اجتماعي (حياتنا)
    مودة ورحمة
    بنين وبنات
    المؤمنون أخوة
    ربّياني صغيرًا
    بنات أفكاري
    أنا وطني
عن عمرو خالد
ملفات خاصة
ثقافي (قلم وورقة)
تزكية (حي على الفلاح)
تنمية بشرية (أنت أفضل)
كرسي في جنينة الوطن(2)
الأقسام الرئيسية>اجتماعي (حياتنا)>أنا وطني>كرسي في جنينة الوطن(3 أجزاء)
التقيم الحالى لهذا المقال بناء على 15 رأى

(4)
مضى أسبوع .. والشمس اللبنانية الجميلة مخدَّرة مخفورة .. دونها غمامات سود صنعتها حرب قلما يجود الزمان بمحوها ..

الدنيا صارت أقرب إلى الموت منها إلى الحياة .. حركة السيارات توقفت .. وإن كان بعض الحوانيت لا زالت مفتحة أبوابه .. ما سلم منها من القصف بالطبع ..

كان الوقت ظهرا .. والحرارة تعتصر العرق من عروق الخلق في هذا اليوم من أيام تموز .. والعم (كمال) بدكانه .. مسندا رأسه هذه المرة إلى الطاولة أمامه .. يفتش عن شيء ما في عقله ..

وكالعادة كان المذياع مفتوحا .. لكن هذه المرة لم يكن (صباح فخري) يغني لحبيبه والجنينة .. ولم يكن هذا ليروق بال أحد من الناس لو أذيع .. كانت فقط النشرات تبث على مسامع المواطنين أخبار الحرب .. والخسائر من الطرفين .. وأحيانا بيانات للسيد نصر الله .. وأخرى أغان حماسية لـ(فيروز) و(وديع)..

وأمام الدكان كانت المناشير التي ألقتها الطائرات الصهيونية تؤدي دور الإسفلت .. فلم تكن إلا موطئا لأقدام المارة .. ومن بينهم الأستاذ أديب وحرمه .. ووليده الصغير .. الذي وضعته نورة بعد بدء القصف بيومين ..

-
إستاذ أديب .. شو صار يابي ؟! .. بعدك بترحل ؟!

كان أديب قد قرر الرحيل .. بعد العهد الذي قطعه على نفسه بأن يظل بالجنوب .. لكن هذا الضيف الجديد الصغير فرض وجوده .. وحدا بأسرته إلى الرحيل .. بعد ما تكبدت الضاحية من خسائر كثر ..

-
إيه عمي .. والله ما بخاطرنا .. بس ها الوله الصغير ..

-
ع وين إن شا الله ؟؟

-
ع بيروت .. ومن هنيك بنروح ع الشام ..

-
والله مدري شو هاي الشغلات اللي عم تسويها إسرائيل ؟! .. بالعشية ضربوا ع عمارة (رينيه) .. قالوا إنو بيآوي مقاومة! .. والله مدري كيف بيآوي مقاومة وهو مو قدران يحمل حاله ..

صمت الجميع .. ولم يكن بيد أحدهم حل لهذه المشكلة .. أو رد لهذا المكر الصهيوني الكبّار .. لا أديب .. ولا زوجته .. ولا الوليد ..

-
ياللا عمي بخاطرك .. نحنا ما راح نتأخر إن شا الله .. تا تخلص الحرب وبنرجع ..

وتعانق الرجلان وتواعدا على لقاء قريب

 (5)

"
قريتوا ؟؟ .. ولا بعدكم ما قريتوا ؟؟ .. مممم .. بنكمل .. بما أنو (نورة) مرت (أديب) ما كانت قدرانة تحمل حالها .. فهيك صار .." :

استأجر أديب سيارة خاصة .. مستودعا الله روحه وروحي ولده وزوجه .. فالأهداف المتحركة كانت صيداً ثميناً للغرابيب (الطيارات) المغيرة .. لكن ما عساهم يصنعون .. آلموت ينتظرون دون نوافذ الدار القديمة ؟!

تحركت السيارة القديمة عالياً أزيزها .. وفيها أديب وزوجه محتضنة الوليد .. أسموه (نصراً) تفاؤلاً بالأمين المقاوم ..

راحت الأم ترضع الصغير .. كان صدرها يختلج بهموم عضلت عن حملها الجبال .. حارّة كشمس تموز فوق السيارة .. ولم يك الوليد اللصيق بأمه كالقسرة ببذرتها ليعي ما دون سور أضلعها .. ولم يحْكِ له قلب أمه عما عساه ينتظرهم في بيروت ما لم يكن على الطريق ..

في الحاكي .. حاكي السيارة .. أدار السائق شريطا لأغنية عاطفية ! .. ولربما كان هذا تحديا منه لطائرات الاستطلاع فوق رأسه .. أو للدخان يسد مساحات من الأفق الجنوبي الصافي .. أو للهموم تلتهم رأسه ..

وفي أذنيْ الأم النافس اختلط أزيز الطيران بالأغنية في الحاكي وأنفاس الصغير ..

-
بقلّك أديب ..

-
شو ؟

-
لك نحنا قديش راح نضلنا ببيروت ؟

-
يا ستي .. بعدنا ما وصلنا تا نفكر في الرحيل !

قلصّت الزوجة شفتيها الجافتين في وجد .. فلم يكن زوجها ليمطرها بشهد الكلام في هذا الصباح الدامي .. والطريق على قصره أليم ..

صمتت الأم الجديدة .. التفتت وراءها فقط .. وراحت تشيع الضاحية بنظرات خبت في دموعها .. البحر واجهة (الأوزاعي) .. (حارة حريك) .. (برج البراجنة) .. ما أحبها من أسماء إلى قلبها ! .. طفولتها .. بيوت إخوانها .. وقبور أجدادها .. ها هو كل هذا يضيع تحت أقدام (أصحاب الفيل) من جديد .. وهم لا يفرقون حين يسحقون بين صبي صغير وفارس يمتطي آليته .. ولا يفرقون بين ثكنة أو روضة ..

أما أديب .. وقد صار أبا جديدا في وقت ما أحرجه .. وقد نبتت في ثنايا مخه بقعة للهم جديدة .. فقد غارت عيونه .. وغارت فيها بوارق الأمل والخوف على هذه الوديعة الجديدة .. ولم يكن لديه من الكيوف ما يخفي عنه الدنيا دون غلالة من الثمالة .. لكن كان معه من هو أقوى من كل كيف .. كان الله معه ! 

(6)

بيروت .. ولا زالت تحتفظ بشيء من حياة .. بل بحياة .. السيارات .. والشغيلة .. والمقاهي .. كل هذا يعمل .. ويدور .. وإن كانت الحرب تفرض نفسها .. حتى الليمون ارتفع سعره سبع مرات! .. النازحون كثر .. أترعت بهم الملاجئ .. وأكثرهم من الأطفال الموءودة طفولتهم ..

إلى بيروت وصلوا .. خالياً وفاضهم .. ولم تكن بيروت كالعادة جميلة .. ولا الطريق إليها يسيرة ..

جلسوا على طوار .. يفكرون .. ويعلو صوت تفكيرهم أحيانا ..

صوب أديب ناظره إلى البنايات أمامه .. نكأت غي نفسه جراحات ما أمضاها! ..

منذ أقل من ربع قرن .. كان هنا .. كان طفلا .. تعلق بساعد أبيه الشغيل .. أبوه الذي اضطره خوفه على ولده -وخوفه على ولده فقط- إلى الهجرة من (برج حمود) المسيحية إلى الضاحية .. ما أقبحها من أيام ! .. أيام الحرب الأهلية .. يوم أكل الحمل نفسه !

تذكر أخته تبكي دميتها .. ولم تبك وهي الطفلة دارهم المقضوضة ! .. وأمه الحبلى الملحمة .. وكيف شقّ عليها السير كزوجته اليوم .. ما أعجب التاريخ يعيد نفسه! .. تذكر مدرسته القديمة .. وخلانه الصغار ..

واختلفت على عقله المرائي .. ما جد منها .. وما بلي وغار ..

عادت به ذاكرته خمسة أيام إلى الوراء .. هي كل عمر هذا الوليد المسكين ..

استقبلته الحكيمة صارخاً .. مشيحاً بوجهه ككل الولدان عن دنيا الظلم .. وكيف تعهدوه بلفافة من القماش .. ولن تكون ما كانت بأرحم عليه من رحم أمه وقد ولجه إلى هذه الأرض .. أرض المراء والفرى .. وكيف ابتسمت له الأم بسمة ملء الدنيا .. وهو قطعة منها حية تسمع وترى .. وتشعر وتنبض ..

وإن ينس أديب لا ينس كيف غارت هذه البسمة في شفتيها القانيتين .. إذ حلقت طائرات الاستطلاع فوق ضاحيتهم .. فأذهلت كل مرضعة عما أرضعت ..

يتذكر .. وكلما تذكر تألم .. أن لم يكسر صموده كاسر كهذه المضغة الواهنة .. وقد كان مثلها أو أكبر قليلا يوم هاجر والداه وإخوته من بيروت ..

"
ما أقبح الأطفال ! .. وأتعسنا !" 

(7)

بيروت كالبريئة المفطورهْ ..

تنام باكرا .. و دون أن تنام! ..

وغالبا تصحو على انفجارْ ..

مبكراً .. نسائها .. أطفالها .. هوامها ..

على انفجارٍ مفزعٍ وقد أصاب الضاحيهْ ..

ورجّعت أصواته الأحياء أضحت خاويهْ ..

مضتْ أيام .. والقلب بين مهابة ورجاء .. وأديب يحسب هل يغادرُ أم تراه هوى البكاء ؟!

لم يستأنف رحلته إلى الشام .. ورغم أنه ليس من أهل بيروت .. إلا أنه وجد نفسه فيها .. ورغم ما غشاها من مدنية .. إلا أنه أحسها منه وأحسه منها .. واختار الله له وأهله أن يكروا شقة في أحد العمائر الخاوية .. غادرها أهلها إلى منازل الاصطياف هربا من ضجة المعامع .. ودموية الخطوب .. كلٌ يلقي باللائمة على ولده ..

ولم تكن نورة .. وقد حباها الله من خيال .. أن تدع الأمور تجري .. ولا تحسب العواقب .. وتقدر النوائب .. تخيلت وليدها تحضنه الملاجئ .. رث الثياب .. مجهولة هويته .. (يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب) .. وقد وئدت طفولته بين دموع وآهات ..

هكذا صوّر لها قلبها .. وهي أم .. ولئن أنساها وجْدُها وليدَها .. وتقمصت ثيابها العذراء .. إذا بها تجادل السماء .. وتعشق الضياء .. وتنتظر .. وعندها ألف أمل .. في النصر والبلاء .. في النصر والنجاء ..

ترى أيهما يربح ؟؟ .. آمالها العذراء ؟؟ .. أم خوفها الأمّيّ والبكاء ؟؟ .. لعلنا نعرف قريبا ..

عبد الرؤوف عبد المجيد النجولي

مصر

كلية طب جامعة المنصورة

19 سنة

تنبيه:لن يتم قبول التعليقات التي بغير اللغة العربية أو الانجليزية**
أضف تعليق
الاسم
البريد الالكترونى

*فقط من أجل التواصل ولن يتم عرضه بالموقع.
عنوان التعليق
التعليق

*الحد الأقصى للتعليق هو 750 حرف.

تعليقات الزوار

--- أضف تعليق ---
طباعة المقال
إرسال المقال لصديق
متصفح ملفات اﻷكروبات
متصفح ملفات اﻷوفيس
   كرسي في جنينة الوطن(3)
   كرسي في جنينة الوطن(1)
جميع حقوق النشر محفوظة   Amrkhaled.net   1427 ©     هجرية     Managed By: ZADSolutions
برعاية