«تكفير العوام».. تثير الصراع بين البغداديين والحازميين داخل داعش

الصراعات بين رؤوس تنظيم داعش تعكس حالة متناقضة من المصالح وحجم التعصب والعنف بين مكوناته وأجنحته الداخلية، وبدا الانقسام العنيف ظاهرا في الإعلان عن انفصال كتل متعددة عن التنظيم القيادي، وهي عملية صحيحة وليست دعاية أو مناورة كما يتخيل البعض لأنها بلغت حدا كبيرا من الخلاف والسخط ومسّت جملة من الثوابت المعلنة.

ويعدّ "الحازميون" وهو التنظيم الذي ينسب إلى القيادي في السلفية الجهادية أحمد بن عمر الحازمي والمتحفظ عليه داخل أحد سجون السعودية منذ العام 2015، أحدثَ تلك الكتل التي ظهرت مؤخرا من رحم تنظيم داعش.

يمثل التنظيم الخارج من رحم داعش نسخة أشدّ غلوا وتطرفا وتكفيرا من التنظيم الأصلي، فقادته ومنظروه يكفرون قادة داعش، وعلى رأسهم أبوبكر البغدادي، علاوة على تكفيرهم لقادة تنظيم القاعدة ومن بينهم أيمن الظواهري نفسه قائد التنظيم، وغيرهم من قيادات ومنظري السلفية الجهادية.

وبغرض إشعال الصراع داخل داعش وإعلان التمرد، لجأ “الحازميون” إلى قضية شهيرة طالما انقسمت حولها التيارات الجهادية والتكفيرية على طول تاريخها القديم والحديث، وهي ما يعرف بالعذر بالجهل وتعمد تكفير عوام المسلمين وعدم عذرهم بجهلهم في مختلف القضايا العقائدية والخلافية.

ويبيح لهم ذلك تكفير كل من يخالفهم وبالتالي وجوب قتاله، وهذا ما يمنحهم المسوغ الشرعي بحسب تصوراتهم لتكفير قادة داعش وغيرهم ممن لا يتوافقون معهم في نظرية تكفير العوام تحت قاعدة من لم يكفر الكافر فهو كافر.

ومن المعروف أن سيطرة الجناح الأكثر غلوا وتشددا على التنظيم التكفيري علامة على بداية انهياره وليست مؤشر قوة حسبما يتصور البعض.

ويتوقع متخصصون في شؤون الإسلام السياسي أن يتكرر سيناريو إقصاء القادة والمنظرين التقليديين لداعش داخل مصر كما حدث بالعراق، جريا على سنة هذا التيار التاريخية في الهروب من أزماته بتصعيد الجناح الأكثر تشددا.

وأقصى تيار الحازميين المنظر الشرعي لداعش تركي البنعلي، الذي خالفهم في رؤيتهم بشأن تكفير العوام، ونشأ على إثر ذلك صراع عقدي تكفيري بين جبهتين الأولى تابعة لأبوبكر البغدادي والأخرى تابعة أيضا للتيار الحازمي، استخدمت فيها منصات الدعاية ومجلات التنظيم وتطبيق تلغرام لإطلاق بيانات وفتاوى التكفير ضد بعضهم البعض.

وانتقلت الصراعات الفكرية بسرعة داخل بنية تنظيمات السلفية الجهادية في مصر، خاصة من المنتمين إلى تنظيم داعش أو ما كان يعرف في السابق بتنظيم أنصار بيت المقدس، وعللوا ذلك بأن الساحة المصرية شهدت في سبعينات وثمانينات القرن الماضي صراعات مشابهة بين فصائل جهادية بدأت متحدة، وتاليا فجرت تلك القضايا الجدلية ليبدأ سيناريو الانشطار والتشظي.

كانت البداية مع جماعة “المسلمين” التي عرفت إعلاميا بالتكفير والهجرة، عندما اتخذت “عدم العذر بالجهل وتكفير المعين والعامي وتكفير من لم يكفره” أصلا لها، وهو ما مكنها من تكفير قادة وأعضاء الجماعات الأخرى وعلى رأسهم جماعة الإخوان، علاوة على تكفير السلطة والمجتمع.

وظلت تلك الجماعات تأكل نفسها بالانشطارات المتوالية، وتصارعت جماعة التكفير والهجرة مع مختلف الجماعات الأخرى حتى تمكنت من اختراقها، وجاء وقت كان لأعضاء تلك الجماعة اليد الطولى في الساحة وفي الجامعات، وشاع الاقتتال والتكفير الداخلي بينها.

وأمر زعيم داعش أبوبكر البغدادي بإعدام عدد من رموز التيار الحازمي في منطقة دير الزور بسوريا، ووجهت لهم تهمة الخيانة ومحاولة تفجير التنظيم من الداخل، كبداية طبيعية للاقتتال الداخلي المعتاد من تلك التنظيمات التي وإن لم تجد ما تصارعه من خارجها شرعت في أكل نفسها.

وجرت العادة أن ينطوي الانقسام على مؤشرات الانشطار المتتالي وصولا إلى الاضمحلال والاندثار، وقد تكرر هذا منذ ظهور ما يعرف في التاريخ الإسلامي بحركة الخوارج الأولى التي عاصرت الإمام علي بن أبي طالب، ولاحقا مع فرق الخوارج التي ظهرت في شمال أفريقيا.

ومع تهاوي فكرة الخلافة التي يتبناها داعش وفقدان بريقه لدى غالبية الشباب المتحمس المغامر، تعرض التنظيم لزلزلة داخلية وهزة فكرية عميقة دفعتاه إلى إعادة النظر الداخلي في العديد من المسلمات الفكرية.

ويسعى جناح داخل داعش للتخفيف من غلوائه التكفيرية ويذهب بالتنظيم نحو ممارسات منسجمة بعض الشيء مع أدبيات واستراتيجية تنظيم القاعدة بشأن أولوية قتال العدو البعيد وضرب الغرب في عقر داره، وفي المقابل ينشط الجناح الأكثر تشددا وغلوا ويحاول سحب البساط من تحت أقدام القيادة التقليدية للتنظيم.

ويرى متابعون أن حضور تيار الحازميين بهذه القوة يمثل خطورة في المقام الأول على تنظيم داعش الأم، ويتجه غلوه وتكفيره إلى داخل التنظيم أولا بغرض تصفية الحسابات وتثبيت قيادات جديدة.

أما تكفير العوام فالتنظيم لا يستطيع مواجهة العالم بأسره ولا قتال شعوب الأرض، فهذا المنحى يقوده إلى العزلة والتقوقع أكثر ما يقوده إلى المواجهة والصدام، ويدعم تلك الرؤية بأن تنظيم داعش ذاته في غنى عن المبررات الفكرية والفقهية الجدلية التي تبرر له حمل السلاح والقيام بعمليات إرهابية يذهب ضحيتها مدنيون عاديون.

عن الكاتب

المقالات المتعلقة

مين يعرف

دعم كسوة الكعبة بـ"الكفلار" و "النانو" لمقاومة الرصاص والحريق

بقلم : رباب حسن

كشف مدير عام مجمع الملك عبدالعزيز، الدكتور محمد بن عبدالله ، أن كسوة الكعبة المشرفة سيتم دعمها بمادة ( الكفلار) في صٌنع خيوطها بألياف صناعية.

مين يعرف

نجم : أمانة دور الإفتاء في العالم خلية نحل من اليوم لضبط الفتوى

بقلم : رباب حسن

أعلن الأمين العام لدور وهيئات الإفتاء في العالم ومستشار مفتي الجمهورية، الدكتور إبراهيم نجم، أن أمانة الإفتاء العالمية بأكملها أصبحت خلية نحل بداية من اليوم الجمعة وذلك لوضع توصيات المؤتمر العالمي للإفتاء والذي انتهت فاعليته أمس محل التنفيذ.

إفهم دينك صح

هل الثقافة الدينية تؤهل للإفتاء؟

بقلم : رباب حسن

هل عندما أكون على ثقافة دينية أصبح مفتيًا في أمور بسيطة؟