|
في موقف الحافلات كانت جالسة على الأريكة الحديدية .. وقد تغطت
الأخيرة بالوحل .. وثلّجها البرد .. وكان رأسها -أي الجالسة- ويداها قد غيّبا في
جوف هذا المعطف الخَلِق .. ذاك الذي غطى نصفها العلوي تماما .. لم يكن يبدو منها
إلا ساقاها الموحلتان تمتدان في استسلام كالميتتين .. وقد انسدل عليهما ذيل جلبابها
القذر .. حتى يكاد الرائي لا يتبين إن كانت صاحبة هذين الساقين رجلا أم امرأة ..
فالجلد والامتهان ليس من دأب النساء .. "إلا أن هذه ليست المرة الأولى التي أراها
فيها حتى أسأل نفسي عن كنهها -هكذا حدّثتُ نفسي- وهي من جابت كل شوارع البلدة ..
وامتهدت كل أرصفتها وقد تمددت أمامها صرة من القمامة تذود بها!" .. كانت دونا عن كل
المساكين تتبسّم في خبث ودلال .. تستطيع أن تستبين ذلك في عينيها الثملتين وبدنها
الممتلئ .. إذن فالدنيا كلها لم تقو على أن تفت في عضد هذه المسكينة دونا عن بدنها
كله بما فيه ثغرها الباسم.
كل هذا طاف بخاطري لما اجتزت شارع الجلاء .. أحد أكبر شوارع البلدة .. كانت جالسة
على الطوار هذه المرة .. وكانت تلعق أصابعها الملطخة بالجبن في نهم .. وقد انفتح
أمامها كيس القمامة عن آخره .. والعجيب أن دنياها البائسة كلها قد أحالتها هذه
اللحظة السعيدة -على الأقل في نظرها هي- إلى نعيم.. فهي قد نسيت أن الدنيا كلها
تنظر إليها وهي تلتهم الجبن القذر وعيناها الحمراوان القانيتان مصوبتين في شغف نحو
أصابعها المكسوة بالجبن دونا عن الطين .. ذكرني ذلك بقول شوقي:
لا أمس من عمر الزمان ولا غدٌ .. جمع الزمان فكان يوم لقاكِ
فالزمان عندها مجموع في ساعة تقتات فيها أقطاً وكسرة خبز متعفن، وفي ساعة تنامها
ملء جفنيها فليس هناك ما تخاف عليه، فتركتها -إذ تموت- ليس إلا ما اكتست به جثتها!
عبد الرؤوف عبد المجيد النجولي
19 سنة
كلية طب جامعة المنصورة
|