|
(1)
كانت
الشمس قد غابت .. عندما جلس العم
(كمال) أمام المتجر الصغير
بالضاحية .. ودونه الأرفف حوت جلّ -ما لم يكن كل- ما
تقتضيه أعمال المطبخ .. وقد
أسند رأسه إلى راحته .. وراح يرمق الشارع عبر نظاراته
السميكة .. وبين الفينة
والفينة يزيح القلنسوة عن رأسه يحكه ويطلق تنهيدة كمراهقة
إذ تطرق أذنيه كلمات
الأغنية في المذياع ..
(أنا
وحبيبي في جنينة .. الورد خيم
علينا)
-يا
سلام .. يا ريتها بترجع
..
-ولك
مين هايدي اللي يا ريتها بترجع معلم
؟
سأله
الصبي ينضد البضاعة في الواجهة
.. ويبدو من مظهره الرث أنه
يعمل لديه
..
-و
انت شو دخلك ؟! .. ولاه .. شو عم تساوي
انت ؟! .. جيبها لهون ..
ياللا .. ما تعطلنا .. هه
..
-أمرك
معلم ..
كانت
عينا التاجر الشيخ عالقتين بالسماء
الليلية الخضراء أثر الوهج
في المصابيح .. وفيها من الطيور الغوادي الشيء الكثير
..
(جل
من سوّاك يا
عمري)
-الله
.. الله يزيدك
..
وابتلع
العم لسانه .. وبرقت عيناه
الرماديتان
..
يبدو
أنه قد رفع عقيرته فوق المطلوب
.. فأفزع الصبي
..
-وله
.. شو بك ؟! .. لك انت شفت شي عفريت
؟!
غض
الصغير طرفه .. واحتسب عقل الشيخ عند
الله
..
-مسا
الخير معلم
..
-أهلا
وسهلا سيدي .. اتفضل .. كاسة شاي
وصاندويشه للإستاذ يا وله
..
واستدني
التاجر كرسيا .. وأجلس الرجل الذي
بدا من سمته زبونا محبوبا
.. بل قريبا للتاجر
..
انطلق
الصغير مهمهما
..
-يقبرني
الشاي والصاندويشات تبعكن
..
-شو
عم تحكي وله ؟؟
-ولا
شي سيدي .. هلأ باروح ع القهوة
..
واتجه
بحديثه إلى الرجل
..
-أهلين
إستاذ (أديب) .. أشرقت الأنوار
..
-أهلين
معلم .. تكرم لي عينك
..
-دخيلك
يالله .. ما قلت لي شو آخر الاخبار
..
لك الله فرجها ؟؟
-امممم
.. يعني ما فرجها فرجها .. بدو
يفرجها
!
ضحك
التاجر
..
-أخي
.. باقصد يعني الخانوم تبعك
-إيوه
.. الحمد لله .. الدكتور كتب لها ع
دوا .. بكره بكير بروح ع
بيروت تا جيبه
..
-وليش
ع بيروت ؟! .. لك ما في شي دوا هون
بالضاحية ؟!
-للأسف
.. بيقولوا إنو شاحح شوي .. إن شا
الله بكره باروح .. لأنو
هلأ الدنيا المسا
..
وصل
الغلام
-الشاي
معلم .. وهاي الصاندويشه كرامة
لعيون الإستاذ
..
-تكرم
لي عينك حبيبي
..
(2)
-إصبحي بالخير نورة ..
فتحت السيدة المسجاة عيونها ..
-أهلين إمي ..
اقتربت العجوز من السرير .. وجلست دون
ابنتها المريضة الشحوب .. وراحت تمسد شعرها العرق ..
وتتحس بطنها البارزة ..
-سلامتك حبيبتي .. لك شو صار
فيك؟!
-الله يسلمك يا إمي .. ما في شي
.. الدكتور قال إنو فيني أضل هيك بالسرير كام يوم ..
وكتب لي ع دوا ..
-أما قلت لك أنا ..
الحمل الأول هيك بيكون ؟! .. ولك فين أديب نورة ؟!
..
-أديب راح ع بيروت تا يجيب الدوا
..
-يستر علينا وعليه !
-لك إمي شو صار
؟!
-ولا شي ..
ودمعت عينا العجوز بدموع زجاجية سخينة
..
-دخيلك يا إمي .. قولي لي شو صار
؟!
نظرت الأم في عيون ابنتها الوجلة
..
-بيقولوا القصف بلّش ع بيروت ..
-قصف ! .. أنو قصف ؟! ..
-إسرائيل .. الله بياخدها ..
صرفت السيدة المسجاة عيونها إلى
الحائط الكلسي أمامها في صمت .. وكأن ثمة شيء يختمر
برأسها ..
(3)
مع المغيب
عاد (أديب) .. كان باديا عليه التعب .. في عرقه اللؤلؤي ..
ووجهه المحمر كحبة
بندورة ..
-أديب! .. الحمد لله ع سلامتك ..
كيفك حبيبي ؟؟
اجتاز أديب باب الدار
إلى البهو الصغير .. وراح يقرأ في الجدران القديمة
المتكلسة أياما تعيد نفسها اليوم ..
بدا واجما حزينا .. وكأن الدنيا كلها تبكي في صدره
..
-حبيبي .. شو بك ؟! .. قل لي .. إنت
بخير ؟؟
-ومن وين راح ييجي الخير يا
إمي؟! .. المتل بيقول (إذا كان جارك بخير إنت بخير) ..
ولك إلا هالجار الصهيوني .. بنضل
نشرب المر هيك إذا بعدو بخير ..
ربتت الزوجة الحبلى المهيض جناحها بمرضها على كتف زوجها
المهموم .. ولم تك لتقوى هي على
ألم جديد ..
وسادت
فترة صمت ..
-قل لي أديب .. لقيت الدوا
؟؟
-إيه .. هادا هو .. بتاخديه مرتين
باليوم .. مرة الصبح .. ومرة المسا
..
-تكرم لي .. وتسلم هالإيدين ..
وعاد الصمت مرة أخرى ..
-نورة .. نحنا بنضلنا هون تا نموت
!
-أديب .. شو ها الحكي ؟!
-هيك بقول .. ومن هلق ورايح بصير
اللي بقول عليه .. سمعانه ؟؟
عبد
الرؤوف عبد المجيد النجولي
مصر
19 سنة
كلية طب جامعة المنصورة
|