|
مقدمة
لسلسلة مقالات للدكتور محمد عمارة من كتابه (الإسلام والتحديات المعاصرة)
الجزء
الأول
إن أي مشروع للنهضة
والتقدم والارتقاء سواء على المستوى الفردي أو الجماعي إنما يحتاج إلى "إرادة"
و"إدارة".. إرادة النهوض والإصلاح والتغيير، والإرادة التي تضع هذه الإرادة في
الممارسة والتطبيق. أي يحتاج إلى "فكر" نهضوي.. و"عمل" يجسد هذا الفكر ويطبقه.
فبدون الفكر يفتقد
الإنسان مهما كانت مهاراته دليل العمل الذي ينير له الطريق، فتتبدد طاقاته مهما
كانت هائلة في تجارب الفشل وسلاسل العمل على غير هدى، التي قد تفضي به إلى الإحباط
واليأس والقنوط.. وبدون "العمل" الذي يطبق الفكر ويجسده، يظل هذا الفكر مجرد
تهويمات نظرية، وخيالات تجريدية، تباعد بين الإنسان وبين الواقع الذي يعيش فيه..
لقد بدأ الإسلام بـ
(اقرأ).. فلما تبلورت هذه القراءة في كتاب الكون وفي كتاب الوحي إلى رؤية متميزة،
وتحولت إلى تكاليف وأعمال، كانت الحضارة والمدينة والدولة، التي انتقلت بالإنسان
والإنسانية إلى طور جديد وفريد..
ولذلك ارتبط واقترن
"الإيمان" – وهو فكر – بالعمل، دائما وأبدا، في القرآن الكريم.. ومع وعد الله –
سبحانه وتعالى "بحفظ " الدين .. فلقد جعل "إقامة" الدين فريضة على المؤمن، وذلك حتى
لا يتحول الدين إلى مجرد نظريات وفلسفات معزولة عن الواقع والتطبيق.. وإذا كان
"الإيمان" في الإسلام هو تصديق قلبي يبلغ مرتبة اليقين.. فإن التصديق مرتبط بالصدق
والإخلاص.. ولن يكون هناك صدق للفكر ولا إخلاص للأفكار إذا لم يضعها صاحبها في
الممارسة والتطبيق.. فالعمل هو الذي يبعث الحرارة والحياة والحيوية في الأفكار..
وبدون ذلك تتجمد الأفكار وتموت!..
وإذا كان القرآن
الكريم قد نحا باللائمة على المنافقين أكثر من المشركين.. وقدمهم على المشركين في
العذاب.. فلأن النفاق قد جسد الانفصام بين الفكر والعمل.. فالمنافقون يبطنون غير ما
يظهرون.. يبطنون الكفر ويظهرون العمل بالإسلام.. ولذلك كان ضررهم أشد من ضرر
المشركين والكفار الصرحاء، (ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات
ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما) – الأحزاب:73.. (ويعذب
الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة
السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا)- الفتح: 6.. (إن
المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا) – النساء:145..
ولقد ابتليت
التجارب الحضارية – عبر التاريخ – بنماذج للانفصام بين الفكر والتطبيق.. بين
الإيمان والعمل، شوهت الفكر.. وجعلت العمل طالحا لا صالحا، ويسير في طريق مسدود..
_ ففي اليهودية
تحريم للربا.. لكن اليهود غدوا أساطين الربا في العالم منذ ظهور الرأسمالية وحتى
هذا التاريخ..
_ وفي المسيحية
تحريم الربا. ولكن المسيحيين سرعان ما نافسوا اليهود في جني الأرباح الفاحشة من
وراء الربا ومن خلال مؤسسات الرأسمالية الكبرى..
_ وفي المسيحية
تحريم الزنا. ولكن الحضارة الغربية – التي يزعم البعض أنها مسيحية، أو ذات تراث
مسيحي، حتى ليسمون أوروبا "ناريا مسيحيا"!.. قد جعلت "هذه الحضارة" – تجارة الدعارة
ثالث التجارات الكبرى – بعد التجارة السلاح وتجارة المخدرات – وهما – أيضا – مما
حرمته المسيحية!!..
_ وفي المسيحية
تحريم للشذوذ الجنسي.. لكن تناقض الفعل مع القول، واختلاف الممارسات مع المقولات،
قد جعل الشذوذ الجنسي قانونا معتبرا ومرعيا في كثير من أقطار تلك الحضارة التي تدعى
المسيحية، حتى لتعقد له مهرجانات سنوية في العديد من المدن، تمارس فيها هذه الفواحش
على قارعة الطريق وفي الحدائق والميادين.. بل لقد وصل هذا البلاء إلى الكنائس، فغدا
بعضها يزوج الشواذ.. ويتولى في بعضها مناصب الكهنوت قساوسة شواذ!!.. حتى لقد قال
المرحوم الشيخ الغزالي – عن هذه الكنائس: "إنها قد خانت مسيحيتها"!..
|