إلى شعب مصر العظيم: أقدّم عبدالله النديم

فى روايته التسجيلية «العودة إلى المنفى» كتب الراحل أبوالمعاطى أبوالنجا فى المقدمة: إلى شعب مصر العظيم أقدم واحداً من أبنائه، من أعظم أبنائه عبدالله النديم. الكاتب الراحل أبوالمعاطى روائى عظيم لم يأخذ حظه من الشهرة بالرغم من براعته وتميزه.

ولد النديم عام 1842 لعائلة فقيرة. بدأ تعليمه فى مسجد إبراهيم باشا بالإسكندرية إلا أنه أصيب بالملل من التعليم الدينى التقليدى وكان شاباً طموحاً فهرب من بيت والده ولم يكن يملك مكاناً ينام فيه ولا طعاماً يأكله، وطاف بالمقاهى يقول أشعاره ويدخل فى معارك زجلية مع المحترفين فى هذا الفن. وكان هذا الفن هو إحدى أدوات الترفيه فى ذلك الوقت وساعده ذلك على التعرف على كبار الأعيان من الباشوات مما وفر له قدراً من المال ولأنه كان معتزاً بنفسه وكرامته كان يعامل هؤلاء الباشوات بندية فلم يستطع الاستمرار فى هذا العمل.

 

وكان فى هذه الأثناء يذهب إلى الجامع الأزهر حيث استمع إلى شيوخ متنورين ومختلفين وتعرف على جمال الدين الأفغانى واستمع إلى أحاديثه فى قهوة ميتاتيا بالقرب من حديقة الأزبكية. وكان قد قابل موظفاً كبيراً متقاعداً وأصبحا أصدقاء وطلب منه النديم إيجاد وظيفة له وأقام فى منزله فترة. نصحه الصديق بأن يتعلم مهنة التليغراف وكان وسيلة الاتصال السريعة الوحيدة حينذاك، وتعلم بسرعة والتحق بوظيفة فى محطة بنها كعامل تليغراف وتعرف على أناس كثيرين، وبدأ يأخذ شعبية فى هذه المنطقة وبسبب براعته فى إرسال التليغراف تم ترشيحه كعامل تليغراف فى قصر الأميرة خوشيار هانم أم الخديو إسماعيل، ونصحه البعض بالتقرب من الخديو عن طريق موهبته فى الشعر والزجل. ورفض قائلاً إن القصر مكان ملعون لا يتركون لك حتى فرصة أن تكون منافقاً حقيراً.

 

قال لصديقه هذا الخديو الذى يلعنه بعضهم ويقدسه بعضهم، ويجهل الآخرون أنه سبب مصائبهم، وأنه ذكى ذكاء الأبالسة، وليس يعنيه فى شىء أن يلقى شعبه الهوان.

 

ترك القصر وانبهر بجمال الدين الأفغانى الذى قال له إنه يريد تجديداً للإسلام يكون أساساً لنهضة الشرق كما كان تجديد المسيحية على يد البروتوستانت أساساً لنهضة الغرب. وقال له صديق إن الأفغانى كان يشرب الكونياك فى بيته ويتحدث بأفكار الأوروبيين وكان مجلسه بالأزبكية يضم المسلمين والأقباط واليهود والشوام. وفى هذه الفترة كتب النديم مقالات نارية فى الصحف التى أصدرها سليم النقاش وانطلق فى القرى بلا عمل يحرض الفلاحين ضد الظلم حتى طردته السلطة وحرقوا عشته. ثم اشتكى لصديقه قائلاً إنه بلغ 35 عاماً وهو بلا عمل بينما جمال الدين الأفغانى يأخذ راتباً من الخديو، وفى عام 1878 قام بإنشاء الجمعية الخيرية الإسلامية ثم جمع قادة الأقباط وأنشأ الجمعية الخيرية القبطية وكلتاهما لبناء المدارس الابتدائية المجانية وكانت تعتمد على تبرعات الأهالى. ثم ألف رواية وقام التلاميذ بدور الممثلين وعرضها برسم دخول ولاقت إقبالا كبيراً وفيها شتم الكثير من الكبار الموالين للإنجليز نهاية بالخديو. واشترى بإيراد المسرحية ملابس شتوية للتلاميذ. وكتب الشيخ محمد عبده يؤيد النديم فى بناء المدارس ويدعو الدولة لمساعدته.

 

وفى عام 1879 حيث كان هناك قحط شديد فى مياه النيل رفع السلطان الضرائب بقسوة على الفلاحين. فبدأت مصر تغلى بسبب الفقر واستمر النديم ينتقل من مكان لآخر يخطب فى الجماهير. وفى عام 1881 توجه ثلاثة ضباط هم أحمد عرابى وعلى فهمى وعبدالعال حلمى وقدموا عريضة إلى رياض باشا رئيس الوزراء يطلبون إقالة وزير الحربية عثمان رفقى وتعديل قوانين الجيش لصالح مصر والمصريين. وفى لقاء النديم ومحمد عبده اتفقا أن عهد الاستقرار قد مضى وبدأت حملة توقيع الفلاحين بالأختام لتأييد عرابى ويومها وقف عرابى على حصانه يقدم طلباته للخديو الذى رفضها فقال عرابى نحن لسنا عبيدا ولن نورث بعد اليوم.

 

أصبح النديم ملازماً لعرابى وسمى محامى الثورة وشاعرها، وفى 11 يوليو 1882 يطلق الإنجليز مدافعهم على الإسكندرية ويتقدم الإنجليز وسط مقاومة باسلة فى كفر الدوار والقصاصين.

 

كان النديم وسط الجيش طوال الوقت يشد أزرهم، ويحرض الفلاحين على مساعدة الجيش المصرى. وبعد هزيمة عرابى واحتلال مصر اختفى النديم وبذلت الشرطة والإنجليز جهداً كبيراً للعثور عليه وأعلنوا مكافأة ألف جنيه لمن يدل عليه حتى قبض عليه بعد 9 سنوات من الاختفاء وتم نفى النديم إلى يافا فى فلسطين وبعد أن مات الخديو توفيق وتولى عباس حلمى الثانى قرر العفو عنه. وعندما عاد إلى مصر أصدر جريدة الأستاذ التى تحدثت عن هموم المصريين ونظم مجموعة من الشباب للعمل السياسى كان من بينهم الشاب مصطفى كامل.

 

خلع الإنجليز السلطان عباس حلمى وازدادت نبرة النديم حدة واستمر يهاجم الإنجليز حتى تم نفيه مرة أخرى إلى الأستانة وقابل هناك جمال الدين الأفغانى ومات فى الغربة. النديم واحد من أعظم أبناء مصر وقد خلد اسمه على عدد من المدارس والشوارع وصدر طابع بريد باسمه وترك بصمة فى قلوب الأحرار.

 

قوم يا مصرى مصر دايماً بتناديك.

*الدكتور محمد أبو الغار- نقلاً عن المصري اليوم


عن الكاتب

فريق التحرير

محررو الموقع

المقالات المتعلقة

مين يعرف

محمد جمال حليم يكتب: التكنولوجيا.. والهُوية الإسلامية

بقلم : فريق التحرير

لا يكاد يغفل عاقل ما يدعو إليه الإسلام من التعاطي مع مقومات العصر، وكل العصور، من أسباب التقدم والنهوض، وبهذا احتل المسلمون الأوائل مواطن السبق والريادة في كثير من العلوم والمعارف، وقد خطوا بأقلامهم في سجلات التاريخ ما تهفو إليه النفوس وتتعلق به القلوب لاسيما في عصر التردي والضعف.

مين يعرف

السيد العزاوى يكتب: الاستقامة طوق النجاة في الدنيا والآخرة!!

بقلم : فريق التحرير

جاء رجل إلي رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ وسأل قائلاً: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك. في التو واللحظة جاءته الإجابة من سيد الخلق ـ صلي الله عليه وسلم ـ وتتمثل في "قل آمنت بالله ثم استقم" إجابة مختصرة ولكنها تحمل في طياتها الكثير من المعاني. فبعد الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واستقراره في وجدان العبد.. يمضي في حياته مستقيماً يحفظ جوارح عما يغضب الله سبحانه. يصون لسانه عن تناول الآخرين حتي وإن تعرض للإيذاء من بعض الجهلاء. حتي المشي فوق الأرض يكون بالتواضع والمسلم حقاً يدرك هذه المعاني الطيبة التي يلتزم بها وتكسبه رضا رب العالمين ومحبة الناس الذين يتعامل معهم. العمل الجاد مهمة أساسية وصدق رب العباد حيث يقول: "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة هم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلاً من غفور رحيم" 30 ـ 32 فصلت.

مين يعرف

مسلمو ألبانيا.. البحث عن الهوية

بقلم : حمادة عبد الوهاب

دولة ألبانيا، التي تبلغ مساحتها 28,784 كيلومترًا مربعًا، تحتل في تاريخ شبه جزيرة البلقان مكانة جيوستراتيجية بالغة الأهمية؛ فأراضيها تمتد على طول الساحل الجنوبي للبحر الأدرياتيكي 316 كيلومترًا، ونحو الداخل، إلى جهة الشرق، تتسع مساحتها عرضًا بين 100 إلى 150 كيلومترًا. مرَّت بها تاريخيًا كل الطرق البحرية الرابطة بين موانئ اليونان وإيطاليا، ولاحقًا بين موانئ البندقية وتركيا. عرفت موانئ ألبانيا منذ العصور القديمة تطورًا مهمًّا ساهم بشكل مباشر في تنمية الاقتصاد الألباني وتنوع الحياة الثقافية للألبان.