|
حوارات عمرو خالد " لكل الناس "
حوار أجراه أ. عصام الغازي
مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ 03/8/2006
يواصل الداعية
عمرو خالد سرده لوقائع ما جرى في أحد، التي جرح فيها النبيّ " صلى الله عليه وسلم "
في وجهه جراحاً بليغة وسقط فيها الشهداء الأبطال من الصحابة الذين افتدوا النبيّ
بأرواحهم بينما كان الكفار يتكاثرون من حوله و يحاصرونه وآخر هؤلاء الشهداء هو حمزة
عم النبيّ.
يقول عمرو خالد:
أدرك النبيّ "
صلى الله عليه وسلم " أن المعركة غير متكافئة بينه وبين الكفار، وكان عليه أن يغير
استراتيجيته، بأن يسحب جيشه بعيداً ويوقف المعركة دون أن تهزمه قريش. فأخذ يصيح
بالصحابة: الجبل، الجبل.
خوف قاتل حمزة!
في ظل جبل
الرماة استشهد أسد الإسلام وسيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب وكان حمزة قد توجه إلى
خالد بن الوليد الذي حاول السيطرة على جبل الرماة، ومعه مجموعة من المشركين رابضة
لحماية الجبل، فاشتبك معهم حمزة وأعمل فيهم القتل، يريد أن يتم سيطرته على الجبل
لأنّ النبيّ يقاتل ومعه عشرون صحابياً فقط.
وكان " وحشيّ "
أحد العبيد الكفار يختبئ لحمزة وراء إحدى الصخور في زاوية ضيقة بالجبل، وقد حرضته
هند بنت عتبة زوجة أبى سفيان على قتل حمزة ووعدته بالعتق من العبودية، فحمزة قتل
أباها وشقيقها في غزوة بدر .. وكان وحشيّ ماهراً في ضرب الحراب، فانتهز فرصة إعطاء
حمزة ظهره له.
ويقول وحشيّ:
فهززت حربتي حتى رضيت عنها ثم أطلقتها فوقعت في ظهر حمزة وخرجت من بين أحشائه،
فالتفت حمزة إليّ ونظر إليّ نظرة عرف منها أنني قاتله، فتحرك نحوي وهو ينظر إليّ،
وظلّ يجري نحوي.. ومن خشيتي منه ومن نظرة عينيه، ما استطعت أن أتحرك من مكاني، حتى
إذا اقترب مني، غلبه جرحه فسقط في مكانه.
معجزة جثمان حمزة!
ويهرول وحشيّ
إلى هند بنت عتبة ويقول لها: قتلته .. قتلته، فتأتي فرحة ومعها خنجر تشق به بطن
حمزة، وتلوكه بين فكيها، ويأتي زوجها أبو سفيان فرحاً، ومعه أحد الكفار الذي يفتح
فم حمزة بحربته ويغرسها داخل فمه.
ويأتي النبيّ "
صلى الله عليه وسلم " فيقف أمامه وينتحب، ويدفن حمزة في المكان ذاته، ثم يأتي سيل
بعد 40 عاماً من وفاته على المدينة، فيأمر أمير المدينة بأن تحمل جثث شهداء أحد إلى
مقبرتهم الحالية، وقد وجدوا جثة حمزة بلا أي تغير في معالمها. ووجدوا جرحه كما هو
وكأنه استشهد للتوّ واللحظة، ويحمل سيد الشهداء بعد 40 سنة إلى مستقره الأخير مع
رفاقه السبعين.
وكان النبيّ "
صلى الله عليه وسلم " يزورهم كل يوم سبت ويقول: السلام عليكم يا شهداء أحد، أنتم
السابقون، ونحن اللاحقون ..السلام عليك يا حمزة السلام عليك يا أنس بن النضر،
السلام عليك يا عبد الله بن حرام .. السلام عليك يا مصعب بن عمير.
الصعود فوق ظهر طلحة
صعد جيش
المسلمين من الصحابة جبل الرماة من أضيق مكان فيه، ومن قمته راح النبيّ وجيشه
يراقبون جيش المشركين، وأدركت قريش أن جيش المسلمين بدأ يتجمع.
خلال صعود
النبيّ الجبل أحسّ بتعبٍ شديدٍ فكان طلحة ينام على بطنه ويتسلق النبيّ الصخور
صعوداً فوق ظهر طلحة، ثم يسبقه طلحه ليعاود تسلق الصخور فوق ظهره، حتى يصل إلى قمة
الجبل.
في سفح الجبل
وقف أبو سفيان لتقع معركة كلامية، يقول أبو سفيان صائحاً: اعل هبل ..
فلا يرد
الصحابة: فيقول لهم النبيّ: أفلا تجيبون؟
فيقولون: وبماذا
نرد يا رسول الله؟
قال لهم: الله
أعلى وأجلّ. فقالوا: الله أعلى وأجلّ.
فقال لهم أبو
سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم.
فقال النبيّ:
أفلا تجيبوه؟ قالوا: وبما نجيب يا رسول الله؟
قال: قولوا الله
مولانا ولا مولى لكم.
فقال أبو سفيان:
يوم بيوم بدر.
قال النبيّ:
أفلا تجيبوه؟ قالوا: وبما نجيب يا رسول الله؟
قال: قولوا: لا
سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.
فصاح كل الجبل:
لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.
وكان أبو سفيان
يظن أن النبيّ قتل، فحين سمع هذا الكلام قال: أشهد أنّ محمداً وأبا بكرٍ وعمر أحياء
وينسحب أبو سفيان ومعه جيش قريش ولم تنته المعركة بهزيمة جيش المسلمين، لكنها لم
تنته أيضاً بانتصار المسلمين.
لماذا لم تنزل الملائكة؟
وعادت
قريش إلى مكة، وينزل النبيّ " صلى الله عليه وسلم " من الجبل ومعه الصحابة في حالة
حزنٍ وانكسار، فتنزل آيات الله: " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن
كنتم مؤمنين ".
ويتساءل الناس: لماذا لم تنزل الملائكة في أحد؟
فيرد
الله عليهم بآياته: " وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من
عند الله ".
ويقول
تعالى:" فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف
عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر " – آلــ عمران – 159.
ويقول
للصحابة: " لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم ".
ويقول
تعالى : " إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم
الشيطان ببعض ما كسبوا ".
الدرس
المستخلص من غزوة أحد:
-
عدم عصيان أوامر النبيّ " صلى الله عليه وسلم ".
-
والتضحية
في سبيل الله والرسالة.
ما بعد
أحد
كان
العام الرابع من البعثة معاناة بسبب 40 رجلاً عصوا أوامر النبيّ في غزوة أحد التي
مات فيها 70 صحابياً. قالت القبائل أثناء عودة الجيش إلى المدينة إن هيبة المسلمين
اهتزت، وبدأت تنقض معاهداتها مع النبيّ وتعود إلى التحالف مع قريش في خوض معركةٍ
جديدةٍ لهزيمة جيش المسلمين، وظنّ يهود المدينة ومنافقوها أنّ الفرصة أصبحت مواتيةً
لتصفية الإسلام.
أما الصحابة فعاشوا إحباطاً نفسياً شديداً، وظهرت أفكار تشكيكية جديدة، إذ يقول
المنافقون للمسلمين: أتعرفون ما سبب هزيمتكم، أنكم غير مؤهلين للشورى. والشورى كانت
فكراً جديداً على القبائل، فالسائد هو طاعة رئيس القبيلة وتنفيذ أوامره دون مناقشة،
لهذا كان يؤرق العرب هذا النظام الجديد الذى دعا إليه النبيّ..
(لذا فقد كان هذا النظام الجديد الذي دعا إليه النبي يؤرق العرب)
وهو
نظام لم يكن موجودًا في العالم آنذاك، وهو النظام نفسه الذي تتشدق به أوروبا
وأمريكا اليوم تحت مسمى الديمقراطية. فقالوا للمسلمين: أنتم لا تفهمون شيئاً ولا
ينبغي أخذ مشورتكم.
حرب التشكيك
وصدق
بعض الصحابة هذه المقولة، فقالوا إن الشورى كانت خطأ، وكان ينبغي طاعة أوامر
النبيّ، وقال آخرون: كيف نهزم والنبيّ معنا. وقال المنافقون: كيف تنكسر أسنان محمد
وهو نبيّ؟ وتساءل الصحابة: أين الملائكة؟ أينزلون في بدر ونحن منتصرون ولا ينزلون
في أحد ونحن بحاجةٍ إليهم!
واشتدّ
حزن النبيّ، فنزلت سورة آل عمران: " وشاورهم في الأمر ".. أن تأخذ رأي الناس هذا
ليس اختياراً، بل هو مبدأ أما لماذا هزم المسلمون؟ تنزل الآية الكريمة:" وما جعلناه
إلا بشرى ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله". ويعالج القرآن الكريم
الإحباط عند الصحابة: " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ". "
إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس".. " إن
تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ".
كان
النبيّ "صلى الله عليه وسلم" يفكر ليلة عودته إلى المدينة في كيفية استرداد الهيبة،
وكيف يكسر عند المشركين إحساس أنهم حققوا نصراً، وكيف يكسر عند قريش إحساس أنهم
يمكن أن يعاودوا الهجوم على المسلمين.
والنبيّ عند عودته لم يستطع مواصلة المسير إلى المدينة مباشرة، فصلى العصر في مسجد
المستراح، وعاد ليفاجئ الصحابة بقرار.
حرب نفسية ضد قريش
علم
النبيّ أن قريشاً سوف تستريح ليلتين على بعد ثمانية أميال، فقرر أن ينغص عليهم
إحساسهم بالانتصار، وأراد في الوقت نفسه رفع الروح المعنوية للمسلمين واسترداد
هيبتهم.
بعد
صلاة الفجر وقف بين المسلمين ليقول: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإني خارج
الآن لملقاة قريش ولا يخرج معي إلا من خرج بالأمس".
كان
يعرف أن قريشاً لن تحارب، وهو أيضا لن يحارب، ولم يعترض أيّ فرد على قراره، حتى
الجرحى حملوهم معهم. ويخرج الجيش ويصل إلى حمراء الأسد على بعد 8 أميال وتفاجأ
قريش، فيقرر أبو سفيان إرسال فرد من المشركين لتخويف النبيّ فيقول له: يا محمد ما
الذي جاء بك؟ قريش قد لبست جلود النمور ويستعدون لقتالكم، فيقول له النبيّ: أعد ما
قلت أمام الناس.
فيعيد،
ثم يقول النبيّ للمسلمين، وهو ينظر إليهم، قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فيصرخ
الجيش مدمدماً: حسبنا الله ونعم الوكيل. وينزل قول الله تبارك وتعالى:" الذين قال
لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم
الوكيل، فانقلبوا بنعمةٍ من الله و فضلٍ لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله". ويعود
الرجل إلى أبي سفيان: ويستدعى النبيّ رجلاً من قبيلة خزاعة المشركة كان قد أسلم
وطلب منه النبيّ كتم إيمانه، وكان اسم الرجل معبد بن أبي معبد، قال له النبيّ: اذهب
إلى أبى سفيان لتخويفه، فقال له: يا أبا سفيان إنّ القوم يتحرقون عليكم تحرقاً وقد
جمعوا لكم أضعاف ما جاؤوكم به أمس .. فقال أبو سفيان: والله لا أرى إلا أن نرتحل.
وأخذ جيشه ومضى، وأربكت مبادرة النبيّ النفسية تفكير قريش. وكانت هذه مجموعة حمراء
الأسد، ويعود النبيّ والصحابة إلى المدينة، لكن المكائد ظلت تعدّ.
مكافأة عبد الله
كان
هناك رجل اسمه خالد بن سفيان بدأ يجمع قبائل شمال المدينة وراح يحرضهم على غزو
المدينة لطرد محمد وصحابته طمعاً في زعامة العرب. وكان خالد بن سفيان شديد الكفر
كأنه شيطان جهز جيشه واستعد لمهاجمة المدينة، وكان النبيّ لا يريد الدخول في معارك
جانبية ليتفرغ لقريش حيث كانت عيناه على مكة، فأتى النبيّ بعبد الله بن أنيس – من
الصحابة – وأرسله لجيش خالد بن سفيان وطلب منه قتل خالد والعودة إلى المدينة، فقال
عبد الله للنبيّ: صفه يا رسول الله؟ قال " صلى الله عليه وسلم" إذا رأيته تذكرت
الشيطان وستجد بنفسك قشعريرة. يقول عبد الله فخرجت حتى وصلت، فإذا بالجيش قد تحرك
وتجهز، يقول: فوقفت بين الناس ثم تقدمت أحمسهم وأقول في النبيّ ما أقول، كأني أشدهم
تحركاً وغضباً على النبيّ " صلى الله عليه وسلم ". وكان قد استأذن النبيّ في ذلك –
فأعجب به خالد بن سفيان... يقول: نظرت في وجهه وقلت صدقت يا رسول الله، فجئت إليه
وكنت بجواره، فقال لي: من الرجل؟ فقلت له: رجل يحمل من الكراهية لمحمد أشدّ مما
تحمل ففرح بي، يقول: حتى قبلني حارساً له، فكنت أصلي برأسي حتى لا أكشف. حتى تمكنت
منه فقتلته في خيمته، فصرخت النساء لما سمعن صوته، فخرجت فاختبأت ثلاث ليالٍ في
الجبال لا آكل إلا ورق الشجر .. واختبأت واختبأت حتى اقتربت وعدت إلى المدينة
سليماً والحمد لله، وتفرق جيش خالد بن سفيان.
يقول
عبد الله بن أنيس: رجعت والنبيّ ينظر إليّ من بعيد قلقاً، قال لي النبيّ: أأفلح
الوجه؟ فقلت: نعم يا رسول، فعلتها يا رسول الله، فقال: الله أكبر تعال يا عبد الله.
فجئت
إلى النبيّ " صلى الله عليه وسلم " قال: إني سأكافئك، فقلت بم يا رسول؟ فقال
انتظرني حتى آتيك، فدخل النبيّ " صلى الله عليه وسلم " بيته ثم خرج وأعطاني عصا
وقال خذها يا عبد الله. فقلت: أهذه المكافأة يا رسول الله؟ فقال النبيّ: خذ هذه يا
عبد الله ردها إلى يوم القيامة أدخلك بها الجنة.
يقول
عبد الله بن أنيس: والله ما فرحت بشيء كفرحتي بهذه العصا، والله ما تغادر يدي العصا
ولا أخرج من بيتي وأتركها. وإنها في يدي فإذا نمت وبتّ في فراشي آخذها في صدري،
ولقد أمرت أن تدفن معي في قبري حتى إذا قامت القيامة وخرجت من مقامي من قبري، آتي
إلى النبيّ " صلى الله عليه وسلم " : وأقول له: العصا يا رسول الله فأدخلني الجنة.
ويستمر التربص بالنبيّ.
www.amrkhaled.net
|