التحرش بالأطفال وباء مجتمعي يخرج شخصًا مشوَّهًا

التَّحرُّش الجنسيَّ بالطِّفل قد يدمِّره نفسيًّا، ويخرجه إلى المجتمع شخصًا مشوَّهًا يحمل في قلبه العداوة لمن حوله، والتحرُّش الجنسي بالأطفال من الكبائر، ومن أشنع الأفعال وأقبحها في نظر الشرع الشريف، ولا يصدر هذا الفعل إلا عن ذوي النفوس المريضة والأهواء الدنيئة التي تَتَوجَّه همَّتُها إلى التلطُّخ والتدنُّس بأوحال الشهوات بطريقةٍ بهيميةٍ، وبلا ضابط عقليٍّ أو إنسانيّ.

جريمة "التحرش" تعتبر صور من صور انتهاك الأعراض، وحيث أن مفهوم "التحرُّش الجنسي بالأطفال "هو جعل الطفل محلًّا لوقوع أفعال وسلوكيات جنسيَّة عن طريق التلامس، أو غيره من الحواس كالسمع والبصر، وسواءٌ أكان يفهمها أو يعيها، أو لا، وحيث أن هذه الأفعال هي من الفحش والتفحُّش الذي أخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ربه عز وجل قال "إِنَّ اللهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيء".                         

ويشمل التحرش الألعاب الجنسية، والاتصال الجنسي الذي يتضمن المداعبة بكافة أشكالها، إضافة لتعريض الطفل للمشاهد الإباحية، أو وضعه فيها، أو استخدام الطفل لإشباع الرغبات الجنسية لبالغٍ أو مراهقٍ، وكما أن الشريعة قد ألزمت الأب بالإنفاق على الصغير الذي لم يبلغ مرحلة البلوغ، وحتى لو بلغ إذا كان عاجزًا عن الكسب، فمناط الحكم هنا هو ضعف العقل وعدم اكتمال الإدراك الذي قد لا يميز معه حقيقة الفعل الواقع عليه.

ولقد اهتمَّتِ الشريعة الإسلامية بالطفل، فجعلت له حقوقًا وعَمِلَتْ على حمايته والمحافظة عليه؛ بدءًا من اختيار أمه؛ حيث قال النبي -صلى الله عليه وسلم-"تَخَيِّرُوا لِنُطَفِكُمْ، وَأَنْكِحُوا الْأَكْفَاءَ، وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ"، وكما اهتمت الشريعة بالطفل وهو جنين في بطن أمِّه حتى بلوغه؛ حيث منحته حقوقًا متعددة، وشرعت له من الأحكام ما يكفل استمراره وبقاءَه واستمرار نموه، وقررت عقوبات على من يعتدي عليه.

ومن ضمن حقوق الطفل: "حسن المعاملة والرأفة والرفق به ورعايته وحمايته، واتِّباع الطريقة المثلى في تربيته وتأديبه وتوجيهه"، بل إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد عدَّ إهمال القائم على الصغير من أكبر الإثم فقال"كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ"، وكما اهتمت الشريعة بالصحة النفسية للصغير، وتنشئته معافًىً نفسيًّا؛ لأن الصحة النفسية هي أساس أمن المجتمع وسلامته وانسجامه.

 فحرص الشرع على ملاعبته في الوقت الذي يحتاج فيه إلى الملاعبة، وعلى تأديبه في الوقت الذي يحتاج فيه إلى تأديب، وحرص أن يكون تأديبه برفقٍ دون عنفٍ، وشدَّدَ على تعليمه الصلاة؛ لأنها أساس الاتِّزان النَّفسي والقوَّة الروحيَّة التي سيواجه بها الحياة بعد ذلك؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قبَّل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحسن بن عليٍ عليه السلام وعنده الأقرع بن حابسٍ التميمي جالسًا، فقال الأقرع: "إن لي عشرة من الولد ما قبَّلتُ منهم أحدًا"، فنظر إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: "مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ".

كما أنَّ الشرع قد بين أنَّ أهم عناصر السلامة النفسية للصغير هو ضبط المعلومة الجنسيَّة التي قد تصل إليه عن طريق إحدى حواسِّه؛ بحيث لا يتأذى الصغير نفسيًّا بمشهدٍ لا يجوز له رؤيته، أو معلومة صادمةٍ في مرحلة عمريَّةٍ يعيشها؛ وهذه هي الحكمة مِن شرع الأحكام.

وأمر بالتفريق بين الجنسين في المضاجع عند بلوغ سنِّ التَّمييز؛ حفاظًا على الصغير والصغيرة؛ فعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ"

وجاءت الشريعة الإسلامية لتحقيق مقاصد الشريعة الكلية "حفظ النفس، والعرض، والعقل، والمال، والدين"، وكذلك حرص الإسلام على المحافظة على كرامة الإنسان وعِرضه، ومن عظمة الشريعة أنها ارتقت بها من رتبة الحقوق إلى رتبة الواجبات.

 ولم تكتف بجعلها حقوقًا للإنسان حتى أوجبت عليه اتخاذ وسائل الحفاظ عليها، ثم جعلتها مقدمة على حقوق الله المحضة؛ فتقرر في قواعدها، وحيث أنَّ حقوق الله مبنيَّة على المسامحة، وحقوق العباد مبنية على المُشَاحَّة؛ فلا يبرأ الإنسان من عهدتها حتى يؤدي الحقوق لأصحابها.

 وجعلت الشريعة انتهاك الحرمات والأعراض من كبائر الذنوب، كما أفردت الحفاظ على الأعراض بمزيد احتياط، فلم يكتف الشرع بتحريم الاعتداء عليها، بل حرَّم كل الطرق والوسائل التي قد تؤدي إلى ذلك؛ فحرم النظرة، والخلوة، والخضوع في القول؛ لأنها كلها قد تؤدي إلى الاعتداء على الأعراض، وأخرج الإمام البخاري في "صحيحه" عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطب الناس يوم النحر فقال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا"، قالوا: يوم حرام، قال: "فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا"، قالوا: بلد حرام، قال: "فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا"، قالوا: شهر حرام، قال: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا"، فأعادها مرارًا، ثم رفع رأسه فقال: "اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ".

وحيث حرص القانون المصري على سلامة الصَّغير، وتجريم كل محاولةٍ للمساس بسلامته الجسديَّة والنَّفسيَّةِ عن طريق التَّحرُّش الجنسي؛ فنصَّ قانون "العقوبات المصري" في المادة (306) مكرر ("أ") على أنَّه "يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسة آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين: كلُّ مَن تعرَّض للغير في مكانٍ عامٍّ أو خاصٍّ أو مطروقٍ، بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسيَّة أو إباحيَّة، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل أو بأيَّة وسيلة بما في ذلك وسائل الاتصالات السِّلكيَّة أو اللَّاسلكيَّة، وتكون العقوبة: الحبس مدَّة لا تقل عن سنة، وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه، وبإحدى هاتين العقوبتين إذا تكرر الفعل من الجاني من خلال الملاحقة والتتبع.

وجب على أهل الصغير لا يَتَحَرَّزُون مِن تَركِهِ مع الكبار؛ فعلى أُولِي الأمر أن يتصدوا لهذه الجريمة النَّكراء بكلِّ حزمٍ وحسمٍ، وأن يأخذوا بقوةٍ على يدِ كلِّ مَن تُسَوِّل له نفسُه تلويثُ المجتمع بهذا الفعل المُشِين.

 

عن الكاتب

رباب حسن

كاتبة وصحفية

المقالات المتعلقة

إفهم دينك صح

"أفشوا السلام وأطعموا الطعام".. 4 وصايا حث رسول الله المسلمين على إتباعها 

بقلم : خلود علي

عن أبي يوسف عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس قِـبَـله، وقيل: قد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا، فجئت في الناس لأنظر، فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال: (يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام).

فتاوي

ما حكم الشريعة الإسلامية في صلاة العاجز في ثوبه النجس؟

بقلم : رباب حسن

رجل كبير فى السن، ويداه بهما عجز فلا يستطيع تحريكهما، فماذا يفعل فى الاستنجاء، وزوجته كبيرة في السن، ولا يوجد له أولاد، ولا يستطيع أن يأتي بخادم لفقره، فهل يسقط عنه الاستنجاء من البول والغائط؟

فتاوي

ما حكم التيمم بالإسفنج المشبع بالغبار؟

بقلم : رباب حسن

ما حكم استعمال علبة التيمم، وهي عبارة عن قطعة إسفنج موضوعة في علبة، والقطعة مشبعة بالغبار المعقَّم المُعَدِّ لاستخدام شخص واحد فقط؟