|
من هنا يبدأ الحوار
على اسم مصر ( محطة الرمل .. فيكتوريا )
تقبع مدينة الأسكندرية على الساحل الشمالى لمصر من خليج أبى
قير شرقاً
وحتى خليج المكس غرباً محتضنة مياة البحر المتوسط بين ذراعيها
فى سلسلة من الخلجان المتوالية والتى يعد أشهرها الخليج الممتد من القلعة وحتى
السلسلة عند محطة الرمل ..
حيث يبدأ هناك خط ترام الرمل ...
وما إن تطئ قدمى أنا ووالدى محطة الرمل والتى تمثل المركز
التجارى لمدينة الأسكندرية حتى تأخذنا الخطوات إلى حى المنشية موطن ذكريات والدى ..
ففى حى المنشية وتحديداً فى شارع العطّارين لازالت تقف ورشة جدى شامخة تحمل ذكريات
الماضى الحميل ..
ورغم أن الورشة قد انتهى فعلياً العمل بها منذ سنوات .. إلا أن
والدى يشعر دائماً أنها لازالت تعمل ..
ولازال يسمع أصوات الماكينات القاطعة للأخشاب .. بل ولازال
يذكر اسماءالعمال واحداً واحداً ..
وما إن نصل محطة الرمل حتى يقول لى فى كل مرة ..

ـ ما تيجى نروحوا ورشة جدك ..
ثم يبدأ الحديث عن الذكريات وارتباط تلك الذكريات بالأحداث
السياسية أنذاك .. وما أصاب المجتمع المصرى من تحولات ..هى فى نظر والدى دائماً
انهيارات وليست تحولات ..
المهم ..تنتهى جولتنا المعتادة بالرجوع إلى محطة الرمل حيث
ينتظرنا ترام الرمل
أمام سينما ستراند ليبدأ رحلته مخترقاً مدينة الأسكندرية
بأحيائها المختلفة فى اتجاه محطة فيكتوريا حيث تنتهى هناك جميع خطوط الترام ..ولمن
لم يزور الأسكندرية فإن ترام الرمل هو توأم المترو فى القاهرة ..وليس المقصود مترو
الأنفاق .. بل المترو الأزرق القديم ..
تلك الذكرى الوحيدة الباقية من مخلفات الاحتلال الانجليزى لمصر
والتى لازالت تعمل بكفاءة حتى الآن ... ويمتاز ترام الرمل بأنه إحدى وسائل
المواصلات الأمنه نظراً لوجود عربة مخصصة للسيدات وعربتان للسيدات والرجال معاً ..
ومن هنا يمكن للفتيات والسيدات ركوب الترام بعيداً عن المعاكسات والنظرات ..ولكن
تبقى لترام الرمل أهمية خاصة عندى ..وهو أنه يمثل المرآة الحقيقية للمجتمع المصرى
..ففيه تشاهد جميع طبقات المجتمع بدءً من الطبقة المعدومة .. وحتى الطبقة فوق
المتوسطة .. شباب وبنات المدارس والجامعات .. الأمهات والآباء ..كبار السن ..
فيلم حى للمجتمع المصرى بكل فئاته تشاهده بخمسة وعشرين قرشاً
هى قيمة تذكرة ترام الرمل
ـ ماشى يا أفندية .. ماشى ياحضرات .. اطلع ياحبيبى من ع
الباب مش ناقصين مصايب ..
ولاتمل أبداً من مشاهدة فيلم ترام الرمل .. لأنه متجدد دائماً
أحداثاً وأبطالاً ..
ولكن يبقى الكومسرى قاسماً مشتركاً فى أغلب الأحداث .. سواء مع
الركاب المحترمين من كبار السن .. أو مع تلك النوعية الشنيعة من طلبة وطالبات
المدارس الإعدادية والثانوية ..
حيث لا تنقطع المعاكسات والمضايقات والشجار بالأيدى داخل عربة
الترام ..
ولازالت تلك العادة الذميمة منتشرة بين فئات الشباب والمراهقين
بكتابتهم لاسمائهم وتعليقاتهم على الحائط الداخلى لعربة الترام ..
شلة الأشباح .. تامر البرنس .. أيمن أحداث .. خالد حمبوله ..
سيد حنجرة ..الخ من غريب الاسماء والألفاظ والتعليقات ..مشوهين معالم الترام من
الداخل ..
ولا تلبث شلة المراهقين من طلبة المدارس عند صعودهم للترام إلا
بالوقوف أمام الشباك المطل على عربة السيدات ..حيث يكون فى انتظارهم أقرانهم من
بنات المدارس ..يوزعون الابتسامات ..
ويتبادلون التعليقات ..والتى للأسف تصل أحياناً إلى حد
الألفاظ النابيه فتجرح حياء الراكبين ..
وتجتاح العربة رغبة عارمة فى إظهار (الروشنه ) أمام الفتيات من
قبل الأولاد .. والذين تسابقوا لإبراز مواهبهم الخاصة .. ومظاهر رجولتهم ..معبرين
عنها بأسوأ الألفاظ الموجودة فى قاموس الشتائم ..
فيتطور الأمر .. وتتشابك الأيدى .. ويتدخل الكومسرى لفض
النزاع ..
ـ مابس بقى يابنى أنت وهو .. ماتحترموا نفسكوا شوية وتحترموا
الناس اللى راكبه ..
ويطفح الكيل .. حيث لم يتمالك أحد الركاب نفسه ..بعد أن وصل
حد الألفاظ وقلة الأدب درجة لم نشاهدها أو حتى نسمع عنها فى سلوكيات تلاميذ المدارس
.. جميعهم أعمارهم لم تتجاوز السادسة عشرة .!!!!!!!!!!
ـ فيه إيه يا عم !!!! إحنا جينا جنبك ؟؟!!
ـ يابنى مش كده .. عيب .. فى ستات ورجاله كبار واقفين .. عيب
..
وبعدين البنات اللى واقفه وسامعينكوا ..مش كده !!!
ـ ماهما اللى راكبين هنا عشان يتعاكسوا ..
ـ يابنى عيب احترم نفسك .. ترضى أختك حد يعمل معاها كده ؟؟
ـ أنا معنديش أخوات بنات .. ها ها ها ها
وأتأمل هؤلاء التلاميذ وسلوكياتهم الشاذة .. فلا أجد وقت
للتأمل أو التفكير .. مستوى الانحطاط السلوكى قد تعدى مرحلة التأمل والتفكير ..
كوميديا باكية ..
ـ هى العيال دى أهاليها فين يا بابا ؟؟ أهاليهم ربوهم ..؟؟
ـ ما أنت شابف أهو .. ونعم التربية !!!!بس ماتشغلش دماغك ..
ده بقى العادى ..
ـ عادى !!!!!! يانهار أسود !!!!
وأعاود التفكير .. ويعود السؤال .. أين الآباء والأمهات ..
ألهذا الحد لم يفلح الآباء فى تعليم هؤلاء الشباب معانى
الأخلاق والمبادئ ..
ماذا يعرف هؤلاء التلاميذ عن مصر ..وعن قيمتها ..ورسالتهم هم
تجاهها ؟؟؟
لقد أصبحت مفردات حياتهم تتلخص فى ( الكمبيوتر جيمز ). الموبايلات
.. معاكسات الفتيات ..
وانحطاط أخلاقى وسلوكى غير مسبوق ..
ويعود السؤال يدق على رأسى بعنف ..كيف ربى الآباء والأمهات
أبنائهم ليصلوا إلى تلك الدرجة من البذاءة ؟؟؟ والمشكلة الكبرى أن أعداد هؤلاء
التلاميذ تفوق خيالك ..
لدرجة تشعرك أن المدرسة بالكامل على هذا المستوى .. ياخبر أسود
!!!!ده الجيل الجديد ؟؟!!!!!
ويصل الترام إلى المحطة التالية ..حيث كلية الطب والصيدلة و
طب الأسنان ..ثم يليها محطة كليات المجمع النظرى الخمس( الآداب والحقوق والتجارة
والتربية والسياحة والفنادق )
حيث ينتظر جمهور غفير من طلبة الجامعة ..لتشاهد بنفسك ودون أى
وسيط ما آل إليه حال شباب الجامعة .. سجاير مارلبورو .. نظارات شمس .. شعور معجونه
بالجل .. موبايلات ..
شلل ومجاميع من الشباب والفتيات .. حوارات غريبة .. وتعبيرات
أعجب ..
شباب تشعر بعد أن ترمقه بنظرة واحدة ..أنه يفتقد لأبسط مبادئ
تحمل المسئولية والرجوله ..
فأغلبهم من أبناء الطبقة المتوسطة الكادحة .. إلا أن مظاهر
الاستهلاك والمتمثله فى ماركات ملابسهم وأجهزة الموبايلات التى يحملها كل (شحط )
منهم لا تنم إلا عن الاستهتار وانعدام المسئولية ..
ـ هى العيال دى بتجيب الفلوس دى كلها منين ؟؟!!!
ـ من أهاليهم .. يعنى حيكونوا بيجيبوها منين !!!!!!
ـ وهما أهاليهم معاهم لده كله ؟؟؟
ـ بيقطعوا من قوتهم ويدوهم ..
ويعاود السؤال اللعين ليطرح نفسه بمنتهى القوة ..
كيف ربى الآباء والأمهات أبنائهم على هذا الأسلوب الاستهلاكى
الفظيع ..
البلد تعيش محنة اقتصادية طاحنة ..والناس يادوب عايشه ..
ولو حد مرض واحتاج عملية مش حيلاقى .. طب إيه اللى بيحصل ده ؟؟
وكان لابد من وقفه قبل أن يصل الترام إلى محطته القادمة ..
وتزداد الأعداد ..وتختنق الأنفاس ..وتبلغ القلوب الحناجر ..
الطوفان قادم ..وبرامج الإصلاح المفروضة علينا من الخارج
قادمة ..
الأخلاقيات والسلوكيات تنهار بين أبناء الجيل القادم .. والناس
غارقه فى الاستهلاك ..
فى حاجة غلط .. ولازم نعرفها ..
المهم ..
دقت نبضات قلبى بشده ولم تدق بتلك القوة فى حياتى مثلما كان
إيقاعها وأنا فى طريقى للجامعة ولا أعرف ما يحمله القدر من مفاجأت ..دخلت إلى بهو
الجامعة لأجد الطلبه والطالبات مجتمعين أمام نتيجة الامتحان ..وكانت كشوف باسماء
الراسبين .. أو بمعنى أدق .. الغير مقبولين ..
وذهبت لحجرة المدرسين .. وإذا بى أجد معلمة اللغة الألمانية
..
كانت تُدعى (Frau Dr.Gratz ) وإذا بها تبتسم لى .. وتخبرنى بأن
ترتيبى هو الثالث على المقبولين بالجامعة وذلك بعد الصينية والروسى ...كانت صدمة
الفرحة التى لم أعايشها من قبل فى حياتى ..
وانهمرت دموعى .. وتاهت كلماتى .. وأحتضنتنى المعلمة .. وهدأت
من روعى بعد البكاء الشديد واصطحبتنى للخارج .. وأخيراً و بعد أن هدأت بعض الشئ ..
كان لابد من السؤال ..
ـ ممكن أعرف إزاى فروا د. جراتز ؟؟
ـ إزاى إيه ؟؟
ـ إزاى أنا التالت ؟؟
ـ عشان إنت التالت
ـ أيوه بس أنا محلتش كويس ..
ـ بالعكس الموضوع المفتوح لوحده كان كفيل إنك تنجح .. كمان
باقى الأجزاء كانت فوق الممتازة ..
طب إزاى .. ؟؟ والله أنا ما حليت كويس ..
وحتى الآن .. وحتى كتابتى لتلك الكلمات .. وأنا لا أعرف كيف
حدث ما حدث ..
وإن كان التفسير الوحيد .. هو أن الله تعالى قد قال للشئ كن
.. فكان ..
محمود رشاد نجم
طالب في كلية الطب ـ جامعة جوتنجن ـ المانيا
29 سنة
|