|
كان
جمال الدين الأفغاني [ 1254-1314هـ 1838 -1897 ] واحداً من أئمة الإسلام , الذين
تنازعتهم كل أوطان عالم الإسلام , لأنهم عاشوا وجاهدوا في سبيل " دار الإسلام " كل
دار الإسلام , فكانو ثورة على المعنى الضيق للوطن والجنسية والإقليم , وكان واحداً
من أئمة الإسلام الذين ارتفع بهم الاجتهاد , والإيمان بوحدة الأمة , والوعي
بالتحديات الشرسة التي تهدد وجودها , عن ضيق المذهبية وأغلال التعصب المذهبي ,
فتنازعت شرف انتسابه إليها كل مذاهب الأمة , بينما ظل هو العقل الجامع لعناصر
الوحدة الإسلامية , والطاقة الخلاقة ليقظة الشرق , كل الشرق , بكل ما فيه من ملل
ونحل ومذاهب وأقوام .. لذلك , تنازعت المذاهب والأوطان جمال الدين افغاني , كما
تنازعت الفرق و المذاهب الإمام الحسن البصري [ 21 110هـ 642 – 728 م] الذي تتلمذ
على كل أئمة عصره , وخرجت من تحت عباءته كل مدارس ومذاهب وتيارات وثورات ذلك العصر
, وازدانت باسمه وبترجمته كل كتب الطبقات التي ترجمت لأئمة كل المذاهب والتيارات !
وإذا
كان ما كتبه جمال الدين الأفغاني عن تاريخ بلاد الأفغان – [ تتمة البيان في تاريخ
الأفغان ] – هو أقدم ما حفظ لنا التاريخ من تراثه الفكري .. وإذا كانت أماليه على
محمد باشا المخزومي ب 1285 – 1348 هـ 1868 -1930 م] – [ خاطرات جمال الدين الأفغاني
] – هي آخر أماليه – في الأستانة – حيث انتهى به العمر و المطاف – فإن إبداعه
الفكري و العملي قد غطى سائر بلاد عالم الإسلام ..من الهند .. إلى مصر .. إلى
إيران .. إلى العراق .. إلى الأستانة .. إلى روسيا .. إلى الحجاز .. إلى أفغانستان
.. إلى السودان .. وحتى إلى لندن .. وباريس ..
ولهذه
العالمية – التي جسدت عالمية الإسلام – أجاد جمال الدين الأفغاني من اللغات , غير
العربية و الفارسية و الأفغانية : التركية و الفرنسية , مع إلمامه بالانجليزية و
الروسية..
ومع
هذه العالمية , كانت السنوات العشر التي عاشها الأفغاني بمصر ب 1288 – 1296 هـ 1869
-1879م ] هي أخصب السنوات في تاريخ إنجازاتها الفكرية و السياسية .. ففيها ربى نخبة
من العقول التي جددت فكر الإسلام وحياة المسلمين , وفي مقدمتهم الأستاذ الإمام
الشيخ محمد عبده [ 1265 -1323 هـ 1849 -1905 م ] .. وفيها شرح من كتب الفلسفة وعلم
الكلام والمنطق والعرفان ما أعاد للحياة الفكرية قسمة العقلانية الممزوجة باللطائف
القلبية والوجدانية , تلك التي غابت عن الثقافة الإسلامية منذ عصر التراجع الحضاري
للمسلمين ..
ولقد
نشأت - على يدي جمال الدين الأفغاني , بمصر – مدرسة في الصحافة – الأهلية الحرة –
غير الحكومية – وتيار شعبي لمعارضة الاستبداد الداخلي , وللثورة على النفوذ الأجنبي
الاستعماري – الاقتصادي والسياسي والعسكري و الفكري – الزاحف على ديار الإسلام ..
وكانت
للأفغاني – وهو الذي بلغ الذروة في البلاغة العربية – ريادة تجديد أساليب التعبير
والتحرير للعربية – لسان الإسلام والقرآن – وتحريرها من ركاكة وسجع عصر التراجع
الحضاري .. كما عرفت مصر والشرق على يدي الأفغاني , أول التنظيمات الحزبية السياسية
( الحزب الوطني الحر ) في تلك الفترة المبكرة من حياة و نشأة الأحزاب والجمعيات ..
لقد كانت حياته مشروعاً لإحياء الأمة .. والبعث الجديد لحضارة الإسلام .
|