|
كنت أسابق دوماً أخي
للفوز بما تحمله لنا
جدتي
عند عودتها من
السوق
حاملة قرطاساً من
الورق البني
وكنّا ندرك
تماماً ما به
كان يحمل بين
طياته
ثمرات التوت
بألوانه
الرقيقة
ما بين أبيض مُشرب
بخضرة
ووردي
رقيق
وقاني يصبغ جدران
القرطاس
كنت دوماً أفضل
التوت القاني
وكان أخي
ينافسني في ذلك
يوماً
ما
منذ أكثر من 20
عاماً
كانت ما زلت في
العاشرة
عندما صحبنا والدي
إلي بلدته شمال البلاد
حيث
تشتهر
البلدة بزراعة الفواكه
وهناك التقيت بشجرة التوت الجميلة
شجرة ضخمة
فروعها شتى
تحمل من ثمار التوت الكثير
شجرة كريمة حقاً
تنثر ثمارها في كل مكان
فترى الأرض كذلك قد اصطبغت
بألوانه
وما أن تغفل عني
عين أمي قليلاً
حتى أركض
إلي منبت الشجرة
فأجمع
التوت
الملون
بين أطراف
ردائي
وأذهب به قرب ماكينة
رفع المياه
عند حافة
القناية ذات الحواف الخرسانية
لاغسل الثمرات القليلة
تغوص قدمي في مياه القناية الصافية
أداعب المياه بأطراف ردائي
حتي انتبه إلي صوت نقيق يأتي من
خلفي
أعود إليه
بناظري
إنه ضفدع الطين
الجميل
لا أدري لماذا
يخافه بقية الأطفال
لماذا
لا يرونه
بعيني
أقترب منه
أكثر
علّي أستطيع
حمله
مع حبات
التوت
فأجدني قد خرجت خارج
حدود القناية الخرسانية
وغاصت قدمي في الطين
يا إلهي سوف تقتلني أمي
بعد أن اصطبغت ملابسي بألوان التوت
وطين القناية
ينتبه إلي الضفدع فيهرب
بعيداً
لا
أنتظر
أريد أن أسمع بقية
معزوفتك
انتظر لم ننتهي
بعد
لا أدري لماذا تكره
أمي
ألوان التوت على
ملابسي
أو ملمس الطين
الناعم على قدمي
فتلك
ألوان
طبيعة بلادي
فقليل
من الماء
قد يذهب بكل هذا
ولكن يبقى في القلب
عشقاً وجنوناً
بتراب
تلك البلاد
يبقى داخلك
هوية متأصلة في أعماقك
صبغتها ألوان التوت
وشكلها ملمس الطمي الناعم
هكذا عرفت بلادي
بعد بلوغي
صحيح في
الطفولة لم أدرك ذلك
ولكن
تلك
الألوان المجردة
تلك
الصور
الملونة
هي مَنْ نحتت
شخصيتي المصرية
هي مَنْ
علمتني كيف نستطيع الحياة
ونحن مختلفين
نستطيع أن نتنوع على نفس الأرض
مثلما طرحت لنا نفس شجرة
التوت
ألواناً
مختلفة
استطعت أن
أدرك
أن أنغام الضفدع
الرقيقة
هي نتاج حريته على
أرضه
ولن تستطيع الحصول
عليها
إن
أسرته
تعلمت أن أكون في
لين الطين
مع ما يقابلني
من صعوبات
أستطيع التشكل
بمرونة فائقة
ليكون
النواتج دائماً مختلفة
دائماً راقية الحس
لا تقلقي يا أمي من مظهري الآن
ففي الغد ستدركين أن في
ذلك
تكون هويتي
وصفاء شخصيتي
هكذا فقط يا
أمي
أعلم ما هي بلادي
ما هي مصر
كي يكون لها حبي وفؤادي
يارا عثمان حسن
مهندسة معمارية
مصر
|