|
حوار أجراه ا / عصام غازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ 23-29 نوفمبر 2005
كيف تكونين زوجة صالحة؟ كيف تكونين دائماً بجانب زوجك دون أن تخنقيه.. كيف تختارين الوقت المناسب للاقتراب والحوار.. كيف يشارك كل منكما في حماية البيت من الانهيار. ليس بالحب فقط.. بل بالتفاهم والمشاركة في الأحلام وتطوير كل طرف لنفسه لأن الفجوة بين الطرفين هي الخطوة الأولى نحو الطلاق. هذا ما يؤكده الداعية عمرو خالد من خلال قراءته لعلاقة السيدة خديجة بالنبي عليه الصلاة والسلام.. وهو يدعو كل امرأة إلى أن تتخذ منها قدوة، ولا يحرر الرجل في نفس الوقت من مسئولية الحفاظ على بيته. عمرو خالد يؤكد أيضاً أن طبيعة الإسلام في التعايش مع الناس وليس اعتزالهم.. وأن التأمل في غار حراء كان مرحلة وانتهت في حياة الرسول وحياة أمته أيضاً. خديجة.. قدوة للمرأة المعاصرة قلت لعمرو خالد: ما الدرس الذي تريد أن تستخلصه من تجربة السيدة خديجة رضي الله عنها للمرأة المعاصرة؟ كانت السيدة خديجة رضي الله عنها تذهب للإقامة مع النبي "صلى الله عليه وسلم" يومين أو ثلاثة أيام خلال اعتكافه في غار حراء لمدة عشرة أيام لماذا؟ لأنها كانت مقتنعة بما يفعله زوجها، ولأنها لابد أن تقف وراء زوجها، والنصيحة التي تخرج بها من ذلك للزوجة المعاصرة هي: حذار أن يكون زوجك في واد وأنت في واد آخر، فتزداد الفجوة بينكما، وبعد فترة يقول كلاماً أنت لا تستطيعين استيعابه، ويختفي التفاهم فيحدث الطلاق. السيدة خديجة كانت زوجة عاقلة وذكية وعظيمة أدركت أن واجبها.. يحتم عليها ألا تترك زوجها وحده طوال فترة اعتكافه، لابد أن تشعره بتعاطفها معه.. لم تقل له كما يحدث الآن "أنا مش هسيبك.. رجلي على رجلك" وتقيم معه مدة العشرة أيام. هي تدرك أنه يريد أن يعتكف للتأمل، ويريد الانفراد بنفسه، فتذهب لمؤانسته فقط مدة يومين ولذلك يقول النبي "صلى الله عليه وسلم": خير نسائنا خديجة" وهنا أقول أيضاً للمرأة المعاصرة: حذار أن يعلو زوجك وتستمر مكانته في الارتفاع وأنت واقفة تراوحين مكانك، في نفس المستوى الذي كنت عليه منذ عشر سنوات، هو الآن في مستوى ومكانة مختلفة تماماً وأنت كما أنت. والرجل له دور أيضاً في تقليص الفجوة بين ثقافته وثقافة زوجته. فلا ينبغي أن يقف موقف المتفرج من ذلك، ويقول هذا أفضل حتى لا تتدخل في شئوني وتكشف أسراري. ثم يقف ليعايرها بما هي فيه.. عليه أن يشاركها في تفكيره، ويصطحبها معه كلما أمكن في المناسبات التي يذهب إليها والزوجة التي تركن إلى السلبية وترفض مشاركة زوجها أحلامه وتطلعاته تخسر هذا الزوج. الاعتكاف وسط الناس إذا كان الاعتزال هو الذي أعطى النبي فرصة التأمل وهباه لهذه المكانة العظيمة فلماذا لا نعتزل نحن أيضا؟ لا نستطيع أن نقلد النبي في ذلك هل رأيت أحداً من الصحابة ذهب للاعتكاف في غار حراء؟.. لماذا لم يفعلوا ذلك؟ هذه كانت مرحلة وانتهت.. ليس في ديننا اعتزال الناس.. نستطيع التفكر ونحن نعمل، أو بالجلوس إلى أنفسنا بعض الوقت، لكن لا ينبغي لنا اعتزال الدنيا. حديث النبي "صلى الله عليه وسلم": "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ويؤذونه". والنبي "صلى الله عليه وسلم" بعد الرسالة لم يعتزل الناس لأنها كانت مرحلة وانتهت فالاعتزال ليس طبيعة رسالتنا، طبيعة رسالتنا هي التعايش مع الناس، والانعزال مرفوض في ديننا. الاعتكاف في ديننا مسموح به فقط في العشر الآواخر من رمضان، على أن يكون الاعتكاف في المسجد، فأنت حين تختلي بنفسك، تختلي وسط الناس، الدين يحض على التعايش مع المجتمع، ويقول لا للانغلاق خديجة تعايشت مع زوجها، النبي تعايش مع الكون في غار حراء، وتعايش مع المجتمع. جبريل في غار حراء ماذا كان عمر السيدة خديجة عندما كانت تصعد إلى النبي في غار حراء؟ كان عمرها 55 سنة وأنا في دهشة كيف تمكن إنسان عمره 50 عاماً من تسلق الجبل إلى غار حراء، السيدة خديجة تحملت هذه المكابدة من أجل زوجها. ماذا كانت تفعل معه في الغار؟ كانت تطلب منه أن يكلمها ومن نعم الله العظيمة على رسول الله أنه تزوج هذه المرأة العظيمة وعندما أوشكت السيدة خديجة على الموت قال الله للنبي في الحديث القدسي "بشر خديجة بقصر من قصب في الجنة لا صخب فيه ولا نصب".. والقصب هو اللؤلؤ المجوف. بم كان يفكر النبي في اعتكافه وعزلته؟ كان يسأل نفسه: ما رسالتي في الحياة وكان ينظر إلى الأصنام حول الكعبة ويقول: يا رب أنا مؤمن بك وحدك ولا أصدق ما يقال عن هذه الأصنام، وأريد أن أفعل شيئاً أريد أن أقدم شيئاً. كان عمره 40 عاماً حين حدثت اللحظة الحاسمة، وهي لحظة نزول جبريل عليه السلام عليه هل تتخيل لحظة حضن جبريل للنبي "صلى الله عليه وسلم"؟ اللقاء بدأ بالأحضان. تجربة الصعود إلى الغار ويروي عمرو خالد تجربة صعوده إلى غار حراء المثيرة. ليشهد كيف كان النبي يكابد في ذلك المكان الذي هبط فيه الوحي.. ويقول: الصعود إلى المكان صعب، والغار تحيطه ثلاث صخرات كأنها تحتضنه. والسورة الكريمة تصف الحادثة فتقول: "إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر". هذه السورة الكريمة تتحدث عن ذلك الموضع المثير.. ربما كان البعض يفضل أن تبدأ رسالة الإسلام من قصر فاخر كله أبهة وفخامة.. لكن الله أراد أن تبدأ الرسالة من ذلك المكان المتواضع الموحش.. ليؤكد أن الرسالة قامت على قوة الفكرة وليس على الأبهة والفخامة. في ذلك المكان نزل جبريل عليه السلام وفي ذلك التقت السماء بالأرض لأول مرة. ليبدأ حوارا امتد لمدة 23 سنة. كنت لا أصدق نفسي وأنا في الغار.. هنا نزل جبريل على النبي "صلى الله عليه وسلم" وهنا احتضن جبريل النبي وهو يرتجف، هنا التقى نور السماء بنور الأرض. ماذا كان إحساسك قبل الصعود إلى غار حراء وإحساسك بعد رؤيتك لغار حراء؟ ازددت حباً لرسول الله "صلى الله عليه وسلم" وتصورت جبريل الذي نزل إلى الأرض آخر مرة قبل نزوله على النبي وكانت قبل 570 سنة أيام سيدنا عيسى "عليه السلام"، وجبريل هو الروح الأمين الموكل بحمل الرسالات إلى الأرض،ـ هذا اللقاء الذي سيمتد أثره حتى يوم القيامة. ويوم وفاة النبي كان آخر عهد جبريل بالرسالات، لأنها كانت الرسالة الخاتمة. أول وصف لجبريل كيف وصف النبي "صلى الله عليه وسلم" جبريل بعدما رآه لأول مرة؟ يقول النبي "صلى الله عليه وسلم": رأيته يسد الأفق، له ستمائة جناح، إذا نفضها تناثر عنها اللؤلؤ والياقوت. وقد احتضن جبريل النبي ثلاث مرات يحتضنه ويتركه ثم يحتضنه ويتركه ثم يحتضنه ويتركه، ليؤكد له أنه لا يحلم إنما هي الحقيقة، وكان الاحتضان شديداً، هل تتخيل الموقف؟ النبي "صلى الله عليه وسلم" الآن في غار حراء في ليلة غير مقمرة، جاءه ليلاً في مكان يصعب الوصول إليه بسهولة، وأنت لكي تصل إلى الغار بعد رحلة صعود مجهدة لابد أن تمرق بين صخرتين، في هذا المكان الموحش وفي ليلة غير مقمرة يرى النبي أمامه ملكاً يسد الأفق، فهو لم يأت إلى النبي في صورة بشرية، ثم يجذب هذا الكائن السماوي الهائل النبي من ثيابه ويقول له: اقرأ.. هل تتخيل الحالة النفسية للنبي في تلك اللحظة في ذلك المكان الموحش في الليلة المظلمة وكائن نوراني هائل يسد الأفق، له ستمائة جناح، يجذبه من ثيابه بقوة ويقول له اقرأ. يقول النبي "صلى الله عليه وسلم": "فقلت ما أنا بقارئ" فقال: اقرأ: فقلت ما أنا بقارئ.. قال: اقرأ فقلت ماذا اقرأ؟ يقول النبي "صلى الله عليه وسلم": فأخذني وضمني حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني وغطني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال اقرأ.. فقلت ماذا اقرأ؟ فانطلق الملك جبريل "عليه السلام" يردد أول آيات من القرآن: "اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم".. واختفى جبريل، فرجع النبي يرجف فؤاده نزل من الجبل مسافة ثلاثة أميال مهرولا.. يعدو وفؤاده يرجف بشدة وفي الوقت نفسه يرتعد من البرد، الموقف كان صعباً، لهذا احتاج لتمهيدات قبل نزول الوحي. رسالة للشباب المشغول باللهو لماذا كانت البداية شديدة على هذا النحو؟ لأن رسول الله مقبل على أمر عظيم.. مقبل على إصلاح البشرية "خذ الكتاب بقوة" فلم يكن ممكناً أن تبدأ الرسالة بالحنان أو الشفقة، كان لابد أن يحس النبي بجلال ما هو مقبل عليه، وأنا أقول الآن للمسلمين أننا نمر بأمر جلل عظيم، بلادنا تضيع، فلابد أن ننهض ونقاوم، خذ الكتاب بقوة، أنادي الشباب اللاهي والبنات الغافلات، الشباب الباحث فقط عن الحب والسراب أنادي الرجال والنساء الذين صارت قضيتهم جمع الثروة فقط وتربية الأبناء على ذلك أقول لكل منهم: خذ الكتاب بقوة وجدية. بداية الرسالة جمعت بين الحنان والقوة لاحظ أيضا أن جبريل لم يعرف نفسه للرسول "صلى الله عليه وسلم" لم يقل له: أنا جبريل ولم يقل: أنت رسول الله. كيف عرف النبي إذن أنه نبي؟ عرف من البشر فيما بعد، من ورقة بن نوفل، فقد كان النبي في حالة من الذهول والصدمة بعد لقاء جبريل ولم يكن ذهنه مرتباً أو تفكيره مركزاً في تلك الليلة. كان الهدف من اللقاء الأول بين جبريل و النبي "صلى الله عليه وسلم" هو إعلامه بأنه سيدخل على أمر عظيم. سر معجزة "اقرأ" لماذا كانت البداية "اقرأ"؟ هي إشارة عظيمة فالنبي لم يكن قد تعلم القراءة، والنبي لم يتعلم حتى مات، والأمية كانت معجزته "اقرأ" كانت إشارة فهمها النبي، ونحن مع الأسف لم نفهمها "اقرأ" تعني أن عصر المعجزات قد انتهى، انتهت عصا موسى وسفينة نوح، انتهت المعجزات الخارقة التي تغير مجرى الأحداث وبدأ عصر العلم والتخطيط بك يا محمد، أنتم أمة العلم والتخطيط ومع الأسف أمة "اقرأ" 60% منها لا يعرفون القراءة أو الكتابة، أمة اقرأ لا تعرف القراءة، وهي تنتظر المعجزات الخارقة كعودة المهدي المنتظر لتخليصها والمهدي لن يأتي إلا إذا نهضنا، الإنسان المسلم هو المعجزة حين يخطط ويضحي ويعيش لرسالته، حينئذ ينصر الله الرسالة، وكلمة "اقرأ" كانت دليل صدق النبي، لأنه علم إن عصر التخطيط والعلم قادم، ولو آتى النبي وكان غير مؤهل لهذا العصر، فإنه سيكون غير مناسب لكل زمان ومكان برسالته لكنه نبي آخر الزمان، وأدواته جاءت مناسبة لعصرنا، عصر العلم والتخطيط والتكنولوجيا. هذا هو الإعجاز ورموز العلم وردت 6 مرات في السورة للتأكيد "اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم".
|