الدكتور عمرو خالد يكتب: سر رفض النبي القبول بالسلطة

فى أواخر السنة الخامسة من بعثة النبى، عملت قريش على تغيير استراتيجيتها تجاه المسلمين، فأوقفت مؤقتًا الإيذاء البدنى ضدهم، ولجأت إلى المفاوضات والمساومات والوساطات، وكل أنواع التفاهمات مع النبى، ولذلك أسباب ثلاثة:

الأول: بإسلام حمزة بن عبدالمطلب، وعمر بن الخطاب، اكتسب المسلمون مركز ثقل كبيرًا داخل المجتمع المكى، ليس فقط لما كانا يتمعتان به من قوة عضلية، بل لما عرف عنهما من تميز ونجاح، فتوقفت قريش عن إيذاء النبى.
 
وفى هذا قيمة كبرى لمن أراد أن يخدم الإسلام، وهو أن النجاح فى الحياة والمعاملات هو ما يمكن أن تقدمه لدينك، فالفشل لن يفيده فى شىء، ولأن الإسلام ليس ضد الحياة، فالمسلم الناجح فى حياته وعمله، وغير المنعزل عن مجتمعه هو الذى يخدمه فى الحقيقة، لأنه ينفى وقتها بصورة عملية الصورة المشوهة عن ذلك الشخص المتدين المرتبط بدينه.
 
السبب الثانى: عدد المسلمين وقتها كان ٥٠ مسلمًا، ولم يكونوا منعزلين عن باقى أفراد المجتمع، بل كانوا يعيشون حياتهم بشكل طبيعى، يزورون عائلاتهم، ويخالطون الجميع، ويتعاملون معهم، لم يكونوا منعزلين، كما يفعل بعض المتدينين الآن، فتجده منغلقًا على نفسه، رافضًا الاختلاط بأحد، تحفظًا على سلوكه، أو رفضًا لمظاهر معينة داخل المجتمع، على الرغم من أن النبى صلى الله عليه وسلم يقول: «المؤمن الذى يخالط الناس ويصبر على آذاهم خير من الذى لا يخالطهم».
 
السبب الثالث: أن قريش مجتمع متحفظ على تقبل أى فكرة جديدة، كما تواجه الأفكار الجديدة فى أى مجتمع آخر من العالم بالتحفظ والرفض فى البداية، فمرت العلاقة بثلاث مراحل أساسية، الأولى تجاهل، والثانية رفض وإيذاء وسخرية، انتهاءً بالمفاوضات والمساومات.
 
بدأت قريش المفاوضات مباشرة مع النبى صلى الله عليه وسلم، فعرضوا عليه «نعبد إلهك يومًا وتعبد إلهنا يومًا، وتعبد إلهنا سنة، ونعبد إلهك سنة»، فجاءهم الرد الحاسم من الله: «قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ».
 
لم تفلح المفاوضات المباشرة، فلجأت قريش إلى المساومات، فاتفقت فيما بينها على أن تعرض عليه خمسة أشياء: «مال، نساء، وجاهة، حكم، علاج»، وفوضت عتبة بن ربيعة ليطرح هذا العرض على النبى: «إن كنت تريد مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تفعل هذا الذى تفعله ليكون لك الشرف علينا، سودناك علينا، يعنى أصبحت قائدًا لنا، فلا نقطع أمرًا حتى نستشيرك، وإن كنت تفعل هذا الذى تفعله تريد به لتتزوج امرأة جميلة زوجناك أجمل بنات العرب، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك شىء من الجن أتينا لك بالأطباء لكى نعالجك».
 
ظنت قريش أنها بكل ما سبق من عروض يمكن أن تُغرى النبى من أجل أن يوقف دعوته، لكنه رفضها، ولم يقبل بأى منها، دون أن يحتد أو ينهر الوسيط، ورد عليه بكل هدوء: «أفرغت يا أبا الوليد، قال عتبة: نعم، قال: فهل تسمع منى، قال: نعم قل يا ابن أخى، قال: والله ما أريد شيئًا من هذا الذى عرضت، ولكن اسمع منى، وبدأ يقرأ سورة فصلت، والرجل يستمع إليه، حتى وصل للآية «فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ»، فوضع عتبة يده على فم النبى، وقال له: ناشدتك بالرحم».. خاف مما قال فأمره بأن يتوقف عن الكلام».
 
فلما انصرف عتبة، ورآه سادة قريش عائدًا من بعيد، قالوا: لقد عاد عتبة بغير الوجه الذى ذهب به، قال لهم: إن أردتم الرأى منى.. دعوا محمد وما يقول، قالوا: سحرك يا أبا الوليد. سأتوقف عند رفض النبى للحكم تحديدًا، فقد يقول قائل: لماذا رفض على الرغم من أن ذلك كان سيختصر عليه بضع سنوات، سيضطر خلالها إلى الهجرة للمدينة، ومن ثم الانتظار لفترة حتى يستطيع المسلمون أن يشكلوا قوة تسمح لهم بالدخول إلى مكة. 
 
فلماذا رفض إذن؟، لأنه كان لا يخطط لهذا من الأساس، لم تكن تلك غايته، ولا الهدف الذى يتطلع إليه أبدًا، بل كان يخطط ليصلح.. ثم بعد ذلك الملك لله.. يضعه حيث يشاء «قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِى الْمُلْكَ مَن تَشَاء»، ولو كان قبل كان لأجبرهم على الإسلام، وهذا يتنافى مع المبدأ القرآنى العظيم «لاَ إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ».
 
لو كان قبل بالعرض، لكانت الغاية تبرر الوسيلة هى ديدنه، فحتى ينتصر الإسلام لا بد أن نقتل ونذبح، لكن الغايات العظيمة لا تتحقق إلا بالغايات العظيمة، لهذا السبب رفض القبول بالحكم، ولو كان قبل لأصبح الإسلام دينًا يقبل الالتواء، لكنه رفض وتحمل ضغط قريش حتى يصل الإسلام نقيًا.

عن الكاتب

عمرو خالد

عمرو خالد

المقالات المتعلقة

الدين للحياة

الدكتور محمد مختار جمعة يكتب: الإسلام وحقوق الإنسان

بقلم : فريق التحرير

لقد كرم الإسلام الإنسان على إطلاق إنسانيته بغض النظر عن دينه أو لونه أو جنسه أو عرقه ، فقال سبحانه فى محكم التنزيل : ” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آَدَمَ ” (الإسراء: 70) ، ولم يقل كرمنا المسلمين وحدهم ، أو المؤمنين وحدهم، ولا الموحدين وحدهم، ولا المتدينين وحدهم.

الدين للحياة

السيد العزاوى يكتب: نبي الهدي ورسول الإنسانية

بقلم : فريق التحرير

ومازلنا في شهر ميلاد نبي الهدي ورسول الانسانية نتأمل المسيرة المحمدية باجوائها العطرة التي تشرق الأنوار من كل جوانبها فقد سعدت أم القري بهذا النبي الأمي الذي ملأ سماءها باخلاقه الكريمة وصبره وقوة تحمله علي إيذاء كفار مكه ووقوفهم في طريق نشر دعوته بكل الوسائل لكن كل ذلك لم يثنه عن المضي في ابلاغ الناس رسالة ربه بكل سعة الصدر ونشر الطمأنينه في قلوب كل من استجاب لدعوته. ولم تصدر منه صلي الله عليه وسلم أي الوان من العداء لهؤلاء الاعداء وانما كان صلي الله عليه وسلم يتجه إلي ربه سبحانه وتعالي طالبا الهداية لهم وكانت دعواته المشهورة التي سجلتها كتب السيرة والتراجم باحرف من نور فقد كان يسأل ربه قائلا بكل رجاء "اللهم اهد قومي فإنهم لايعلمون" ولعل أفضل موقف لهذا الرسول صلي الله عليه وسلم حينما خرج من الطائف حزينا علي عدم استجابة أهلها لدعوته صلي الله عليه وسلم وجاءه في هذه اللحظات أمين وحي السماءجبريل عليه السلام وقال له: يامحمد أن أوامر الله تتضمن ان طبق هذين الجبلين المحيطين بمكه علي أهلها تطيبا لخاطرك ومواساة لك علي هذا الموقف السيء لأهل الطائف لكنه صلي الله عليه وسلم رفض بكل قوة قائلا: دعهم يا أخي ياجبريل لعل الله يخرج من اصلابهم ذرية يعبدون الله. 

الدين للحياة

الدكتور عباس شومان يكتب: دفع الصائل

بقلم : فريق التحرير

الصائل هو المعتدى على غيره بغير حق بقصد سرقة ماله أو انتهاك عِرضه أو سفك دمه أو اغتصاب أرضه، وللمعتدَى عليه عندئذ شرعًا أن يدفع المعتدى بما يراه مناسبًا لدفع شره وعدم تمكينه من النَّيْل من عِرضه أو دمه أو ماله أو أرضه ولو كان بقتل الصائل، يقول الله تعالى: «فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ»، وسُئل رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، عن رجل جاء ليأخذ مال آخر عدوانا، فقال للسائل: لا تعطه إياه. قال السائل: أرأيت إن قاتلنى؟ قال: قاتِله. قال: أرأيت إن قتلنى؟ قال: فأنت شهيد. قال: أرأيت إن قتلتُه؟ قال: فهو فى النار. وكلنا يحفظ قول النبى، صلى الله عليه وسلم: «مَن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومَن قُتل دون أهله فهو شهيد، ومَن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومَن قُتل دون دمه فهو شهيد».