الدكتور على جمعة يكتب: شهر الله المحرم

شهر المحرم، هو ثالث الشهور الحرم السرد، ذي القعدة، والحجة، والمحرم، ثم بعد ذلك الشهر الرابع، هو رجب؛ ولذلك سموه: رجب الفرد ؛ لأنه بمفرده.

وشهر المحرم، كان سيدنا رسول الله ﷺ يعتز به كثيرًا، حتى إنه قد ورد في بعض الروايات، أنه كان يكثر الصيام فيه.
 
فرسول الله ﷺ كان فى سفر فعندما دخل المدينة، وهناك تقويم لليهود، فعندهم شهر اسمه "تشري"، وكان في اليوم العاشر من شهر تشري ، نصر الله سيدنا موسى، فأنجاه من فرعون. 
 
فلما دخل النبي ﷺ المدينة وجد يهود يصومون ذاك اليوم (سأل ما هذا ؟ قالوا : هذا يوم نجي الله فيه موسي . فقال: نحن أولي بموسي منهم . فصامه وأمر أصحابه بصيامه) وظل عاشوراء فرضًا على المسلمين إلى أن أنزل الله سبحانه وتعالى {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } حتى قال {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } فأصبح هذا ناسخًا لهذا وظل صوم يوم عاشوراء سنة إلى يوم الدين حتى قال رسول الله ﷺ : (لو بقيت لقابل لصمت تاسوعاء وعاشوراء) ولكنه إنتقل إلى الرفيق الأعلى ﷺ فصار من السنة المرغوب فيها أن نصوم تاسوعاء وعاشوراء وقال «مَنْ وَسَّعَ على عياله يوم عاشوراء «مَنْ وَسَّعَ على أهله ... »، وفي رواية: «على عياله ... » ، وسع الله عليه سائر سنته». أخرجه الطبراني، وصححه الشيخ أحمد بن الصديق، والعراقي. وقال عبد الله بن المبارك وكان في سند الحديث : "فجربناه ستين سنة فوجدناه صحيحا" أي أنه وسع في سنين فوسع الله عليه وضيق في أخرى فضيق الله عليه والحمد لله رب العالمين، ولقد جربناه أكثر من ثلاثين عامًا فوجدناه صحيحًا ولكن الحمد لله لم ننقطع عنه أبدًا ونوسع على العيال في أرزاقهم هذا اليوم فيوسع الله علينا أرزاقنا سائر السنة .
 
ويأتينا بعض النابته يقولون أخرجه الطبراني في «الكبير»، وفي سنده ضعف، عبد الله بن المبارك يرد على هؤلاء، فيقول: نحن جربناه، فوجدناه صحيح، ولكن بالرغم من ذلك، إلا أن هذا الحديث قد صححه الإمام حافظ الدنيا العراقي، شيخ الحافظ ابن حجر، وصححه في عصرنا الحاضر، الشيخ أحمد بن الصديق، في «هداية الصغرا في تصحيح حديث التوسعة على العيال ليلة عاشورا».
 
والمصريون بحسهم اللطيف، وبتجاربهم الروحية مع الله سبحانه وتعالى، اخترعوا حلاوة، وأسموها عاشورا، ويعملوها في ليلة عاشوراء، والجيران يهدوها لبعضهم البعض .
 
وكل هذه الفرحة مردها إلى أنهم فرحوا بنجاة موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
 
معاني رائقة فائقة، تعلم المسلمين، وقد علمتهم؛ إنما أنا أتعجب من هذه الثقافة، التي بدأت تشيع، ثقافة وصف كل شيء بالحرمة، ووصف كل شيء بالقسوة، ووصف كل شيء بالبدعة .
 
هذه ثقافة عفنة، لا علاقة لها بالدين، ولا علاقة لها بالدنيا.
 
رسول الله ﷺ جاء بالقرآن، والقرآن أول ما علمنا: علمنا الرحمة: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، ووصف نبيه فقال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} .
 
وهؤلاء يريدون أن يحولوا سُنَّة رسول الله ﷺ، إلى مثال عجيب، غريب، من القسوة والعنف، والصدام والخصام، وكراهية الحياة؛ بدعوى الزهد فيها.
 
الزاهد للدنيا، لا يزهد إلا في شيء قد امتلكه؛ لكنه وهو لا يمتلك شيئًا، ويدعي الزهد، فهو زهد كاذب.
 
وهناك أيضًا من يقول أنه يوم حزن لأنهم ربطوه بذلك اليوم الذي استشهد فيه سيد شباب أهل الجنة سيدنا الحسين.
 
لكن ليس هناك علاقة بالاحتفال بيوم نجا الله سيدنا موسى، أو سنة المصطفى ﷺ .
 
اليوم الأساسي الذي فيه عاشوراء ، ذكرى نجاة الله لسيدنا موسى، واحتفال المسلمين بهذا الذي يعني الكثير مما هو بين المسلمين، وبين أهل الكتاب عامة، وبين اليهود أيضًا، إلى آخره من هذه المعاني، التي أرادها رسول الله ﷺ. فنحن لسنا مع من يريد هذه التغطية .
 
بدون شك أننا نحب سيدنا الحسين، وأننا نعظمه غاية التعظيم، وأننا نجله غاية الإجلال، وأننا نحبه غاية الحب، وهذا لا يزايد علينا فيه أحد، وعلاقة المصريين بسيدنا الحسين، وبالمشهد الحسيني، وبرأسه الشريف، علاقة واضحة، ولا أحد يزايد علينا في هذا، ولا نقبل تلك المزايدة، ولكن نحن أيضًا لا نقبل أن نترك سنة من سنن سيدنا رسول الله ﷺ ، لا بالصيام، ولا بالاحتفال، ولا حتى بالتوسعة.
 
ومن وظائف يوم عاشوراء : الصيام لِمَنْ يقدر، افرض إن أنا غير قادر على الصيام أصلًا، ووسعت على العيال، يبقى أنا عملت سنة التوسعة، وعلى ذلك توسع عليَّ السنة كلها. وسئل ﷺ عن صوم يوم عرفة، فقال: يكفر السنة الماضية، والباقية. قال: وسئل عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: يكفر السنة الماضية» [رواه مسلم].
 
والذكر، والدعاء ، وقراءة القرآن، ولمن لا يستطيع أن يقرأ لأي سبب كان، اسمع القرآن، اسمع وتدبر، وفعل الخير والصدقات، في هذا اليوم.
 
ومن أهم هذه الوظائف: الاجتماع، إن الأسرة كلها تجتمع، واجعلوها فرصة للقاء العائلة.
 
وكان الشيخ عطية صقر، رئيس لجنة الفتوى، وشيخنا، رحمه الله تعالى، كان لما يُسْئَل عن كيف نحتفل بعاشورا، ونحتفل بالمولد النبوي، ونحتفل ببداية السنة الهجرية، ونحتفل ... فكان يقول: يا جماعة، خلي بالكم أننا في عصر انشغل الناس فيه، فمثل هذه الومضات، تجعل الحياة تضيء، فتجعل بينك وبين الإسلام علاقة، في الثقافة. فهذه المناسبات تجعل الناس تحيا في ظلال الإسلام . هُوِية الإسلام .
 
فَهْم مشايخنا، رحمهم الله تعالى، أننا يجب أن نهتم بالمناسبات، التي تجعلنا مرتبطين بِالْهُوِية، أننا نفعلها، كما فعلها رسول الله ﷺ ، وأن نراعي تغير الزمان والمكان، وأن نستحضر، ونحيي الوظائف في هذه الأيام، فنخرج بفوائدها، وهناك أسرار كثيرة لا نعرفها، ولكن إذا نحن اتبعنا الشريعة، وصلينا في مواقيتنا، وصليناها كما قال سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام ، سنتعرض لنفحات كثيرة، من أهمها : الهدوء النفسي، الطمأنينة، السعادة، الرضا والتسليم، الأمل، والهمة.
 
صوموا يوم عاشوراء، وَمَنْ لم يستطع أن يصم، فعليه بالذكر، والدعاء، والقرآن، قراءةً، أو استماعًا، ووسعوا على عيالكم، واجتمعوا حول مائدة واحدة، حتى نصل الرحم، وحتى نطبق بركة سيدنا رسول الله ﷺ. كل عام وأنتم بخير.

عن الكاتب

فريق التحرير

محررو الموقع

المقالات المتعلقة

إفهم دينك صح

الإمام الأكبر يكتب: ماذا لو انهارت المسؤولية الأخلاقية

بقلم : رباب حسن

نقف في مشكلات الأحوال الشخصية مع الشرع  ولسنا مع طرف على حساب طرف آخر، وكما أن المشكلة ليست في قوانين الأحوال الشخصية ولا في أحكام الشريعة بل المشكلة في الأزواج، ولو انهارت المسؤولية الأخلاقية سينهار احترام الأحكام الشرعية قال فضيلة الإمام الأكبر"

الدين للحياة

الدكتور علي جمعة يكتب: دور المفتي في تحقيق الأمن المجتمعي

بقلم : فريق التحرير

رغم بلوغ الإنسان المعاصر ذروة كبرى في التقدم العلمي، لم يصل إلى السعادة المنشودة والاطمئنان والسكون، فأصبحت حاجته ماسة إلى التربية الروحية ليتحقق له التوفيق بين متطلبات الأمن الحضاري والأمن الروحي.

الدين للحياة

من مؤلفات الغزالي: الدعوة الإسلامية في القرن الحالي.. أبعاد الهزيمة الإسلامية

بقلم : محمد كمال

كنت مدعوا لزيارة المغرب في رمضان سنة 1393 هـ، وهناك فوجئت بنشوب الحرب بيننا وبين اليهود، لم يكن هناك ما يومئ من قرب أو بعد إلى أن الجبهة سوف تشتعل !!