|
ونصل مع خواطرنا القرآنية هذه إلى الجزئين 22 و23، واللذين يشملان ست سور: الأحزاب
وسبأ وفاطر ويس والصافات وص. هذه السور يجمعها محور واحد وهدف واحد، وهو الاستسلام
لله تعالى.
معنى
الإسلام
فبعد أن قرأنا 22 جزءاً من كتاب الله، واتضحت المعالم الأساسية للقرآن، لا بد لنا
أن نسأل أنفسنا: ما هو شكل علاقتنا بالله تعالى؟ ما هو عنوان ديننا؟ ما هو معنى
كلمة الإسلام أصلاً؟
فإذا رجعنا إلى المعاجم، وجدنا أن معنى كلمة الإسلام هو الاستسلام لله تعالى، وهذا
ما نفهمه من قوله تعالى عن سيدنا إبراهيم:
]إِذْ
قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ[
(البقرة، 131) أي استسلمت لرب العالمين وسلمت نفسي لله تعالى...
ولذلك فإن هذه السور الست تسألك: أما آن لك أن تستسلم وتخضع لربك جل وعلا؟ والملاحظ
أن القرآن لم يأمرك بالاستسلام لله إلا بعد أن عرض المنهج الرباني في 22 جزء، وكأن
المعنى: بعد أن فهمت حكمة الشرع وعظمته، وبعد أن استشعرت روعة آيات الله ودلائل
قدرته، استسلم لربك، حتى لو لم يعجبك أمر تفصيلي في جزئيته، وحتى لو لم ترتح إلى
أمر معين، لأن عنوان دينك هو الاستسلام.
محاور
الاستسلام
وهذه السور الست تدور حول محور واحد، وهو الاستسلام لله تعالى في كل شؤون الحياة:
سورة الأحزاب: الاستسلام لله في المواقف الحرجة
سورة سبأ: الاستسلام لله سبيل بقاء الحضارات
سورة فاطر: الاستسلام لله سبيل العزة
سورة يس: الاستسلام لله بالإصرار على الدعوة حتى
لو يئست من النتيجة
سورة الصافات: الاستسلام لله وإن لم تفهم الحكمة
من الأوامر
سورة ص: الاستسلام لله بالعودة إلى الحق بلا عناد
ومن هنا نفهم سبب مجيئها بعد عرض المنهج، لأننا في
الجزء 22 أدركنا هذا المعنى وفهمنا عنوان ديننا وما يريده الله منا، وآن الأوان أن
نستسلم له تعالى.
ونحن نؤكد أن هذا اجتهاد بسيط، يهدف إلى تيسير
قراءة القرآن على الشباب المسلم وزيادة تفاعلهم معه. ولا نقول أن هذا هو المحور وهو
الكلام الأخير في المسألة. وبالتأكيد هناك من هم أعلم منا بتفسير القرآن ولا بد أن
يأتي من يربط هذه السور ببعضها أكثر ويفهم مراد ربنا، لأن عمق القرآن ليس له آخر...
بعد هذه المقدمة السريعة، تعال معاً لنعيش مع سور الاستسلام لله تعالى.
سورة الأحزاب
الاستسلام لله في المواقف الحرجة:
وهذه السورة هي بالمناسبة من أكثر سور القرآن تصويراً لمواقف حرجة قد يمر بها
الإنسان. فحادثة الأحزاب (أو غزوة الخندق) هي نفسها صورة لموقف بغاية الصعوبة
]إِذْ
جَاءوكُمْ مّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَـٰرُ
وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱلله ٱلظُّنُونَاْ
&
هُنَالِكَ ٱبْتُلِىَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً[
(10 – 11).
فتركّز السورة في كل آياتها على طاعة الله والاستسلام له في هذه المواقف.
مواقف اجتماعية
وبعد ذلك كان موقف محرج آخر وهو طلاق زيد رضي الله عنه من زينب بنت جحش رضي الله
عنها ومن ثم زواج النبي صلى الله عليه وسلم بها...
]فَلَمَّا
قَضَىٰ زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَـٰكَهَا[
(37)...
ثم تحريم التبني وإلغاء هذه العدة المتأصلة في نفوس العرب:
]ٱدْعُوهُمْ
لأَبَائِهِمْ[
(5)... وهذه القاعدة التي بدأت مع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، عندما ألغي
تبنيه لزيد، وعاد اسم زيد بن حارثة إليه بدلاً من زيد بن محمد... موقف محرج لزيد
وللنبي... لذلك تقول الآيات تعقيباً على هذه الحادثة
]مَّا
كَانَ عَلَى ٱلنَّبِىّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱلله لَهُ[
(38).
ويأتي موقف صعب: نساء النبي يطلبن زيادة في النفقة. وليس هذا ترفاً منهن، لأن الوضع
الاقتصادي الذي كانوا عليه كان غاية في الشدة. لكن الله تعالى أراد اختبارهن
بامتحان صعب، لأنهن أمهات المؤمنين، لذلك تقول الآية
]يٰأَيُّهَا
ٱلنَّبِىُّ قُل لأَزْوٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا
وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتّعْكُنَّ وَأُسَرّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً
&
وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلله وَرَسُولَهُ وَٱلدَّارَ ٱلأَخِرَةَ فَإِنَّ ٱلله
أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَـٰتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً[
(28-29).
حجابك قمة استسلامك
وهكذا نرى أن السورة تضمنت الكثير من المواقف الحرجة والصعبة التي قد يمر بها
المسلم، إلى أن تصل بنا إلى أمر صعب على النساء، لكنه اختبار قوي لمدى استسلامهن
لأوامر الله: الحجاب.
]يأَيُّهَا
ٱلنَّبِىُّ قُل لأَزْوٰجِكَ وَبَنَـٰتِكَ وَنِسَاء ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ
عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ[
(59).
وهذه الآية - بالإضافة إلى الآية (31) من سورة النور - قد ذكرت تفاصيل حجاب المرأة
المسلمة بشكل دقيق. ففي سورة النور، أتى تفصيل الجزء العلوي من اللباس
]وَلْيَضْرِبْنَ
بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ[
أما في سورة الأحزاب، فقد وصفت الآية لباس المسلمة من تحت
]يُدْنِينَ
عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ[.
فهل ستستسلمي لله تعالى أيتها الأخت المسلمة، وترضخي لحكم الحجاب؟ أم أننا سنظل
نسمع من يقول: أنا لم أقتنع بالحجاب بعد...
استسلم بلا تردد
فإذا أصر البعض على عدم تطبيق الأحكام الشرعية إلا
بعد فهم الحكمة منها، فاسمعي أيتها الفتاة واسمع أيها الشاب الآية المحورية
والقاعدة الهامة في الاستسلام لله تعالى:
]وَمَا
كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱلله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن
يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ[
(36).
فلا يجوز أن يأمرك الله أمراً ثم
تعترض وتقول: أقنعني أولاً. يا شباب، ويا بنات، إستسلموا لله تعالى، فقد ظلت الآيات
على مدى عشرين جزءاً تبين لك حكمة الله وتدبيره في خلقه وإعجازه في تشريعه (مما
يثبت أن ديننا ليس فيه اتباع أعمى أو دعوة لتعطيل العقل). أما الآن، فقد آن الأوان
أن تستسلم..
وكأن المعنى: أن الله تعالى يتعبدنا
بنوعين من الأوامر: أوامر تأتي مقرونة بالسبب والحكمة، كتحريم الخمر وأكل لحم
الميتة وما إلى هنالك، فيطبّقها المؤمنون ويزدادوا معها إيماناً بحكمة الله في
شرعه. وهناك أوامر أخرى لا تذكر معها العلة أو السبب، فيريدنا الله من خلالها أن
نطيعه سواء فهمنا الحكمة من ذلك أم لم نفهم، حتى يمتحن استسلامنا له من غير شروط
ومن غير تردد.
طاعة الله في السورة
ولأن محور السورة هو طاعة الله سبحانه وتعالى والاستسلام لأمره، نرى أن كلمة الطاعة
ذكرت في السورة 7 مرات، والصدق مع الله 8 مرات. وليس هذا فحسب، فإن أول آية في
السورة أمرت النبي بالطاعة الخالصة لله دون سواه:
]يٰأَيُّهَا
ٱلنَّبِىّ ٱتَّقِ ٱلله وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ[.
وأتت آيات كثيرة بنفس المعنى:
]وَلاَ
تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّـلْ عَلَى
ٱلله[
(48).
والآية الرابعة تركز على إخلاص الطاعة لله دون غيره:
]مَّا
جَعَلَ ٱلله لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ[
لأن من يطيع العباد من دون الله، فسوف يكون مصيره في الآخرة مع من يقول:
]وَقَالُواْ
رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ[
(67).
وتثبت لنا السورة أن هذا الأمر لم يكن مختصاً بالنبي وحده، بل شمل كل الأنبياء:
]وَإِذْ
أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرٰهِيمَ
وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَاقًا غَلِيظاً[
(7).
استسلام السماوات والأرض
وتختم السورة بمعنى لطيف، وهو قوله تعالى:
]إِنَّا
عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن
يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَـٰنُ إِنَّهُ كَانَ
ظَلُوماً جَهُولاً[
(72).
فالاستسلام لله تعالى نوعان: إما أن تستسلم لربك جل وعلا باختيارك وبإرادتك، وإما
أن تكون عبداً له دون أي اختيار... والنوع الأول هو الذي أشفقت منه السماوات والأرض
لما يعلمن من صعوبة حمل الأمانة، أمانة التكليف، ولذلك فضلن النوع الثاني من
الاستسلام، وهو الخضوع لله تعالى دون أن يكونوا مخيرين في فعل الطاعات..
أما الإنسان، فقد حمل هذه الأمانة
]إِنَّهُ
كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً[،
والآية لا تعني أنه كان ظلوماً جهولاً لأنه حمل الأمانة، لكنه يكون كذلك إذا لم
يستسلم لله بعد حمله لهذه الأمانة.
لذلك كان ختام سورة الأحزاب: استسلم لله تعالى، واعلم أن الله تعالى استأمنك على
مسؤولية كبيرة، خافت منها مخلوقات عظيمة من مخلوقات الله، وفضلت الاستسلام لله دون
أن يكون عندها خيار في ذلك...
سبب تسمية السورة:
ونصل إلى سبب تسمية السورة، وهو طبعاً يرجع إلى غزوة الخندق، حين أحاط الأحزاب
بالمدينة من كل جانب... فماذا كان قول المسلمين في هذا الموقف الصعب؟
]وَلَمَّا
رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱلله وَرَسُولُهُ
وَصَدَقَ ٱلله وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيماً[
(22).
أرأيت كيف أن التسليم لله يتكرر دائماً معنا في هذه السورة؟
لكن هناك سبباً آخر لهذا الاسم بالذات غير أحزاب الخارج. فالمدينة المنورة قد
انقسمت من الداخل أيضاً إلى أحزاب: من حزب المنافقين، إلى حزب المترددين الخائفين،
إلى حزب ثالث لا يجب أن ننساه، وهو حزب النساء اللواتي نصرن الإسلام، ولهذا أتت
آيات كثيرة عنهن، مثل الآية 35:
]إِنَّ
ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ...[.
وهناك حزب المؤمنين الواثقين بالله، والذين نالوا شهادة رائعة من الله تعالى في
استسلامهم:
]مّنَ
ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱلله عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن
قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً[
(23).
أصلح الأحزاب... لتقوم الحضارة
لقد سميت السورة بالأحزاب بسبب كثرة الأحزاب خارج
المدينة وداخلها. ولا ريب أن إصلاح أحزاب الداخل والانتصار عليها أصعب بكثير من
الانتصار على أحزاب الخارج. فالأولى قضى الله عليها بريح أرسلها عليهم،
]فَأَرْسَلْنَا
عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا[
(9). وأما أحزاب الداخل، فإن تم إصلاحها، فستصبح أمتنا ذات حضارة قوية، كحضارة سبأ
التي تحدثت عنها السورة التالية، وكأن العلاقة بين السورتين تختصر بالرسالة
التالية: يا أحزاب الداخل انصهروا واستسلموا لله، لأن انصهار الداخل واستسلامه له
تعالى هو سبيل بقاء الحضارات
سورة سبأ
استسلام الحضارات لله
سورة سبأ من السور التي تتناول قضية التفوق
الحضاري، كسورة النمل، لكنها تأتي مكملة لها في المعنى ; فبينما ركزت سورة النمل
على الأخذ بمقومات الحضارة، من علم وتفوق تكنولوجي وإدارة، تأتي سورة سبأ لتسأل كل
من يريد بناء أمة وحضارة: على أي شي ء تقوم هذه الحضارة؟ وعلى أي أسس؟ فهدف السورة
هو: حاجة الحضارة للإيمان
والسورة تتحدث عن نموذجين متناقضين للحضارات:
حضارة مؤمنة مستسلمة لله، وهي حضارة داوود وسليمان عليهما السلام، وحضارة عاصية
رافضة لطريق الله وهي حضارة سبأ.
ومجيء هذه السورة في ترتيب المصحف بعد سورة
الأحزاب يشير - كما ذكرنا - إلى أن إصلاح أحزاب الداخل بالإيمان هو السبيل لبناء
حضارة قوية.
حضارتان في الميزان:
فالنموذج الأول، والذي يتمثل بالحضارة المؤمنة، هو
نبي الله داوود الذي آتاه الله الملك:
]وَلَقَدْ
ءاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ أَوّبِى مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ
وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ[
(10)، فلما استسلم لله تعالى وعبده حق عبادته، طوّع الله له الحديد، وسخّر له الكون
كله بين يديه:
]وَلِسُلَيْمَـٰنَ
ٱلرّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ[
(12). لاحظ كلمات
]أَوّبِى[
و]وَأَلَنَّا[
و]وَأَسَلْنَا
لَهُ[،
فكلها تصور كيف سخّر الله تعالى الكون كله لهذه الحضارة المؤمنة. لذلك
فإننا نرى في سورة أخرى من سور الاستسلام لله، سورة "ص"، كيف ثبت الله ملك سيدنا
داوود:
]وَٱلطَّيْرَ
مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ
&
وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ...[
(ص: 19 – 20).
أما النموذج الثاني، فهي الحضارة التي
لم تستسلم لله فعوقبت وانتهت، وسميت السورة باسمها لتكون عبرة لمن يعتبر:
]لَقَدْ
كَانَ لِسَبَإٍ فِى مَسْكَنِهِمْ ءايَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ
مِن رّزْقِ رَبّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ
&
فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ وَبَدَّلْنَـٰهُمْ
بِجَنَّـٰتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَىْء مّن سِدْرٍ
قَلِيلٍ
&
ذَلِكَ جَزَيْنَـٰهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجْزِى إِلاَّ ٱلْكَفُورَ[
(15 – 17).
الجن في السورة
وبين هاتين الحضارتين، تأتي السورة على ذكر الجن، وكيف
كانت حضارتهم مستسلمة إلى حضارة سليمان بشكل كامل:
]وَمِنَ
ٱلْجِنّ
مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ
أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ[
(12). هذه الحضارة لم تؤت قوة ولا سلطاناً ولا علماً، بدليل قوله تعالى
]فَلَمَّا
قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ
الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ
كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ[
(14).
فهم كانوا يعملون بجد خوفاً من سليمان الذي كان
يراقبهم، لكنه - عليه السلام - مات وهو متكئ على كرسيه دون أن يلاحظ الجن ذلك، ولم
يعرفوا هذه الحقيقة إلا بعد أن أكلت حشرات الأرض من عصا سليمان... حادثة بسيطة تظهر
هذه الحضارة المستسلمة لكن دون أي علم أو معرفة...
سنة كونية
وتصل بنا السورة، بعد عرض المثالين، إلى تعميم
القاعدة بأن تكذيب الحضارات وكفرها بالله تعالى هو سبب هلاكها:
]وَكَذَّبَ
الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَا ءاتَيْنَـٰهُمْ
فَكَذَّبُواْ رُسُلِى فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ[
(45) فبعد الحديث عن الأمم الغابرة، بينت السورة أن هناك أمماً كانت أقوى عشر مرات
من قريش، ومع ذلك فقد انتهت حضارتها لأن القاعدة العامة قد جرت عليها.
ولذلك تأتي موعظة شديدة لكل من يريد أن ينشأ حضارة
أو يبني أمة، افهموها يا مسلمين،
واحفظوها يا من تريدون بناء مجد الإسلام:
]قُلْ
إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوٰحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لله مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ
تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَـٰحِبِكُمْ مّن جِنَّةٍ[
(46).
سورة فاطر
الاستسلام سبيل العزّة:
وتكمل سورة فاطر محور الاستسلام لله تعالى. فبعد
أن رأينا في سورة سبأ أن الاستسلام لله هو سبيل بقاء الحضارات، تأتي سورة فاطر
لتقول: بل أكثر من ذلك، فهو سبيل العزة والرفعة في الدنيا. فبعض الناس يعتقدون أن
استسلامهم لرب العاملين وخضوعهم له هو مذلة وانتقاص من قدرهم، لكن السورة توضح أن
العزة الحقيقية لا تأتي إلا من الله:
]مَن
كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلله ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ
ٱلطَّيّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ[
(10).
كيف لا تستسلم؟
ثم تنتقل السورة إلى ما هو أقوى من ذلك: كيف لا تستسلمون لله وأنتم فقراء إليه
فقراً مطلقاًً، وهو الغني عنكم وعن العالمين:
]يٰأَيُّهَا
ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَاء إِلَى ٱلله وَٱلله هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ
&
إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ
&
وَمَا ذَلِكَ عَلَى ٱلله بِعَزِيزٍ[
(15 - 17).
والسورة ابتدأت أصلاً بذكر الملائكة، وأنهم رغم عظم خلقهم وقوتهم، خاضعون لله
مستسلمون له في كل أمورهم
]ٱلْحَمْدُ
لله فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلَ |