وزير الأوقاف يكتب: نحو إعلام ديني رشيد

الإعلام صناعة وفن ورسالة. ولا ينكر دوره وأهميته إلا مغيب عن الواقع. وقد سلك الإعلام في العقود والسنوات الأخيرة دروباً ومسالك عديدة. وصارت الدول العظمي تتخذ منه أكبر سلاح بتار في تأديب خصومها. فقد أخذت التكتلات الإعلامية تشق غمار الكون وعباب محيطاته الواسعة. شأن الشركات متعددة الجنسيات عابرة الحدود والقارات. في محاولة السيطرة وبسط النفوذ. في عالم لا مكان فيه لغير الأقوياء والنافذين. 

وإذا كان لكل شيء قيمة وضوابطه ومواثيق شرفه فإن الإعلام الديني يجب أن يكون في المقدمة من ذلك كله. لطبيعته الخاصة. ولكونه أحد أهم المكونات الثقافية للمجتمع. ولكونه أحد أهم عوامل التواصل في الخطاب الديني من جهة الانتشار علي أقل تقدير. 

وإذا كنا نبحث عن خطاب ديني رشيد فلابد أيضاً وفي المقدمة أن نهيئ مناخاً إعلامياً رشيداً للخطاب الديني. وأول ركائز هذا الخطاب هو اختيار الشخصية التي ستقوم بتقديم الخطاب الديني. بحيث تكون شخصية مثقفة ملمة بأساسيات الخطاب الديني. معروفة بوسطيتها واتزانها دون إفراط أو تفريط. لأن نقدم أي عمل مهما كانت مهنيته فإن ملامح شخصيته وتكوينه الثقافي سيكون أحد أهم المؤثرات في توجيه الخطاب أو توجيه الضيوف أو إدارة الحوار أو طريقة طرح الأسئلة والتعقيب علي المناقشات. وكلما كان المقدم موضع تقدير غير محسوب علي أي اتجاه من اتجاهات الإفراط أو التفريط كلما استطاع أن يجمع الناس حول فكرته بعيداً عن الاستقطاب والاستقطاب المضاد. 

ثم يأتي أمر اختيار الضيوف. ولنا عدة ملاحظات: أولها وهو الخطأ الأفدح الذي يتمثل في استضافة أناس غير متخصصين ولا علاقة لهم بالشأن الديني من الدخلاء الذين يقحمون أنفسهم بلا مؤهلات علي عالم الدعوة والفتوي. علي أن ثمة فرقاً بين من يعبر عن رأيه الشخصي وبين من يسوق نفسه علي أنه أحد علماء الدين. وإن كان أكثر هؤلاء الدخلاء لا يعينه سوي الظهور أمام أتباعه حتي لو علم مسبقاً أنه سيتعرض لكشف حقيقته أو لشيء من الحرج. لأن كل ما يعنيه هو وضع قدمه في هذه المنطقة وإثبات أن رأيه مما يستمع إليه في عالم الفتوي والدعوة. وأنه يقف علي مسافة مقابلة أو موازية لأهل العلم الحقيقيين. وهو ما يعطيه مساحة أوسع لدي الخدوعين فيه أو التابعين له أو المنتفعين من تأييده. 

الخطأ الثاني: هو عندما يكون الحديث في صورة الاتجاه المعاكس فإن المواجهة في كثير من الأحوال لا تكون بين الغلو والاعتدال. ولا بين التفريط والاعتدال. إنما تكون بين أقصي الغلو وأقصي التفريط. مما يعطي نموذجاً سيئاً للمتحدثين باسم الفكر الديني ويزيد كل طرف من طرفي النقيض تمسكاً بقناعاته بأصحابه. هروباً من الذهاب إلي أقصي الطرف الآخر المناقض لأيدلوجياتهم. وفي هذا يجب أن يكون الوسط والاعتدال حاضراً في أي مناقشة موضوعية. وأن ننأي عن استضافة الأطراف الشاذة المنفرة. سواء من أقصي اليمين أو من أقصي الشمال. 

الخطأ الثالث: مبادرة بعض الصحف أو المواقع إلي نشر بعض الآراء والفتاوي الشاذة لبعض المحسوبين علي بعض التيارات المتطرفة. وربما بحسن نية لكشفهم. غير أن التحليل النفسي يؤكد أن بعض هذه الشخصيات ربما تعمد إلي الإثارة لتكون حاضرة علي الساحة لا أكثر ولا أقل. حتي لو كان وجودها علي سبيل هجائها أو النيل منها. لأنها تريد أن تكون موجودة فحسب بغض النظر عن طريق وجودها. ولو أننا أهملنا هذه الظواهر لماتت من تلقاء نفسها ولما تجرأ أمثالها علي هذه الشذوذ. 

وقد صدرت مقالي بعنوان رؤية للنقاش لأؤكد أن هذا الطرح قابل للنقاش. للرأي والرأي الآخر. فأنا لا أخطئ الآخرين في مسالكهم أو رؤاهم فيما هو قابل للحوار والنقاش. ولا أريد أن أحمل أحداً علي اتجاه واحد. إنما أعرض رؤية أراها من وجهة نظري ربما تسهم في غلق كثير من أبواب فوضي الخطاب الديني. وأنها جديرة بالنقاش والحوار علي أقل تقدير. مع احترام كل الآراء ولو تباينت الرؤي.

نقلا عن جريدة الجمهورية.

عن الكاتب

فريق التحرير

محررو الموقع

المقالات المتعلقة

مين يعرف

"مسجد الجامع".. أكبر وأضخم ملتقى لمسلمي الهند في دلهي

بقلم : نورهان عبدالناصر

تدخله فتشعر وكأنك في حلم لا تريد الاستيقاظ منه، يحيطك من جميع الجوانب الزخارف، والبيوت التي ترجعك إلى الهند القديمة، مسجد الجامع، هو المسجد الرئيسي في دلهي القديمة بالهند، كما أنه من أكبر المسجد في الهند، حيث يتسع لخمسة وعشرين ألف مصل.

مين يعرف

بالصور.. مسجد "بوترا" تحفة معمارية إسلامية في ماليزيا

بقلم : خلود علي

يعتبر مسجد "بوترا جايا" فى ماليزيا، من أجمل المساجد على مستوى العالم، ويلقب بالمسجد الزهري، فهو واحداً من أبرز معالم سيلانجور، وأحد أكبر المساجد بماليزيا، يتميز بروعة تصميمه التي لا نظيراً لها.

مين يعرف

فرقة المَاتُريدِيَّةُ.. العقل أساسهم لتفسير المناهج الإسلامية

بقلم : نورهان عبدالناصر

المَاتُريدِيَّةُ هي مدرسة إسلامية ظهرت في أوائل القرن الرابع الهجري في سمرقند من بلاد ما وراء النهر، ويُنسب أسمها إلى إمامها ومؤسسها أبي منصور الماتريدي، المولود ببلدة ماتريد، وهي من بلدان سمرقند فيما وراء النهر، وتلقى علوم الفقه الحنفي والكلام على أحد كبار علماء ذلك العصر، وهو نصر بن يحي البلخي وغيره من كبار علماء الأحناف، وتتلمذ عليه بعض المشاهير فكان له مناظرات ومجادلات عديدة مع المعتزلة في الأمور التي خالفهم فيها، واتحد مع الأشعري في محاربه المعتزلة وكان معاصرا له، ولم تُعرف تلك الفرقة بهذا الاسم إلا بعد وفاته.