|
حوارات عمرو خالد " لكل
الناس "
حوار أجراه أ. عصام
الغازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ
2/8/2006
لم
يكن عدد المسلمين قد تجاوز الثلاثمائة .. فرّ ثلثهم بدينهم إلى الحبشة ليس خوفاً من
قريش، وإنما أراد الرسول " صلى الله عليه وسلم" أن ينقل المعركة إلى خارج مكة، وأن
يستقطب للدين أنصاراً جدداً.
في الحبشة ذاب الكل فى
واحد .. الفقير مع الغني .. والقريب مع الغريب والضعيف مع القوي .. صورة رائعة
للتضامن والمحبة ونصرة الدين ولم تفلح محاولات قريش في استردادهم بالمواجهة حيناً،
والخديعة أحياناً.
الداعية عمرو خالد يسرد
وقائع ما جرى خلال تلك المرحلة :
سلاح المؤمن
يقول عمرو خالد:
أثناء هجرة المسلمين إلى
الحبشة نزلت سورتين سورة مريم، وسورة الكهف. لماذا أنزل الله السورتين؟..
لأن المهاجرين ذاهبون إلى
بلد مسيحي، فلابد أن يتسلحوا بثقافة دينية قبل هجرتهم إليه، فتأتي سورة "مريم"
لتعرفهم بالمسيحية، وهي من أدق السور القرآنية التي تُظهر تقدير الإسلام للسيدة
مريم ولسيدنا عيسى:
( كهيعص ذكر رحمة ربك عبده
زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا قال ربي إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً ولم أكن
بدعائك ربي شقيا). أراد الله سبحانة أن يُحدث تآلف بين المهاجرين وأهل البلد التي
يهاجرون إليها .. وبهذا يتحقق أيضاً حسن تمثيل الإسلام في هذا البلد، فهل المسلمون
الآن في الغرب يُحسنون تمثيل الإسلام؟ هناك أطباء ناجحون في الغرب، يجعلون الناس
يشهدون لعظمة الأمة الإسلامية.
أما سورة " الكهف " فتتحدث
عن الهجرة، هجرة أهل الكهف فِراراً بدينهم، وهجرة موسى إلى الخضر لكي يتعلم، والخضر
يعلمه كيف أن الأحداث لا تمضي وفق ما يتوقع وعليه أن يصبر، وهجرة ذو القرنين لإصلاح
الأرض، الأرض لله يورثها من يشاء.
مغزى الرسائل الثلاث
كيف
هاجر المؤمنون؟
هاجروا فُرادى كل رجل مع
زوجته، ويهاجرون على مرتين: الدفعة الأولى 18 فرداً، والدفعة الثانية 85 فرداً، أي
أنّ حوالي مائة مسلم هاجروا من أصل ثلاثمائة دخلوا في الإسلام، أي ثلث الذين أسلموا
تركوا مكة، منهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت محمد " صلى الله عليه وسلم " وجعفر
بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وأم حبيبة بنت أبي سفيان. هناك
ثلاث رسائل حملتها هذه الهجرة : الأولى : أراد الرسول بهجرة هذه الرموز لأقوى وأغنى
عائلات قريش ومكة أن يهز النجاشي ملك الحبشة ويقول له إن المسلمين مثلما فيهم
الفقراء والمستضعفون فيهم الأغنياء والأقوياء أيضا من سادة قريش، والثانية أرسلها
النبي " صلى الله عليه وسلم" أيضا لكى يهز مكة، فهؤلاء السادة الأقوياء ليسوا
بحاجة إلى أن يهاجروا، ولكنهم هاجروا من أجل الرسالة.
والرسالة الثالثة يرسلها
النبي إلى الفقراء والضعفاء من المسلمين، يقول لهم فيها: أنا لم أقذف بكم إلى
المجهول وأترككم، لكنني أرسل ابنتي معكم، لتقضي في الحبشة 15 عاماً مثلكم، وكان
النبي يقول للصحابة: اشتقت إلى إخوانى، فيقولون له: نحن إخوانك، فيقول لهم : أنتم
أصحابي، فإخواني أناس سيجيئون من بعدى ولن يروني، ويبكي الرسول قبل موته بأسبوع
ويقول: اشتقت إلى إخواني.
المدهش أن أحداً من كبار
الصحابة لم يقل للرسول " صلى الله عليه وسلم" أنه لا يريد أن يسافر كان هدف النبي
تلاحم المؤمنين أغنياء وفقراء، في بلادنا حالياً نجد الفقراء معزولين في أحياء
نائية، والأغنياء في عزلة أيضا، كل منهم يعيش معزولاً.
النبي حين هاجر إلى
المدينة أسكن أهل الصدقة وراءه، ليكونوا قريبين منه، لم يرسلهم إلى العشوائيات .
الفقراء خرجوا لأنهم يُضربون ويعذبون في مكة، فأرسل معهم الأغنياء. ويمكث المهاجرون
إلى الحبشة في مهجرهم حتى يُبرم النبي صلح الحديبية عام 7 من الهجرة إلى المدينة.
أي بعد غزوة خيبر.
لم يضع النبي " صلى الله
عليه وسلم" البيض كله في سلة واحدة، فلم يأذن لمهاجري الحبشة في العودة من مهجرهم
ليلحقوا به في المدينة إلا عام 7 من الهجرة إلى المدينة .
استقبل رسول الله العائدين
من الحبشة استقبالاً حافلاً ، كان يحتضنهم واحداً واحداً ، وكان أثناء عناقه لجعفر
يقول: والله لا ندري بأيهما نفرح : بفتح خيبر أم بعودة جعفر.
ويتزوج النبي أم حبيبة بنت
أبي سفيان، كان هدفه إعادة إذابة العائدين في المجتمع الذين سافروا وعادوا فوجئوا
بمتغيرات حدثت، فوجئوا بشىء اسمه مسجد، وسمعوا الآذان للصلاة، وأراد النبي أن يرفع
شأنهم ، فيأمر الناس أن تتودد إليهم.
خيبة
أمل
كيف كان رد فعل قريش
لهجرة المسلمين إلى الحبشة؟
- جُنّ جنونهم لأن النبي "
صلى الله عليه وسلم " نقل المعركة من داخل مكة إلى خارجها، وكانت قريش لا تفهم ماذا
سيفعل هؤلاء الذين خرجوا إلى الحبشة. وتفتق ذهنهم بأن يرسلوا واحداً من سادتهم كان
على علاقة صداقة بالنجاشي يحضه على طردهم من الحبشة واستعادتهم للتنكيل بهم،
فأرسلوا عمرو بن العاص ومعه عبد الله بن أبي ربيعة محملين بالهدايا إلى النجاشي
وحاشيته، فيوزع عمرو بن العاص الهدايا على الحاشية ، ثم يلتقي بالنجاشي فيقول له:
يا أيها الملك، هؤلاء الغلمان السفهاء تركوا بلادنا، وآباؤهم وأمهاتهم يبكون
لفراقهم، وهم فارقوا ديننا ولم يدخلوا في دينك، وقد أرسلني آباؤهم وأمهاتهم
وأعمامهم ليعودوا إليهم، فهم أدرى بهم. فقالت الحاشية: صدق، فيا أيها الملك ردهم
إلى بلادهم فإذا بالنجاشي يقول: لا والله حتى أسمع منهم. إنه ملك مسيحي لكن لا
يُظلم عنده أحد كما قال رسول الله " صلى الله عليه وسلم " فتستدعي الحاشية
المهاجرين، فيأتي جعفر بن أبي طالب ورفاقه، يدخلون على النجاشي فيجدون عمرو بن
العاص جالساً على يمين الملك. فإذا بالملك يقول: بلغني أنكم تركتم دينكم ولم تتبعوا
ديني، وجئتم إلى بلادي فما الذي جاء بكم؟ وما هذا الدين الذي اتبعتموه؟، فيتقدم
جعفر بن أبي طالب ثلاث خطوات للأمام، لماذا جعفر؟ لسببين: لأنه ابن عم النبي " صلى
الله عليه وسلم" ولأن جده هو عبد المطلب الذي تصدى لأبرهة إذن هو شخص غير عادي. قال
جعفر: أيها الملك.. كنّا قوم أهل جاهلية .. نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونسىء
الجوار، ونقطع الأرحام، يأكل القوي فينا الضعيف فكنّا على ذلك حتى جاء إلينا رجل
منّا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة
الأرحام وحسن الجوار، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم.
فعدا علينا قومنا فقهرونا،
وظلمونا، وعذبونا وضيقوا علينا، فقال لنا نبينا: اخرجوا إلى أرض الحبشة فإن بها
ملكاً لا يظلم عنده أحد، فخرجنا إلى أرضك واخترناك على من سواك، ورجونا ألا نُظلم
عندك – فيما بعد مات جعفر بن أبي طالب شهيداً وقال النبي بعد موته: قتلوه آراه الآن
في الجنة.
وقد سأل النجاشي جعفراً:
هل عندك شىء مما جاء به نبيكم أنزله الله إليه؟
قال نعم، عندنا القرآن،
قال فاقرأ علي قال جعفر:
( واذكر في الكتاب مريم إذ
انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً فاتخذت من دونهم حجاباً فأرسلنا إليهم روحنا فتمثل
لها بشراً سويا فقالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب
لك غلماً ذكياً ).
وبدأ النجاشي يبكي وهو
يستمع إلى سورة " مريم " ، وبكت حاشية النجاشي، وقال النجاشي : والله إن الذي قلت،
والذي جاء به المسيح ليخرج من مشكاة واحدة، اذهبوا فوالله لا أسلّمكم أبداً، وأنت
يا عمرو انطلق والله لا أسلمهم لكم أبداً. فأثْبت أنه ملك لا يُظلم عنده أحد أبداً.
الرشوة المرفوضة
فيغضب
عمرو بن العاص لأن ما أسماهم أو وصفهم بالغلمان كسبوا عقل وقلب الملك الذي هو
صديقه، فقال لعبد الله بن أبي ربيعة، والله لأعودنّ غداً إلى النجاشي واستأصلهم،
فقال له عبد الله بن ربيعة: لا تفعل، فإن لهم أرحاماً عندنا لا نضيعها، فقال عمرو:
والله لأفعلنّ. وذهب في اليوم التالي إلى الملك وقال له: أيها الملك.. إنهم يقولون
في عيسى بن مريم قولاً عظيماً، قال: ما هو؟ قال: لا أستطيع أن أخبرك، فقال النجاشي:
أعيدوهم إلي فأعادوهم، فقال النجاشي لجعفر: بلغني أن نبيكم يقول في عيسى بن مريم
قولاً عظيماً، فيقول جعفر: فعزمت الصدق، قال نعم، هو عبد الله ورسوله ، وروحه
وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
فأمسك النجاشى بعصاه ورسم
خطاً على الأرض. قال: والله ما خرج عيسى عن هذا الخط. فاذهبوا أنتم آمنون في بلدي،
من سبّكم غُرّم، لا تُؤذون في بلدي، والله لأن أترك جبلاً من ذهب أحب إلي من أن
يُؤذى واحد منكم، يا عمرو خذ هداياك والله لا أقبل الرشوة في ملك ملّكني الله إياه.
ويستقر الصحابة في الحبشة
ويعود عمرو بن العاص إلى مكة، وينجح النبي " صلى الله عليه وسلم" بمبادرته في نقل
المعركة إلى خارج مكة لينتصر فيها على قريش.
خدعة قريش
وظل الصحابة خمسة عشر
عاما فى الحبشة يعملون، وتتخصص أم سلمة – زوجة النبي صلى الله عليه وسلم " فيما بعد
– في المصنوعات الجلدية فيبيعونها لأهل الحبشة بأرخص الأسعار، فيحبهم أهل الحبشة.
وحدثت حرب خلال وجودهم في
الحبشة ، فخصص النجاشي للمسلمين عدة مراكب وقال لهم: ابقوا في هذه السفن. فإن غُلبت
فاذهبوا لا أدري إلى أين، وإن انتصرت فأنتم باقون معي في أرضي، فبقى الصحابة في
السفن، أثناء المعركة، وحين انتصر تقول أم سلمة: ما فرحنا بشىء في حياتنا بعد
مقابلة رسول الله بعد عودتنا كفرحتنا بانتصار النجاشى، وخلال وجود الصحابة في
الحبشة انتشرت شائعة أن قريشاً أسلمت فعاد ربع الصحابة إلى مكة فوجودوا أن الأوضاع
سيئة، وأذتهم قريش إيذاءً شديداً. وكانت قريش تشوش على من يقرأ القرآن فذهب النبي "
صلى الله عليه وسلم" إلى الكعبة وقرأ سورة " النجم " بصوت جهوري، فصمت أهل قريش
وأنصتوا، إلى أن وصل النبي " صلى الله عليه وسلم" إلى قول الله تعالى :" فبأي ألاء
ربك تتمارى هذا نذير من النذر الأولى أزفت الأزفة ليس لها من دون الله كاشفة أفمن
هذا الحديث تعجبون و تضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون فاسجدوا لله واعبدوا".
فلم يتمالك واحد من قريش
نفسه فسجد لله عز وجل، سجدوا لله وهم كفار، فوصل الخبر للحبشة بأنهم سجدوا فظن
الصحابة أنهم أسلموا، ولم يفطنوا إلى أن قريشاً عاندت بعد ذلك وكذبت وادعت أنهم
سجدوا لأن محمداً قال عن آلهتهم قولاً جميلاً.
" تلك الغرانيق العلا وإن
شفاعتهن ترتجى " ومحمد " صلى الله عليه وسلم ": لم يقل ذلك أبداً، وسورة "الكافرون"
واضحة : ( لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا
أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولى دين".
www.amrkhaled.net
|