اجتماعي (حياتنا)
    مودة ورحمة
    بنين وبنات
    المؤمنون أخوة
    ربّياني صغيرًا
    بنات أفكاري
    أنا وطني
عن عمرو خالد
ملفات خاصة
ثقافي (قلم وورقة)
تزكية (حي على الفلاح)
تنمية بشرية (أنت أفضل)
الجبن المالح القديم
الأقسام الرئيسية>اجتماعي (حياتنا)>ربّياني صغيرًا
التقيم الحالى لهذا المقال بناء على 226 رأى
من هنا يبدأ الحوار

الجبن المالح القديم

        ما إن سمعت أروى ومعها إسلام الذان لم يتعد عمراهما العشر سنوات صوت مفتاح يعمل في طبلة الباب حتى جريا نحوه ليستقبلا أبيهما كالمعتاد، ولكن استقبالهما له في هذه المرة اختلف عن استقبالهما  له في باقي المرات !، إذ لم تصدر منهما أي صيحات أو ضحكات، فلما لاحظ أبو إسلام حين انفتح الباب أن ترحابهما به اليوم  ليس كترحابهما به من قبل، وأن وجهيهما رغم ابتسامتيهما ترتسم على ملامحهما الحزن، قال : أرى ابتسامتين تتلألآن في وجهين صغيرين جميلين غير أنهما حزينان  !.. هل فعلتما ما جعل أمكما تعاقبكما ؟!، قالا : لقد عاقبتنا أمنا دون سبب وربنا !، .. قال : لم يا ترى ؟! .. قالا : اسألها !.

جاءت من ورائهما أمهما تضحك وهي تقول لزوجها : ادخل من فضلك أيها القاضي وسأشرح لك، بعدما أرحب بك وأقوم بواجبي نحوك، لقد استمعت لشكوى طرف واحد وما يكفي هذا لأن تصدر حكمك. فقال وهو يضحك : إني أكاد من فرط الجوع على الأرض أسقط، وأرجو من كلا الطرفين التزام الصمت حتى آكل وأشرب، بعدها أستطيع أن أنصت وأحكم. فقالا : ستأكل غذاءا ً عجيبا ً ..  جبنا ً مالحا ً قديما ً قدم أهرامات الجيزة !. فقالت : بل طبخت لك لحما ً طازجا ً لذيذا ً وأرزا ً وكوسة، وأعددت لك سلطة فواكه كثيرة !. فقال : لا أفهم تلك الفزورة !. فقالت : ادخل وستفهم.

وفوق المائدة المستديرة التي جلست حولها الأسرة الصغيرة وضعت الأم أمام الأب أطباق اللحم والأرز والكوسة وسلطة الفواكه الكثيرة، وقبل أن يمسك ملعقة أو سكينا ً أو شوكة قال لأروى وإسلام وهو يشير إلى الطعام : ليس هذا جبنا ً مالحا ً قديما ً وإنما طعاما ً شهيا ً لذيذا ً. فقالا : لم نكن نعرف أنك ستأكل طعاما ً لذيذا ً يختلف عن طعامنا اختلافا ً كثيرا ً. فقال : أيعني ذلك أنكما حقا ً أكلتما جبنا ً مالحا ً قديما ً ؟!، فقالا : نعم وربنا، وأكلته معنا أمنا الكريمة. اتسعت ابتسامتها الجميلة وقالت ببساطة شديدة : كان طعمها شهيا ً ولذيذا ً !، قالا : فقط بالنسبة لها، أما بالنسبة لنا فلم يكن كذلك بتاتا ً !، قال : لن أضع في فمي طعاما ً قط قبل أن تتضح أمامي معالم هذا اللغز.

قالت : هل تذكر تلك العجوز الضريرة التي عرفتها عن طريق صديقة والتي حكيت لك عنها كثيرا ً منذ مدة قليلة وأخبرتك بأنها فقيرة وتعيش وحدها وحيدة في عشة متواضعة صغيرة تقع في أقصى المدينة فأعطيتني نقودا ً لأنفق بعضها عليها وأضع البعض الآخر في  يدها لتصرف منه على شئونها، ففعلت ثم رجعت وأخبرتك بحالها. قال : نعم أذكرها. قالت : ذهبت اليوم إليها أنا وإسلام وأروى نحمل لها من نفس الأصناف التي أعددتها لك من طعام، فوجدنا في عشتها فوضى، فرتبتها ونظفتها بسرعة وساعدتني في ذلك أروى، كما ساعدني والحق يقال ابني إسلام إذ ذهب ونحن هناك إلى السوق وهو مكظوم ليشتري لها بعض الحاجات، فلما عدنا قدمت لهما ما أعددته مسبقا ً لهما ولي من طعام ويتكون من جبن قديم مالح وخبز جاف غير طازج، فلما اعترضا قلت لهما : ألم تريا حيث كنا هناك عجوزا ً ليس لديها من متاع الدنيا إلا الكفاف ؟!، ألم ترياها ضريرة تعيش عيشة بسيطة وليس لها في الحياة  معينا ً سوى الله ؟!، ألا يسركما أن تتصدقا بطعامكما الذي هو خير وتستمتعان بالذي هو أدنى إرضاءا ً لربكما الذي يؤتي من يرضيه أجرا ً عظيما ً ؟!، وقلت لهما .....

          هما بمقاطعتها فاستخدم أبوهما الملعقة كمطرقة طرق بها فوق المنضدة طالبا ً منهما الهدوء وإعطاء الفرصة للمتهمة للدفاع عن نفسها فيما هو منسوب إليها !، فالتزما الصمت وهما يكظمان الغيظ !.

وشرحت لهما قول الله العظيم في وصف المؤمنين : } وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ { الحشر 9 ، وقلت لهما : ألا يسركما أن تكونا مؤمنين، ثم قلت لهما إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قال : ( اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم )، وشرحت لهما معنى هذا القول وكيف أن دوام الحال يكون أحيانا ً من المحال، وأن الله اللطيف ربما يعافي العجوز ويوسع في رزقها يوما ً ما ثم يبتلينا بأكثر مما يرفضان، وأن من يعجز عن كبح جماح نفسه عن الشهوات يحيد عن صراط الله فيعيش كما يعيش الحيوان ويستمتع كما تستمتع الأنعام ، وأن كثرة الطعام تميت في القلب الحياة كما أخبرنا رسول الله، ورويت لهما كيف أن سيد الخلق كان يربط على بطنه الحجر والحجرين ليخفف ما يشعر به من آلام بسبب خلو معدته من أي طعام، وكيف أنه صلى الله عليه و سلم لو شاء لأصبح بمشيئة الله آن ذاك أغنى الأغنياء ومع ذلك فقد أخبرتنا زوجته أم المؤمنين السيدة عائشة أنه كان يمر الهلال ثم الهلال ثم الهلال أي حوالي شهران لا توقد في بيت رسول الله خلالهما أي نار، كانا يأكلان آنذاك الأسودين : التمر والماء، فالغنى غنى النفس وأغنى الناس من قنع بما تيسر له كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قلت لهما : فكيف لا تستطيعان.........

قاطعاها بأسئلة رمياها بلسانيهما الطويلين كما ترمى السهام : هل كان عمر بن الخطاب يقصد بهذا القول أروى وإسلام ؟!، وهل ربط رسول الله على بطنه الحجر وبجواره فاكهة ولحما ً وكوسة وأرزا ً ؟!، وهل فعلت جدتي معك حينما كنت في مثل عمرنا مثلما فعلت أنت معنا ؟!. فقال الأب وهو يضحك وعيناه من فرط الضحك تدمع : نعم .. هل فعلت حماتي معك فعلا ً يشبه تماما ً بتمام ما فعلت بأروى وإسلام ؟!.

قالت بوجه مشرق بالابتسام وتفيض ملامحه  بشعور بالامتنان : نعم .. فقد كنت وأنا صغيرة ومازلت حتى الآن وأنا كبيرة لا أحب بعض ما تنبت الأرض من خضار مثل الكوسة على سبيل المثال، وكنت إن لم آكلها في وجبة طعام مليئة بالأصناف لأن نفسي عنها تعاف كانت أمي تأمرني بأكلها حتى ولو تساوى طعمها في فمي بمذاق الدواء !، فإن أبيت بإصرار منعتني من الاستمرار في تناول باقي أصناف الطعام!، فإن غضبت  وانصرفت تتركني ولا تهتم حتى أجوع وأعود إليها في خضوع أسألها إحضار الكوسة وباقي الأصناف فتحضرها لي وتجلس بجواري على مائدة الطعام ليطمئن قلبها حين ترى فلذة كبدها تكبح جماح نفسها وتقهرها على الصواب، فلما اعتدت أن آكل كل الأصناف التي كان بيني وبينها خصام سألت أمي سؤال استفسار عن سر إصرارها باستمرار على أن آكل كل أنواع وألوان الطعام؟!، فقالت بحنان : ( لقد نشأت يا ابنتي يتيمة الأب والأم كما تعلمي، فدللني عمي الذي كفلني، كنت إن طلبت منه لبن العصفور لبى على الفور وإن قلت له أني لا أحب لبن الجاموس منع دخوله البيت، ولم أشأ يا بنتي أن تنشئي مدللة مثلي ) .. إنني اليوم مدينة لأمي بنجاحي في بيتي، فالكوسة التي لا أحبها يحبها زوجي، شاركته أكلها من قبل وأعددتها له اليوم في الوقت الذي حرمت فيه منها فلذتي كبدي إرضاء لربي وتربية لهما وترويضا ً لنفسيهما، إن ترويض النفوس أصعب من ترويض الأسود والنمور.

التفت إليها وقال :  أحسنت .. نعم الزوجة أنت ونعم الأم أنت يا أم أروى وإسلام، ثم قام بإبعاد أطباق الطعام وقال لها : هات لي الجبن المالح القديم قدم أهرام الجيزة والخبز الجاف بشرط ألا يكون قد ألقي من قبل في سلة القمامة !، فضحك الصغيران من فرط الاندهاش، فالتفت إليهما وقال : يجب أن تتعلما من أمكما مثلما تعلم منها أبوكما!، وأنصحكما أن تسلما لها نفسيكما الأمارتين بالسوء، فهي مروضة أسود ونمور !.

قال إسلام: سنفعل ولكن بشروط ؟!، فقال الأب: وما هي ؟!، فقال : أن تأتيا لنا بلبن العصفور!، وقالت أروى : وأن تحرما علينا شرب لبن الجاموس !، وقالت أمهما وقد فهمت سوء  قصدهما : وأن تأكلا  وجبة اليوم مرة في الأسبوع!.

 

                                                                                                                                                                          أ / خالد خليل الصيحي

  40سنة- مصري          

 مدير السلامة المهنية في أحد المشروعات الهندسية

سلطنة عمان

                   

                                                                         

تنبيه:لن يتم قبول التعليقات التي بغير اللغة العربية أو الانجليزية**
أضف تعليق
الاسم
البريد الالكترونى

*فقط من أجل التواصل ولن يتم عرضه بالموقع.
عنوان التعليق
التعليق

*الحد الأقصى للتعليق هو 750 حرف.

تعليقات الزوار
عبير2008-05-14
نعم التصرف
جزاك الله خيرا وبارك اللة فى اولادك
ام عمر الامين 2007-12-04
جزاك الله خيرا
جميلة القصة وبها معاني راقية يا رب يكرمك و يقدرنا علي تربية اولادنا علي هذة القيم
simsma2007-08-20
نعم الأم أنت
ليت جميع المسلمين يدركوا هذا الدرس ويربوا أبنائهم علي مثل هذا التفكير,إذا لما بات في الأمة فقير ولا محتاج.
هيثم مرتضى2007-08-09
جزاك الله خيرا
جزاك الله خيرا
حسينعبدالقوي2007-07-10
نعم القول
ما فيش انت فين علشان ابوسك

--- أضف تعليق ---
طباعة المقال
إرسال المقال لصديق
متصفح ملفات اﻷكروبات
متصفح ملفات اﻷوفيس
    صداقتنا أخوة رغم أنف التباعد
    البيضة أم الدجاجة؟
    غلطة ثمنها دموعي
جميع حقوق النشر محفوظة   Amrkhaled.net   1427 ©     هجرية     Managed By: ZADSolutions
برعاية