صبر وتحمل النبى صلى الله عليه وسلم على أذى المشركين ودعوته لهم

تعرض النبى صلى الله عليه وسلم منذ أن أتاه الله الرسالة لأذى عظيم من المشركين، فقد صبر المصطفى على اليتم والفقر وتحمل أذى المشركين واعتدائه عليه وأصحابه فقد أذوه وسبوه واتهموه بالسحر والجنون، وقد قتل عمه حمزة فصبر واحتسب، وكان يأتيه بعض الملائكة كملك الجبال طالبًا منه أن يأمره النبى أن يطبق الجبال على كفار قريش إلا أن النبى صلى الله عليه وسلم صبر وتحمل، وقال عسى أن يخرج الله من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله.

فكان النبى رحمة مهداه فكان عفوًا متسامحًا صبورًا على الأذى ليعلم الصحابة رضى الله عنهم الصبر وتحمل الأذى فى سبيل الله؛ لإعلاء كلمة الحق ورفعة الإسلام ونشره في أرجاء الأرض.

وكان النبى كلما يزعجه كلام أعدائه، تذكر قول الله تعالى "فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ"، وقول الله تعالى "فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ".


- وقد روى أحمد والترمزى وابن ماجه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "لَقَدْ أُوذِيتُ فِي الله عَزَّ وَجَلَّ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَأُخِفْتُ في الله وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلاثُونَ؛ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَمَا لِي وَلِعِيَالِي طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا مَا يُوَارِي إِبِطَ بِلَال".
 
- روى البخاري في صحيحه، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى صعد الصفا، فهتف: يا صباحاه، فقالوا: من هذا؟، فاجتمعوا إليه، فقال:أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلًا تخرج من صفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟، قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قال أبو لهب: تبًا لك ما جمعتنا إلا لهذا؟، ثم قام فنزلت: تبت يدآ أبى لهب وتب، وقد تب، هكذا قرأها الأعمش يومئذ.
 
-  وقد ورد فى كتاب الأنوار في شمائل النبي المختار، ما رواه مسلم فى صحيحه عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ فَقَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابن عبد ياليل بن عَبْدِ كَلالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فإذا فيها جبريل فَنَادَانِي فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ قَالَ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ فَمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلابِهْم مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ به شيئًا.
 
- وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال، قال أبو جهل هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم، قال فقيل نعم، فقال واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن وجهه في التراب، قال فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال فقيل له ما لك فقال إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولًا وأجنحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا، قال فأنزل الله عز وجل لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى إن إلى ربك الرجعى أرأيت الذي ينهى عبدًا إذا صلى أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أرأيت إن كذب وتولى يعني أبا جهل ألم يعلم بأن الله يرى كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية كلا لا تطعه زاد عبيد الله في حديثه قال وأمره بما أمره به وزاد ابن عبد الأعلى فليدع ناديه يعني قومه.
 
- وروى عن أبي إسحق عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَجَمِيعُ قُرَيْشٍ فِي مَجَالِسِهِمْ إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ أَلا يَنْظُرُونَ إلى هذا المرأ أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى جَزُورِ آلِ فُلانٍ فَيَعْمِدُ إِلَى فَرْثِهَا وَدَمِهَا وَسَلاهَا فَيَجِيءُ بِهِ ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتَّى إِذَا سَجَدَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَثَبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدًا فَضَحِكُوا حَتَّى مَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنَ الضَّحِكِ فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إِلَى فَاطِمَةَ وَهِيَ جُوَيْرِيَةُ فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى وَثَبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدًا حَتَّى أَلْقَتْهُ عَنْهُ وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلاةَ قَالَ اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ ، ثُمَّ سَمَّى اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَعِمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ القليب لعنة .
 
- وأخرج مسلم في صحيحه عن قبيصة بن المخارق وزهير بن عمرو - رضي الله عنهما قالا: لما نزلت {وأنذر عشيرتك الأقربين}، انطلق نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى رضمة جبل ، فعلا أعلاها حجرًا، ثم نادى: « يا بني عبد مناف إني نذير لكم، إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو»، فانطلق يربأ أهله ، فخشي أن يسبقوه، فجعل يهتف:« يا صاحباه».
 
- وروى البخاري في صحيحه، عن علي بن عبد الله حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي قال حدثني يحيى بن أبي كثير، قال حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، قال حدثني عروة بن الزبير قال قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه فخنقه به خنقا شديدا فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم.

وفي يوم غزوة أحد كُسرت رَباعيته صلى الله عليه وسلم ، وشُجَّ وجهـه الشريف، وأثخنته الجراح وهو صـابرٌ محتسبٌ؛ ففى الحديث الذى رواه البخارى ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه، يقول: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ».
 

عن الكاتب

وليد سلام

كاتب وصحفي

المقالات المتعلقة

الدين للحياة

إساف ونائلة.. قصة تحويل المدنس إلى مقدس

بقلم : حمادة عبد الوهاب

الزمن كفيل بتغيير كل شيء من حال إلى نقيضه، وهذا الأمر يحدث مرارا، وسنتحدث في تقريرنا عن واحد من الأدلة على صدق هذه المقولة، وهي قصة إساف ونائلة إلى تحولا فيها الشخصان من زناة إلى صنمين تعبدهما القبائل العربية وعلى رأسها قريش، وكانت تذبح عندهما الذبائح.

السيرة

بالفيديو.. لماذا لم يذُكر تاريخ مولد النبي في القرآن الكريم؟

بقلم : فريق التحرير

قال الشيخ مجدي عاشور المستشار العلمي لمفتي الجمهورية إن القرآن الكريم أورد الكثير من القصص حول الأنبياء والرسل، مضيفًا أن عند الحديث عن ذكر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فلم يأتي ذكر عن مولده وحياته كبيت الشعر "هُو البَحْرُ من أيِّ النًّواحي أتيته * * * فلُجَّتُهُ المعروفُ والجُودُ ساحِلُهْ".

إفهم دينك صح

معجزة الإسراء.. أحداث الرحلة بين مكة والقدس

بقلم : رباب حسن

أحل الليل وانشق الصدر؛ فبدأت مراسم رحلة الإسراء من مكة إلى أرض مهجر الأنبياء؛ فعرج  الحبيب إلى الملأ الأعلى عند سدرة المنتهى ، كما تُعتبر الإسراء والمعراج في العقيدة الإسلامية معجزة ضخمة من معجزات النبوة المحمدية؛ فقال الله -عز وجل- ""سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً".