|
إنه توأم
الروح والاسم والشخصية
..
و
أحد نعم الله
تعالى علي في حياتي
..
انتهيت من
عامي الأول ومعادلة الثانوية العامة
..
حيث وفقني
الله تعالى في
نهايته بمجموع
كبير ..
أظهرت
المؤشرات الأولية لقواعد القبول المعتادة أنني
سأحصل على مكان
للدراسة ..
ولكنه
الانتظار الصعب
..
فقد تسلمت شهادة
معادلة الثانوية العامة من جامعتي ( جرايفزفالد )
والتي
تعطيني الفرصة لدراسة
الطب مثلي مثل أي
طالب ألماني ..
ولكن يبقى
اسم
الجامعة التي سوف تقبلني
..
ولمن لا يعرف
كثيراً عن الحياة في الغرب ..
فهناك عدة
عوامل يبحث
عنها الطالب المغترب في دراسته بالخارج
..
أولها وقبل
أي شئ اسم الجامعة وشهرتها أوروبياً وعالمياً
..
وثانيها مكان
المدينة على الخريطة ..
فكلما كانت
مدينة
الدراسة قريبة من
المدن الكبيرة
والمليئة بفرص العمل
كلما كان
الاختيار
أفضل
..
و ينتشر في
ألمانيا من الطلبة العرب تلك الجنسية
البائسة
والمحكوم
عليها بالشتات منذ نصف قرن
(
إخواننا الفلسطينيين
)
إضافة لتلك
الأعداد الكبيرة من دول المغرب
العربي وسوريا ولبنان
والأردن والسودان واليمن
..
وتبقى مصر بعيدة
تماماً عن المنافسة ..
فالمصريين
هم أحد
فئتين
..
إما
المبعوثين من قبل الدولة للحصول على درجة الدكتوراة
ومنهم تكونت
أغلب صداقاتي هناك
..
أو تلك الفئة التي
حصلت على مكان للدراسة نظرياً
إلا
أنها لا تدرس
عملياً حيث يبحثون
عن العمل لجمع المال ..
وأغلبهم حاصلين
على شهادات
جامعية من مصر ..
آداب ..
تجارة .. خدمة اجتماعية
.. حقوق .. إلخ
وقد صادفت كثيراً
منهم خلال السنة الأولى
وحاولت
جاهداً
إقناعهم بالتركيز
في الدراسة لتطوير
أنفسهم
وأن هذا
السبيل قد يؤدي في النهاية إلى
الدخل المادي الذي
يحلمون به
إذا ما
حصلوا على الدبلوم
من جامعاتهم
المسجلين بها
وعادوا إلى مصر ..
إلا أن
أرائي كانت تُقابل دائماً بطوفان
من عدم الصبر
وعدم الاكتراث
والبحث
السريع عن المال والاستهلاك والذي
يشكل أغلب
تلك النماذج الموجودة هناك
..
وللغرابة الشديدة
..
فإن قرية
صغيرة بمحافظة الدقهلية
تُسمى ( ناواسا الغيط
) يوجد في العاصمة
الألمانية برلين
أكثر من
ثلاثة آلاف شاب
من أبنائها
..
لذا يندر
تماماً أن تجد في ألمانيا طالباً مصرياً ينتظم
مثلك في دراسته الجامعية
..
ولكن ها هى
نعم الله تعالى والتي تنهال علي طيلة حياتي
دون توقف
..
فقد رزقني
الدراسة في خامس أفضل جامعة بألمانيا
والمشهورة بالأخص
في مجال الطب
والفيزياء والكيمياء ..
حيث حصل
منها عدد
غير قليل على
جائزة نوبل سابقاً
..
ولكن
المفاجأة الكبرى كانت في هذا الشاب
..
إنه أحد
المبعوثين المصريين والذي أتى للحصول على درجة
الدكتوراة
من
كلية الزراعة ..
وكانت
المفاجأة الأخرى أنه أيضاً من
جامعة الأسكندرية
..
ذهبت لمدينتي
الجديدة بعد حصولي على مقعد الدراسة
وأنا لا
أعلم أين سأبيت ليلتي
..
هذا واقع
طبيعي جدا في كفاح الشباب في الغربة
..
تاخد
شنطتك على ظهرك ..تركب
القطار ..تروح
المدينة
..
وهناك
تستوقف أي شخص عربي في الطريق وتسأل
..أين
المسجد هنا ؟؟؟
كان
هذا الشاب هو أول من قابلتهم
في مسجد مدينتي الجديدة ..
كان يقوم
بتحضير الشاي
لجموع الحاضرين حيث الجلسة الأسبوعية من
يوم الجمعة
..
يجتمع
الأصدقاء .. يقرأون القرآن .. ويطمئن الجميع على
بعضهم البعض
..
وبعد تعرفي على
هذا الشاب ..
لم تمض سوى
دقائق معدودة
حتى شعرنا
نحن الإثنين وكأننا نعرف بعضنا البعض
..
ربما
الثقافة المشتركة وطبيعة الشخصية
..
إلا أنه
مازال هناك سر
فى طبيعة علاقتنا حتى الآن ..
فهو
أحد الأشخاص
الذين أُكن لهم حباً جارفاً أعجز حتى
الآن عن وصفه
..
وهو يشاركني
الكثير من صفاتي الشخصية
..
وكانت
المفاجأة أيضاً أنه يشاركني الاسم
..
ورفض بشده
أن أبيت في المسجد .. واصطحبني معه إلى غرفته
..
وأمضينا
الليل سوياً ونحن
نكتشف بعضنا البعض ..
ويزداد
تقاربنا
بشكل لم تشهده أي
من علاقات صداقاتي السابقة
..
ومن اليوم الاول
..
لمست حجم
وقيمة ما يقوم به هذا الشاب
من أعمال الخير
في مدينتي الجديدة
..
ـ فهو
المسئول تطوعياً
عن إصلاح
دراجات جميع الطلبة بالمدينة
..
والحياة في مدينتنا بدون الدراجة أمر محال ..
فهي وسيلة
المواصلات الأساسية
وبدونها يصاب الإنسان بالشلل التام في
حركته
..
ـ
وهو المسئول تطوعياً
عن نظافة
المسجد وشراء احتياجاته الغذائية وأدواته
المختلفة ومتابعتها
..
ـ
وهو المسئول تطوعياً
عن خزينة
المسجد
..
ـ
وهو المسئول تطوعياً
عن أعمال
صيانة المسجد المختلفة
..
ـ وهو
المسئول تطوعياً
عن الإعداد
لبرنامج رمضان والعيد داخل المدينة
..
ـ وهو
المسئول تطوعياً
عن مساعدة أي
إنسان قد يجده في طريقه ويحتاج
للمساعدة
..
كانت
حجم المسئوليات الملقاة فوق عاتقه يفوق الوصف
..
هذا بجانب
دراسته
والتي تحتاج لقدر كبير من العمل المتواصل
داخل المعمل
..
وقد تعجبت
حقاً من قدرته على تنظيم وقته
..
ولكن الأهم
من هذا كله
..
هو مقدار حب
الخير للآخرين والموجود داخل قلب هذا الشاب
..
ليس كلاماً بل
أفعالاً
لامسها كل
عربي يسكن المدينة من واقع
ما قدمه له
هذا الشاب من
مساعدات
لا يقصد بها
سوى وجه الله تعالى
..
وتوطدت
علاقتنا .. وفاقت كل تصور
..
ولازالت حتى الآن بنفس الحرارة والقوة
..
وقد أنهى
دراسته بتقدير جيد جداً
..
وحزنت
المدينة كلها لرحيله
..
فقد فقدت
هناك مصدراً حقيقياً من مصادر
الحب والخير
والذي ملاء
به هذا الشاب حياة كل من عاش هناك
..
ومكثنا سوياً داخل
غرفتي الصغيرة في الأسبوع الأخير قبل رحيله
نظراً لأنه
قد قام بتسليم
حجرته قبل السفر بأسبوع
..
ولازلت أذكر
كلماته الرقيقة وهذا الحوار
..
ـ
شوفت ربنا جمعنا هنا إزاي على الرغم
أننا من مدينة واحدة
في مصر !!!
بس النصيب أننا نعرف بعض هنا !!!
ـ
بس لو كنت قابلتك في اسكندرية أكيد كان ممكن
نتصاحب
..
ـ
لا طبعاً .. عمر ده ما كان
حيحصل
ـ
ليه ؟؟؟
ـ
لأن صداقة الغربة أقوى من أي صداقة أخرى
..
إحنا بقينا هنا أخوات
..أخوات
بجد .. عشنا مع بعض ..
ده اللي بيجعل
صداقة الغربة أقوى من
قرابة الدم
ـ
طيب ما تخليك معانا .. أكيد حتلاقي فرصة ..
أنا حفتقدك قوي هنا
..
ـ
وشغلي في مصر
..
ـ شغل
إيه !!!
أنت عايز تفهّمني إن في بحث
علمي في مصر
!!
ـ أنا عارف
إن مفيش بحث علمي في مصر
..
لكن
..هناك في طلبة مستنياني
..
محتاجين قدوة
..محتاجين
حد يعلمهم حاجة
..
ورحل أخي
وعاد لأرض الكنانة ورزقه الله تعالى الإنسانة
الصالحة تقف الآن
بجانبه
رغم ضيق مصدر
الرزق ..
فهو لا يملك
أيضاً سوى
مرتبه كمدرس
بكلية الزراعة جامعة الاسكندرية
..
ولكنه ليس
هذا الإنسان الباحث عن الاستهلاك
..
إنه ليس هذا
الإنسان الباحث عن السيارة والشاليه وأحدث
موبيل
..
ولا مجال هنا كي
أتحدث عن حياته الآن داخل مصر ..
فهو يعيش
في مستوى حياة الموظف
..
ويكفي أن رزقه
الله تعالى الإنسانة التي تسعد معه الآن
ليس
بسيارته التي
لا يملك أن يشتريها ..
أو الشاليه
الذي لن يتمكن من
شراءة
فهي سعيده معه بحق
من أجل ذلك
الحب والخير الذي يمتلئ به
قلبه
للآخرين
..
ويبقى الهدف
والرسالة فوق المغريات
..
ويبقى
الإنسان الصادق صادقاً بواقع حياته
..
فقد أخبرني أحد
زملائة بالكلية دون علمه
أنه واحد
ممن
يعشقهم الطلبه
ويكنون له كل الاحترام
..
عاد هذا
الشاب لأنه علم قبل غربته أن له رسالة
..
علم أن هذا
الجيل من الشباب يفتقد للقدوة
..
وقد نجح
بامتياز في غربته وكان نموذجاً للقدوة في
أعمال الخير
..
والتي
يذكرها الجميع حتى تلك اللحظة في مدينته التي
تركها لنا
..
وها هو يعود
من أجل رسالته
..
فيكفي وجوده
داخل أروقة الجامعة ليكون نموذجاً يقتدي به
الشباب
..
وفي النهاية
أكتب له كلمتي الأخيرة
..
أخي الحبيب
..
تعلمت منك
كيف أحب
..
فقد امتلأت
الكتابات منذ قدم التاريخ بعبارت الحب
..
ولكن لم أجد
لتلك الكلمة مدلولاً في سلوكيات
البشر ..
مثلما شاهدت
منك في حياتك مع الآخرين
..
محمود رشاد نجم
طالب في كلية الطب - جامعة جوتنجن - ألمانيا
29 سنة
|