|
لأن جمال الدين الأفغاني [ 1254-1314هـ 1838 -1897 ] كان أكبر من فيلسوف .وأعظم من
مجتهد .. فلقد جمع إلى الفلسفة والاجتهاد ملكة التجديد لحياة الأمة ودنيا المسلمين
, ومن ثم كان واعياً بأن المشروع الإسلامي للنهضة لن يرى النور , ولن يكون له حظ
وافر من التطبيق والسيادة والنجاح إلا بالانتصار على العقبات الكبرى التي تحول دون
إقامة قواعد هذا المشروع .. وفي مقدمة هذه العقبات الكبرى :
§
الاستعمار الغربي – وكانت في مقدمته , يومئذ
الإمبراطورية الإنجليزية ..
§
والاستبداد الشرقي – المدعوم من الاستعمار الغربي –
والذي يشل طاقات الأمة , فيحول بينها وبين التصدي للاستعمار , وتمهيد الطريق للنهضة
الإسلامية ..
وإذا
كان الكفران بالطواغيت هو المقدمة الضرورية للإيمان بالتوحيد لله , سبحانه وتعالى ,
فإن العداء للاستعمار , والجهاد في سبيل تحرير الوطن و الأمة من كل ألوانه –
الفكرية .. والعسكرية .. والاقتصادية .. والسياسية – هو المقدمة الضرورية لإقامة
النهضة الشرقية على أساس الإسلام .. ولذلك كانت حياة الأفغاني كلها صراعاً لا هوادة
فيه ضد الاستعمار الغربي , الزاحف على أقاليم عالم الإسلام , وفي المقدمة منه –
يومئذ – الاستعمار الإنجليزي , الذي كان له نصيب الأسد في البلاد الإسلامية .. وعن
هذا الاستعمار كتب جمال الدين :
" إنه
لا توجد نفس تشعر بوجود الحكومة الإنجليزية على سطح الأرض إلا وقد مسها منهم شيء من
الضر ! .. لقد صار الإنجليز كالدودة الوحيدة , على ضعغها تفسد الصحة , وتدمر البيئة
!..
وكيف نرضى , ونحن المؤمنون , وقد كانت لنا الكلمة العليا , أن تضرب علينا الذلة
و المسكنة , وأن يستبد في ديارنا وأموالنا من لا يذهب مذهبنا , ولا يحترم شريعتنا ,
ولا يرقب فينا إلاً ولا ذمة , بل أكبر همه أن يسوق علينا جيوش الفناء حتى يخلي منا
أوطاننا ويتسخلف
فيها
بعدنا أبناء جلدته , والجالية من أمته ؟!".
ولقد خاطب الأفغاني أهل الهند – الذين يستعمر الإنجليز بلادهم – داعياً إياهم إلى
الثورة على الإنجليز , فقال : " يا أهل الهند , وعزة الحق , وسر العدل , لو كنتم –
وأنتم تعدون بمئات الملايين – ذباباً لكان طنينكم يصم آذان بريطانيا العظمى , ويجعل
في آذان كبيرهم – [ جلادستون ] – وقراً , ولو كنتم – وأنتم مئات الملايين وقد نسخكم
الله فجعل كلاً منكم سلحفة , وخضتم البحر , وأحطتم بجزيرة بريطانيا العظمى ,
لجررتموها إلى القعر , وعدتم إلى هندكم أحراراً ".
لقد
كان الأفغاني داعية نهضة .. ورأس تيار فكري – هو تيار الجامعة الإسلامية – يدعو إلى
تجديد حياة الأمة , وبعث الحضارة الإسلامية من جديد .. ولقد رأى أن تحرير ديار
الإسلام – ومنها الهند – من الاستعمار الغربي , وهو الشرط الضروري لاستعادة الأمة
هويتها , وتجديد دورها الريادي بين الأمم .. ذلك أن الاستعمار الأجنبي , كان ولا
يزال , هو الحارس لأمراضنا الذاتية , والعقلية الكبرى أمام الخروج من المأزق
الحضاري الذي نعيش فيه .
|