|
( ينظر القاضي
في أوراقه ثم ينظر لعلاء الدين ويقول )
القاضي : علاء
الدين أنت متهم بعدة تهم , تقول زوجتك بدر البدور أن الكل يحكي حكايتك ويعرف أنك
اتبعت ذلك الساحر وأنت تعلم أن السحر رذيلة وتعلم أنه محرم في جميع الأديان , وأن
لديك ذلك المصباح السحري وأنك استعملته وأتيت به للأميرة بالقصر والهدايا , وأن هذا
غش وخداع , والأميرة كما تقول ,
( يرجع القاضي
لأوراقه ثم يقول )
القاضي : الأميرة لا تأمن شرك , فأنت تعطيها الهدايا وأنت راضٍ عنها الآن , ولكن إن
غضبت من يضمن لها أنك لن تستعمل السحر والشعوذة لتضرها أو تؤذيها , ثم أنك كسول
سلبي , ليس لك شخصية , فأنت يتيم ولكنك اعتمدت على أمك ولم تحاول أن تخرج من أزمتك
المادية لم تحاول العمل وهذا يمكن أن يؤثر على مستقبلها معك , فبدلاً من أن تعينها
على الصعاب ستعتمد عليها في حل مشكلاتك كما فعلت مع أمك وربما تنتظر النجدة من
السماء كما جاءت لك عن طريق ذلك المشعوذ , علاء الدين , الأميرة تطلب منا أن تنفصل
عنك لكل ما تقدم , فلو ثبتت التهمة عليك سنمتثل لأمرها .
علاء
الدين : يا سيادة القاضي أنا مظلوم , مظلوم , لم يحدث حرف مما تقول , هذه شائعات
أطلقها علي الوزير جعفر ليزكي ولده , ولكن ماتت الحقيقة وانطلقت الإشاعات , فما
ذنبي أنا , ما ذنبي .
القاضي : هل لديك شهود ؟
علاء
الدين : شهود كثيرون .
القاضي : فما هي الحكاية إذاً
؟
علاء
الدين : حكاية طويلة , تبدأ بيتمي , ولم أكن سلبياً كما قلتم بل كنت أعمل منذ
طفولتي , وكنت أعمل عند سيدي أبو الحسن , تاجر الأقمشة , وكان يسمح لي في البداية
بالذهاب للكتاب لأكمل تعليمي , ثم بعد أن شببت رفضت أن يكون عملي قليلاً عنده وآخذ
عليه أجراً وكأنه صدقة , فكنت أعمل معه طوال النهار ثم أقرأ في الليل وأراجع المعلم
فيما يتعذر عليّ فهمه , وكان السيد أبو الحسن يثق فيّ كما يثق الأب في ابنه , ولما
كبر في السن كان يدعني أشرف على تجارته من وإلى الشام , واستمر الحال على ذلك لعدة
سنوات , وفي إحدى المرات كنت أسافر بالبضاعة مع مجموعة من العمال أثق بهم , وتحركت
القافلة حتى تعبت الجمال وأرحناها , وكنت لا أزال على حصاني وقد استبد بي العطش
فأخذت قربتي الصغيرة ورفعتها إلى فمي لأشرب فلمحت غزالاً يجري , فخطرت على بالي
فكرة , لماذا لا أصطاد الغزال وأفاجئ أصدقائي به فنشوي ونأكل ونمرح فما زال الليل
طويلاً , ولم أفكر طويلاً فانطلقت خلفه , فسألني حسين أين تذهب , قلت له سأعود بعد
قليل , وانطلقت خلف الغزال وكان سريعاً وكنت أنا مصراً على اصطياده فصعدت تلة وهبطت
منها وأنا أطارد الغزال فإذا بي أجد رجلاً مسناً ملقى على الأرض وبجواره جملان
يحملان حملاً ثقيلاً , والرجل في حالة سيئة , فأسرعت إليه ولما شعر بي طلب ماءً ,
فسقيته , فحمد الله وقال لي بصعوبة أنه نذر أن يعطي جمليه وما يحملان لمن يعطيه
شربة الماء , فشكرته ودعوت له بالبركة في ماله ورفضت عطيته بلطف , فقال لي اسمع يا
ولدي ولا تقاطعني , إن هذان الجملين محملان بكنز عظيم , فأنا عالم كيميائي , وقد
توصلت لطريقة تحول بعض المعادن لذهب , ولكن خلفي رجل شرير , يبحث عني يريد كنزي وسر
مهنتي , وما كنت لأعطي لهذا الشرير سر مهنتي , فقمت بحرق كل الأوراق التي كتبت فيها
أسرار عملي وهربت بهذين الجملين , لقد أوشكت على الموت ولما شعرت بدنو أجلي دعوت
الله أن يرسل لي رجلاً يحب الخير فينفق المال في الخير ولا يستعمله في الشر , ولما
أتيت شعرت أن الله استجاب لي , ياولدي , هذا المال قوة لا تدعها في يد الشر , خذها
بارك الله لك ولا تذكر حكايتي لأحد من الناس , فلو وصلت هذه الأنباء لذلك
الشريرسيفتك بك .
القاضي : أكمل يا علاء الدين , وماذا حدث بعد ؟
علاء
الدين : تلاحقت أنفاس الرجل فحاولت إسعافه ولكن , للأسف مات , أخذت أتلفت حولي
وأتساءل ماذا أفعل ؟ وكيف أتصرف ويبقى الأمر سراً , نظرت حولي فوجدت مغارة على
مقربة منا فأخذت الجملين وأخفيتهما في المغارة ثم ذهبت للقافلة وناديت الرجال
ليتأكدوا إن كان الرجل مات أو يحتاج إسعافاً , ولما تأكدوا من موته , قاموا بدفنه ,
وبعد هذا كان ينبغي أن أعود بالجمال , فرجعت لأصدقائي وقلت لهم , سأضطر للعودة
فسألوني عن السبب , قلت أنني وجدت معي المال وينبغي أن أعود بالمال لأمي , فهتف
حسين معاتباً هل نسيت أن تعطي لأمك مالاً , ياللورطة , هل أرسله مع أحد العمال ,
فقلت له لا , سأذهب بنفسي وسأقابلكم في دمشق , ولم أترك له فرصة للكلام حتى لا أقع
في الكذب , فأنا لا أحب أن أكذب , فلما قلت له وجدت معي المال كنت أقصد الجملين
وينبغي أن أعود بالمال لأمي كان المقصود الجملين أيضاً ولكن أنا أعرف كيف سيفهم
حسين الكلام , وانصرفت سريعاً وسحبت الجملين وكان حملهما ثقيلاً , فرأتني أم جميل
جارتنا فأتت على الفور وأمطرتني بوابل من الأسئلة التي تملصت منها فزادها ذلك
فضولاً على فضولها , وهي مازالت تسأل لماذا عدت مبكراً يا ولدي , وما هذان الجملان
, وماذا يحملان , وهل هي بضاعة أبي الحسن , ولماذا وأين ومتى وكيف , فتعللت بأنني
متعب من السفر واستأذنت منها في أدب لأرتاح , فأخذت تسأل أمي , وأمي تنظر لي مندهشة
من عودتي , ثم قالت أخيراً :ـ أترككم الآن , سآتي أطمئن عليكم في الصباح , وما إن
خرجت حتى انفردت بأمي وقصصت لها كل شيء وكأنني أزحت عن صدري هماً ثقيلاً , ولكن
يبدو أنني لم أفهم تحذير الرجل جيداً .
(يصمت علاء الدين برهة )
القاضي : لعل أمك أشاعت الخبر وأوقعتك في المشاكل .
علاء
الدين : لا ولكني ذهبت بكثير من قطع الذهب للصاغة دفعة واحدة , وبعتها وأخذت الثمن
, واعتبرت هذا المال كنزاً وأخرجت زكاته وهي الخمس , واشتريت أرضاً وبنيت عليها عدة
مشاريع خيرية تنفع الناس , مدرسة ومستشفى , ومدرسة حرفية تعلم الصبيان الصناعات
المختلفة , ومدرسة مثلها نسائية , فازداد حب الناس لي ووصل صيتي لأمير البلاد ,
وبدأت أبني لنفسي داراً كبيرة , وكلما نقص المال ذهبت للصائغ أبيع بعض قطع الذهب
فأدفع الخمس لتدعيم المشاريع الخيرية وآخذ أربعة أخماس , وقد بدأ الهمس بين الناس ,
وبدأ الصائغ يحكي عن الذهب الذي أبيعه , فوصلت أخباري لأبي النجا
.
القاضي : ومن أبو النجا هذا ؟
علاء
الدين : إنه الرجل الشرير الذي كان يبحث عن الذهب , فجاءني أبو النجا متنكراً في زي
تاجر , وادعى أنه صديق أبي فأكرمته ,وكان يأتي من حين لآخر بحجة أنني ابن صديق عمره
الذي ينبغي أن يطمئن عليه , ولم يكن أبو النجا يريد المال بل كان يريد السر العلمي
الذي استطاع العالم العجوز أن يحول به بعض المعادن إلى ذهب , وكنت في هذه الأثناء
قد تقدمت للأمير خاطباً ابنته الأميرة بدور , ولما بلغه عني كلام طيب وافق على
الفور , ولكن الوزير جعفر سامحه الله كان يريد ان يزوج ابنه من الأميرة ولكني سبقته
, فظل يطلق الشائعات عني وحكى للناس قصة المصباح الزائفة , ولما كان الناس يتساءلون
عن سر الثروة التي هبطت عليّ صدقوه , فخاف الأمير ورفض الزواج , كل هذا وأبو النجا
قريب مني يعرف أخباري أولاً بأول مني أنا شخصياً , ولما علمت بسبب رفضه دافعت عن
نفسي وقصصت له حكايتي وسأل الشهود فاطمأن قلبه على ابنته وزوجني , وبعد زواجي بقليل
, اختطف أبو النجا زوجتي الأميرة بدور , وهددني بقتلها إن لم يأخذ مني سر التركيبة
العلمية , فحاولت أن أشرح له فلم يفهم , فطلبت منه مهلة فأعطاني مهلة أسبوع ,
فاجتمعت بأصدقائي وتنكرنا في شكل بائعين كنت أنا أبيع الخبز وحسين يعمل سقاءً وعلي
بائع حطب لندخل كل بيت في القرية ,وكنت أغني أثناء البيع لتسمعني بدور , ففهمت
إشارات الأغنية وردت عليها بأغنية كأغنيتي تبدو كلماتها عادية ولكن بها كلام أفهمه
, وعرفنا البيت الذي حبست فيه وقمنا بتحريرها وقبض الأمير على أبي النجا الشرير ,
ولكن الشائعات لم تتركنا , سممت حياتنا وأنا الذي كنت أحيا بسمعة طيبة بين الناس
.
القاضي : هل لديك شهود على ذلك ؟
علاء
الدين : اسأل أصدقائي الذين ساعدوني في البحث عن بدور واسأل جارتنا أم جميل ,
واسأل زملائي الذين شاهدوا العالم العجوز وقاموا بدفنه .
(
قامت امرأة عجوز من بين الحاضرين )
المرأة : أنا هنا يا سيادة القاضي , أنا أم جميل .
القاضي : هل كان علاء الدين صادقاً فيما قال .؟
المرأة : لست أدري ولكني رأيت الجملين , وكان حملهما ثقيلاً , وقد زاغ من أسئلتي
ولم يجبني على أي منها .
القاضي : من هناك أيضا من الشهود ؟
(
قام ثلاثة من الشباب وقالوا
)
معا:
نحن يا سيادة القاضي .
أحدهم : أنا حسين .
الآخر : وأنا علي .
الثالث : وأنا سعيد .
القاضي : ما قولكم فيما سمعتم ؟
حسين
: لقد رأيت العجوز الميت وشهدت دفنه أنا وإخواني .
القاضي : هل هذا صحيح ؟
معا
: نعم سيادة القاضي .
سعيد
: و لقد بحثنا معه عن الأميرة وقت أن خطفت , أما أبو النجا فمازال في السجن
القاضي : لا حاجة لنا به فيكفينا شهود , قررنا أن علاء الدين بريء مما نسب إليه فهو
شاب مكافح قد كافأه الله وهو جدير بالأميرة
(
تبتسم الأميرة وتقترب من علاء الدين )
بدور
: الحمد لله الذي أظهر براءتك يا زوجي العزيز .
(
تمت بحمد الله )
إيمان راضي أبو العنين
|