيه لما اعترفت؟
فلوحت نفوسة بذراعها في استهتار وقالت:
- أبداً وحياتك .. عينك ما تشوف إلا النور .. أكلت
علقة تمام .. ومن يومها حلفت ما أعترف أبداً ...
ثم استسلمت لقبضة السجانة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم صبحي الجيار
هذه القصة نشرت في مجلة الجيل العدد 48 بتاريخ الاثنين الموافق
(13-3-1961 ).
|