تجديد الخطاب الديني.. "مكلمة" جلس على مائدتها الباحثون عن المال والشهرة 

 يعلل العديد من المفكرين السياسيين أزمة التشدد الموجودة حاليا وانتشار التكفيريين في ربع المعمورة، بسبب الخطاب الديني، الذي يطالب أغلب هؤلاء المفكرين بتعديله، وتجديده، بصورة ربما تسعى لنسف كل ما هو قديم، وهدم كتب التراث، بدعوى أنها أصبحت غير مناسبة مع التقدم التكنولوجي الذي يعيشه العالم في أيامنا الحالية.

 ومع تركيز المتحدثين حول أزمة الخطاب الديني، أصبح من المعتاد صدور بيانات نمطية حول الحديث في هذه القضية، حتى أن المتابعين أصبحوا يتوقعون فحوى كل بيان مع تكرار الأزمة، يبرز فيها الخطاب الديني كجزء منها وليس جزءاً من الحل، وهذه ظاهرة متكررة وملموسة، ما أصاب الناس بملل من الفتاوى والبيانات الشرعية قبل صدورها.
 
 وفتحت الأزمة في الحديث عن تجديد الخطاب الديني، الباب لكل من شاء أن يدلي بدلوه في المطالبة بهدم التراث، وتجديد الخطاب، دون أن يضع روشتة عملية لمطالبه، وسرعان ما تقمّص هؤلاء شخصية العلماء، وأصبحوا يلوكون عبارات الاجتهاد والإفتاء، ومثل هؤلاء أيضاً مَن دفعتهم جماعاتهم الدينية، وزجّت بهم في المجتمع بعمائم وجبب لم يكن تحتها ما يكفي من التكوين العلمي، محاولة منهم للتأثير في المجتمع دعوياً أو سياسياً، لكن هؤلاء سرعان ما يتجاوزون هذا المقصد الدعوي أو السياسي ليجدوا أنفسهم في دائرة الإفتاء ومعترك الاجتهادات والاختلافات الفقهية المعقدة.
 
 ودخلت على الخط الصحف والفضائيات، التي ظهر مقدمو البرامج فيها بدور الوعاظ أيضا، حتى حدثت حالة من البلبلة لتصدر الجميع في الحديث عن الخطاب الديني.
 
 أزمة تبحث عن حل
 
وفي هذا الإطار تتمثل عدة أمور ساهمت في أزمة الخطاب الديني، ومنها:
 
 لي عنق النص الديني بما يخدم المصالح الحزبية والفكرية التي يعتنقها بعض العلماء، الأمر الذي أدى لحالة من الشتات بين الناس، وغابت معها المصلحة الحقيقية للشرع.
 
 وبين هؤلاء وأولئك يظهر فريق ثالث وهو في الغالب متذمّر من الفريقين، فيدفعه تذمّره هذا إلى تبني الموقف المتشدد أياً كانت نتائجه، وهذا لا يهمه الواقع ولا ما ستؤول إليه الأمور، بل هو يلجأ إلى ما يسميه الثوابت، وهذه كلمة مضللة بعض الشيء، فإدارة الأزمات لا تحكمها الثوابت المطلقة، ولا المبادئ العامة، ولا يوجد في العالم ولا في التاريخ برنامج لإنقاذ المجتمعات يستند إلى الثوابت المجردة، فهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استجار بمشرك لحمايته، وهاجر وهادن، وقاتل وصالح، وقدّم وأخّر، وساكن اليهود والمنافقين وتحالف مع بعض المشركين، وكتب وثيقتين واحدة مع اليهود وأخرى مع قريش.
 
 تعامل كثير من المتحدثين مع النص الديني بطريقة معكوسة، فهو يتبنى الرأي أولاً ثم يعود إلى النصوص، ليبحث فيها عما يؤيّد فكرته، ولذلك هو لا يقرأ القراءة البحثية الشاملة، بل هو يميل إلى ما يسمى بالقراءة الانتقائية، والتي تجعل السامع في كثير من الأحيان يسمع عن هذا الشيخ سرداً من النصوص مختلفاً عن النصوص التي يسمعها عن شيخ آخر، ومعنى هذا أن الخلاف لم يعد منحصراً في الاجتهاد والفتاوى، بل في النصوص أيضاً.
 
 ليست في المناهج بل في المتطفلين
 
 في غضون ذلك، يؤكد الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، في أحاديث عن الخطاب الديني، أن الأزهر يقوم بمجهود كبير فى تجديد الخطاب الدينى، موضحا أن الإسلام فى الفترة التى عاشها النبى إذا سألت عنه فى أوله فهو غير أوسطه وقبيل وفاته ، فبنائية الإسلام تمت بطريقة التدريج حتى أكتمل الإسلام وهذا هو التجديد وكثير من الأحكام ظهرت ثم نسخت ثم بعضها خفف وبعضها شدد، ومثال ذلك الربا والخمر.
 
  وأضاف شيخ الأزهر، استمرار التجديد فى عهد الصحابة حتى أنهم أجمعوا على وقف سهم من مصارف الزكاة مذكور فى القرآن، فقد أجمعوا بعد وفاة النبى على وقف الصرف لهذا السهم مع أنه مذكور فى القرآن، وهذا مع التجديد لأنهم أدركوا أن الحكم مرتبط بعلة وهذه العلة لم تعد موجودة ، وصار على هذا الضرب علماء الأمة .
 
 كما يقول الدكتور علي جمعة، مفتى الجمهورية السابق، عضو هيئة كبار العلماء، أننا نفرق بين تجديد الخطاب الدينى والإصلاح، والتجديد أن اسلافنا قاموا بواجب وقتهم، ويجب علينا أن نقوم بواجبنا، ويجب أن ندرك دقة فهم النص وفهم عميق للواقع وملكة التطبيق ، فالأزهر يؤدى دورًا دائما فى الريادة عبر مئات السنين.
 
وتابع: "نحن لا نتهم سلفنا ولكن نؤمن بتجاوز الأعصار وأنها تتغير ونفرق بين التجديد والتبديد فهناك عقليات قد تكون حسنة النية تريد أن تحل هم وقع فى القلوب لحال المسلمين والأمة الإسلامية أو قد تكون سيئة النية أو لا نية لها أصلا من غباءها، فملامح التبديد واضحة تتميز بالقدح فى اللغة والتبديد له معالم يجب علينا أن ندرسها وننطلق من خلالها". 
 
 وتابع: "من مائة عام وهذا التبديد يعمل، فنحن أمام تجديد يلتزم بالقواعد ويعرف المآلات ويحاول أن يكون الله مقصوده حتى ينجح مقصوده".

عن الكاتب

محمد كمال

كاتب ومحرر صحفي في الشئون الدينية ومحرر برلماني

المقالات المتعلقة

فتاوي

الدعوة للجهاد في مصر ضد الجيش والدولة

بقلم : حمادة عبد الوهاب

ما حكم ما يحدث في مصر من حملات التخريب لمنشآت الدولة المصرية والقتل الموجَّه لرجال الجيش والشرطة والمدنيين ودور العبادة من كنائس ومساجد، وهي التي تقوم بها التنظيمات الإرهابية تحت دعوى الجهاد في سبيل الله، ويَعُدُّون مَن لم يوافقهم على رأيهم وخروجهم ومقاومتهم للجيش والدولة مِن أعداء الإسلام المناصرين للمرتدين.

إفهم دينك صح

الاحتفال بمولد النبي.. لماذا يحرمه علينا هؤلاء؟

بقلم : رباب حسن

نعيش في تلك الأوقات نفحات من ذكرى المولد النبوي الشريف، وهي من المناسبات الدينية التي يعبر بها المسلمين عن ايمانهم، حيث كرَّم الله تعالي يوم مولد النبي، وجعلها أيام سلام؛ فقال سبحانه "وسَلَامٌ عليه يَومَ وُلِدَ"، ويومُ ميلاد النبي -صلي الله عليه وسلم- سببُ كلِّ نعمة في الدنيا والآخرة.

مين يعرف

المسلم ما بين الإيجابية والسلبية.. فكيف يحقق الأولى ويبتعد عن الثانية؟

بقلم : خلود علي

الإيجابية حالة في النفس تجعل صاحبها مهمومًا بأمر ما، ويرى أنه مسئول عنه تجاه الآخرين، ولا يألو جهدًا في العمل له والسعي من أجله، والإيجابية تحمل معاني التجاوب، والتفاعل، والعطاء، والشخص الإيجابي: هو الفرد، الحي، المتحرك، المتفاعل مع الوسط الذي يعيش فيه.