|
حوارات عمرو خالد " لكل الناس "
حوار أجراه أ. عصام الغازي مع الأستاذ عمرو خالد
لمجلة كل الناس بتاريخ 27/9/2006
وبدأت حرب السياسة.
لقاءات الرسول صلى الله عليه وسلم مع وفد المدينة والوفود التي تأتي إلى مكة للحج،
تجلت فيها عبقريته السياسية : في اختيار المواقع .. في أسلوب الدعوة .. في
توقيتاتها .. كما تجلت في بيعة العقبة الكبرى .. أخطر اجتماع في تاريخ الإسلام.
في بيعة العقبة الكبرى :
كثيرة هي المعان الرائعة التي تجسدت في هذا اللقاء .. لعل من أهمها، حرص الرسول صلى
الله عليه وسلم على " تمثيل" المرأة باثنتين، مؤكداً دورها الحيوي والمهم في نشر
الدعوة .. وتثبيت دعائم الدعوة الإسلامية.
مع الداعية عمرو خالد تعرف كيف كان أنصار المدينة قوة كبيرة لنصرة الإسلام.
انتشار الإسلام بالمدينة
بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يعد العدة للهجرة واتصل بالقبائل فرفضت 26 قبيلة
الدخول في الإسلام وحماية النبي. ثم التقى بستة من شبان الخزرج تأهلوا لقبول
الرسالة، لأن يهود المدينة رددوا كثيراً على مسامعهم أن نبي آخر الزمان اقترب، وقد
سئموا من الحرب المستعرة بين الأوس والخزرج مدة خمس سنوات، وتطلعوا إلى أمل جديد
ينقذهم من أتون هذه الحرب. كان ذلك في سنة 10 من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم،
ورأى الشباب أن الدين الجديد هو للأوس والخزرج معاً. وكان أسعد بن زرارة – 21 سنة
سنة - هو كبير الشبان الستة. وعاد إلى مكة في السنة التالية اثنا عشر شاباً، أربعة
منهم من الأوس. أسلم سعد بن معاذ سيد الأوس وأسلم أسيد بن حضير من الأوس، ولم يعد
هناك بيت في المدينة إلا وبه مسلم أو مسلمة .. وانتشر الإسلام.
في سنة 12 من البعثة اتفق النبي صلى الله عليه وسلم مع مصعب بن عمير – أول سفير في
الإسلام – بأن يصطحب معه وفداً كبيراً من مسلمي المدينة، يأتون للقائه في مكة في
موسم الحج.
وجاء (75 مسلماً) من الأنصار إلى مكة للاجتماع بالنبي صلى الله عليه وسلم، لكنهم
جاءوا ضمن وفد المدينة من الكفار للحج، حتى يفوتوا على قريش فرصة الانقضاض عليهم.
وخلال الرحلة أسلم ثلاثة من الكفار انبهاراً بأخلاق المسلمين في وفد المدينة. هؤلاء
الثلاثة منهم : رئيس وفد الحجيج البراء بن معرور وهو رجل تجاوز السبعين من العمر،
وعبد الله بن عمرو بن حرام من سادة يثرب.
بعد وصولهم التقى النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير، الذي أطلعه على الوضع في
المدينة اجتماعياً ومالياً وعسكرياً وأوضاع اليهود هناك .. وطلب النبي من مصعب بن
عمير لقاء رئيس وفد المدينة للحج، فالتقى البراء بن معرور ومعه سعد بن مالك إعلامي
وفد الحج، وكان شاعراً معروفاً.
صافح النبي صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور، ثم قام مصعب بن عمير بتعريف النبي
بالرجل الآخر، فقال له: وهذا يا رسول الله سعد بن مالك. فيقول النبي: الشاعر؟ وتهلل
وجهه فرحاً بلقاء هذا الشاعر. لماذا؟ نسمع هذه القصة: جاء أعرابي من المدينة يسأل
النبي عن الصلاة، فقال له النبي ركعتان في الصباح وأربع ركعات ظهراً وأربع ركعات
عصراً وثلاث ركعات في المغرب ثم أربع ركعات في العشاء. ولم يفهم الأعرابي، فأعادها
النبي عدة مرات ولم يفهم الأعرابي، ثم جاء سعد بن مالك وقال: دعني يا رسول الله
أقولها له بالشعر ليفهمها... فقال سعد للأعرابي:
الصلاة أربع فأربع ثم ثلاث يتبعها أربع
ثم صلاة الصبح لا تضيع
فقال الرجل: حفظتها.
قال النبي عند مصافحة سعد بن مالك:
الشاعر؟ فقال: نعم يا رسول الله. فسلم عليه النبي وابتسم واستبشر بذلك.
أغلى لقاء
قام مصعب بن عمير بترتيب لقاء النبي بوفد يثرب من المسلمين، بناء على خطة الرسول.
يقابلهم آخر يوم في منى. فوفود الحجيج ستغادر منى في اليوم التالي، ولو أنه التقى
بالوفد مبكراً فسينشر الخبر. وحدد النبي منتصف الليل موعداً للقاء. وحدد موقع
العقبة مكاناً للقاء. لماذا؟ لأنه إذا شك أحد من قريش فيما يحدث، فسيقول أنهم يرمون
الجمرات قبل المغادرة .. ثم حدد النبي عدة شروط:
في هذه الليلة على وفد المسلمين أن يبت ليلته في خيام يثرب، ليكون الوضع طبيعياً،
وألا يقوم أحد بإيقاظ الآخر. وأن يأتي الوفد في ثنائيات وليس جماعات. هذا الاجتماع
لم يحضره أبو بكر وعمر بن الخطاب، فقد كانا واقفين على رأس الجبال لمراقبة المكان.
يحكي أفراد الوفد فيقولون: خرجنا في هذه الليلة نتسلل تسلل القطا " طائر يقفز على
قدم واحدة" حتى توافينا عند المكان. ذهبنا ولم يأت النبي. كان هذا أخطر اجتماع في
تاريخ الصحابة. قال عنه من حضروه: " هذا اليوم أغلى عندنا من غزوة بدر".
النبي آخر من هاجر من مكة إلى المدينة ليطمئن على سلامة المهاجرين
فلولا هذا اليوم ما كانت غزوة بدر، ولا كان فتح مكة، ولا كانت إقامة دولة الإسلام
في المدينة. هو يوم مفصلي في تاريخ المسلمين.
يقول كعب بن مالك: والله إن بدراً أشهر بين الناس من بيعة العقبة، لكن العقبة أغلى
عندنا نحن الأنصار.
تمثيل النساء
ال75 مسلماً من المدينة كان بينهم سيدتان. وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم اختصار
عدد النساء نظراً لخطورة الموقف، لكنه أصر على وجود اثنتين لتمثيل النساء، هما
نسيبة بنت كعب، وأسماء بنت عمرو. وحضر البراء بن معرور ومصعب بن عمير وسعد بن
زرارة، والأخير أول من أسلم من الأنصار، وقد مات وعمره 25 عاماً، أي بعد عامين من
هذه البيعة.
بعد اكتمال ال 75 مسلماً الذين يمثلون وفد مسلمي المدينة، جاء النبي صلى الله عليه
وسلم وكان معه عمه العباس، الذي حل محل أبي طالب – رغم أنه لم يكن مسلماً – في
حماية النبي ... وكانت هذه رسالة للأنصار مفادها أن عائلته تحميه.
الشروط الخمسة للمبايعة
يدخل النبي إلى الاجتماع التاريخي، وجلسوا جميعاً .. وافتتح العباس الاجتماع
قائلاً: يا معشر الأوس والخزرج قد علمنا بحضوركم اليوم. فاعلموا أننا بنو هاشم نحمي
محمداً إلى اليوم، فإن كنتم ترغبون في أن يأتي عندكم تتعاهدون على حمايته وإلا فنحن
قادرون على ذلك. فقال له الأنصار: قد سمعنا مقولتك يا عباس، فتكلم أنت يا رسول
الله. أطلب لنفسك ولربك يا رسول الله. فقرأ النبي القرآن وحمد الله وأثنى عليه،
ورغبهم في الإيمان. بدأ بالعاطفة قبل العقل. فهناك أناس الطريق إلى عقولهم هو
قلوبهم. ثم قال النبي :
"
تبايعونني على خمسة أشياء:
1-
تبايعونني على السمع والطاعة في المنشط والمكره.
2-
على
الإنفاق في العسر واليسر.
3-
على
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
4-
لا
تأخذكم بالله لومة لائم.
5-
تمنعونني
عندما آتي إليكم كما تمنعون نساءكم وأولادكم.. أي تحمونني كما تحمون نساءكم
وأولادكم.
فقالوا: فما لنا إن فعلنا ذلك؟ فنظر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: الجنة. وسكت.
والملاحظ أن الأنصار لم يتقلدوا أي منصب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فقادة
الجيوش الإسلامية خالد وأبو عبيدة وسعد كانوا من المهاجرين. والخلفاء الراشدون
كانوا من المهاجرين: أبو بكر وعمرو عثمان وعلي. حتى الدولة الأموية والعباسيون.
سر غضب الأنصار
الأنصار رمز في التاريخ، أعطوا كل شىء ولم يأخذوا إلا الجنة. حتى حين تدفقت الأموال
وكان النبي يوزع على قريش بالمائة ناقة وعلى المسلمين الجدد ولم يعط الأنصار شيئاً،
فأحسوا بالغضب بعد فتح مكة. وقالوا: وجد رسول الله أهله. فذهب سعد بن عبادة – من
الأنصار – إلى النبي وقال: يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار يقولون أنك وجدت
أهلك. قال: فماذا تقول أنت يا سعد؟ قال: إنما أنا رجل من أهلي. قال: يا سعد اجمع لي
الأنصار. فقال لهم النبي: يا معشر الأنصار تذكرون يوم العقبة؟ أوجدتهم في أنفسكم في
لعاعة من الدنيا ألفت بها قلوب قوم أسلموا وتركتكم إلى إيمانكم، أفلا ترضون يا معشر
الأنصار أن يعود الناس إلى بلادهم بالشاة والبعير والجمال وتعودون أنتم إلى المدينة
برسول الله؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم " لقاب قوسين في الجنة خير من الدنيا
وما فيها". وقف البراء بن معرور وقال: يا رسول الله أمدد يدك. نعم والذي بعثك بالحق
لنحميك كما نحمي أولادنا ونساءنا. أمدد يدك فنحن أهل الحرب ورثناها كابراً عن كابر،
وكان أسعد بن زرارة يجلس صامتاً وهو أصغرهم سناً.
حكاية أم سلمة زوجة
النبي، التي بكت سنة كاملة لفراقها ابنها
السباق إلى البيعة
وتحدث أبو الهيثم بن تيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين اليهود علاقات وأن
قدومك قد يعني أننا نقطعها. فهل إذا أظهرك الله وانتصرت تعود إلى قومك وتتركنا
ونكون قد قطعنا حبائلنا مع اليهود؟ فابتسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال : " بل
الدم الدم والهدم الهدم" – أي القبر القبر، ولهذا دفن النبي في المدينة وفاء للعهد
– أنا منكم وأنتم مني، أسالم من سالمتم وأحارب من حاربتم" فهاج القوم أمدد يدك
نبايعك يا رسول الله.فوقف أسعد بن زرارة يقول: يا قوم انظروا على ماذا تبايعون
الرجل؟ إنكم تبايعونه على حرب العرب والعجم والأبيض والأسود، فإن كنتم ستخذلونه
فاتركوه من الآن.
فإذا بالقوم يصيحون: أمط عنّا بيدك يا سعد - أي أبعد يدك عنّا يا سعد – ربح البيع
لا نقيل ولا نستقيل. فتقاتل القوم كلهم يريد أن يبايع أولا. كلهم يظن أن من يبايع
أولا يدخل الجنة أولا. يقول النبي صلى الله عليه وسلم:" ألا إن سلعة الله غالية . .
ألا إن سلعة الله هي الجنة". ويقول صلى الله عليه وسلم :" هل من مشمر للجنة؟".
الجنة لم تتزين لأمة مثلما تزينت لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، لكن للأسف لا تجد
لها الآن عاشقاً يخرج في ظلمة الليل ليصلي الفجر، أو يبني في مجتمعه. وقد اختلف
العلماء إلى اليوم عمن بايع اولا. هل كان البراء بن معرور أم أسعد بن زرارة؟ تقاتل
القوم على المبايعة حتى كاد البراء أن يهلك. وبعد المبايعة قال النبي: اجلسوا ..
التالي سيهاجر ثلاثمائة رجل بنسائهم وأطفالهم.
قال النبي: أخرجوا لي أثنى عشر نقيباً. فاختاروا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس،
بينهم عبد الله بن عمرو بن حرام و أسعد بن زرارة والبراء بن معرور وسعد بن معاذ
وأسيد بن حضير. فقال له النبي: أنتم كفلاء على بلدكم وأنا كفيل على قومي حتى آتيكم.
انتهى الاجتماع في ساعتين تقريباً. وإذا برجل يصرخ من فوق جبل: يا معشر قريش أدركوا
محمداً والصباه فقد اجتمعوا على حربكم. تسرب خبر الاجتماع بسبب خطأ أمني. يريد الله
أن يقول لنا إن هذه تجربة بشرية الأخطاء واردة بها. في رواية أخرى أن الشيطان هو
الذي سرّب خبر الاجتماع الخطير الذي سيؤدي لانتشار الإسلام. وهناك رواية بأن النبي
صلى الله عليه وسلم قال للصحابة: هذا الشيطان لأتفرغن له. فقال العباس بن فضلة: يا
رسول الله دعنا نميل على أهل منى بأسيافنا الليلة. فقال النبي: لا. لا نؤمر بذلك
أبداً. ارجعوا إلى رحالكم فناموا بين قومكم. ويعود ال75 مسلماً فيدخلون بهدوء
وينامون وسط رحالهم. وذهبت قريش تسأل الناس في الخيام: هل قابل أحد منكم محمداً
بالأمس؟ سألوا خيمة يثرب: هل قابل أحد منكم محمداً بالأمس؟ فرد الكفار: نقسم أننا
لم نقابله، وقد صدقوا والمسلمون يحبسون أنفاسهم.
وغادرت القبائل كلها منى بما في ذلك وفد يثرب من مسلمين وكفار، ما عدا اثنين هما
سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، أمسكت بهما قريش وأوسعتهما ضرباً. فجاء العباس وقال
لهما: أما من أحد في مكة تمر تجارته عليكم؟ قالا: نعم. قال: اصرخا بأسمائهم حتى
يأتوا لحمايتكما. فصرخا بأسمائهم، وجاء أبو سفيان فأطلق سراحهما.
خطة الهجرة
وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم يجهز للهجرة إلى المدينة. فجمع الصحابة وحكى لهم ما
جرى في اجتماع العقبة. وقال لهم: قد جعل الله داراً خير من داركم وأهلاً خير من
أهلكم، إن الله أذن لنا في الهجرة، فلنهاجر جميعاً وكان النبي آخر من هاجروا بعد أن
اطمأن على سلامة من سبقوه في الهجرة.
كانت خطة الهجرة تتضمن ثلاثة أشياء:
1-
سلامة
الخروج من مكة.
2-
تأمين
طريق السفر إلى المدينة.
3-
ضمان
الاستقرار لمن يهاجر في المدينة.
واختار النبي أقوياء يهاجرون مع ضعفاء، وأغنياء مع فقراء .. عمر بن الخطاب هاجر معه
عشرون من الفقراء. من نماذج المهاجرين من مكة إلى المدينة: أم سلمة وزوجها وابنها،
كانوا من أوائل المهاجرين، وعند خروجهم من مكة أوقفتهم عائلة أم سلمة وقالوا لأبي
سلمة: هذه نفسك غلبتنا عليها لكن هذه المسكينة ما ذنبها أن تأتي معك؟ والله لن
تخرج معك أبداً. وأخذوا أم سلمة وابنها، فهاجر الزوج وحيداً. فجاء أهله وقالوا
لزوجة ابنهم: هكذا فعل أهلك لكن والله لا نترك ابننا عندكم.فأصبح ابن أبي سلمة – 10
سنوات – يتجاذبه أهل أبيه وأهل أمه حتى خلع كتفيه. فأخذ أهل أبو سلمة. وصارت الأسرة
مفككة تقول أم سلمة: ثم قال لي أهلي أخرجي إن شئت ولن تستطعي لأن ابنك عند أهل
زوجك. فبقيت سنة كاملة تبكي حتى مر عليها رجل من أهل زوجها فوجدها تبكي، فذهب إلى
أهله وطالبهم برد ابنها إليها. فردوا إليها ابنها بعد سنة. وقد تزوجها النبي بعد
موت زوجها.
وتأخذ أم سلمة ولدها وتهاجر وحدها إلى المدينة فراراً بدينها، ولكي تلحق بزوجها.
ورافقها رجل شهم من أهل مكة حتى المدينة خشية عليها من مخاطر الطريق اسمه عثمان بن
طلحة، وهو كافر يحمل مفتاح الكعبة.
www.amrkhaled.net |