عباس شومان يكتب.. زواج المسلمة من غير المسلم

المستقر فى شرعنا أن الزواج يكون بين المسلم والمسلمة، كما يكون بين المسلم والكتابية، سواء أكانت مسيحية أو يهودية على خلاف بين العلماء فى جواز الزواج من الكتابيات، والراجح أن زواج الرجل المسلم من امرأة كتابية مسيحية أو يهودية جائز ما لم يخش من هذا الزواج على دين الزوج والأبناء. ومن موروثات فقهنا عدم جواز زواج المرأة المسلمة من غير المسلم ولو كان كتابيا،

 وهذا بإجماع فقهاء المسلمين، ولعل البعض يرى فى هذا الذى أجمع عليه الفقهاء من مشروعية زواج المسلم من الكتابية، وعدم مشروعية عكسه وهو زواج المسلمة من غير المسلم على إطلاقه مخلا بمبدأ المساوة وتحيزا للإسلام من قبل فقهائه، وأنه كان من المنطقى أن يكون زواج المسلمة من الكتابى جائزا قياسا على زواج المسلم من الكتابية، ولكن مع البيان الهادئ تزول هذه الإشكالية، ويتبين أنه لا علاقة لها بالإخلال بالمساواة أو التحيز، وذلك أن زواج المسلم من الكتابية يرجع إلى أن المسلم يؤمن برسول الكتابية وكتابها، فتمام إيمان المسلم وكماله لا يتم دون أن يؤمن بجميع الكتب السابقة والأنبياء والمرسلين، لا نفرق بين أحد من رسله، كما تلزمنا شريعتنا بتمكين الزوجة الكتابية من إقامة شعائر دينها بما فى ذلك الذهاب إلى كنيستها أو معبدها، ويلزم الزوج المسلم أن يحترم زوجته غير المسلمة كزوجته المسلمة ويعدل بينهما، ولا يتصور أن مسلما يؤمن بدينه ويعرفه معرفة صحيحة أن يهين زوجته الكتابية أو يتعرض لكتابها أو رسولها، لأن هذا يخل بسلامة عقيدته كمسلم، ولذا فإن المودة والسكينة مرجوة فى زواج المسلم بالكتابية، وهذا لا يتحقق فى زواج المسلمة من الكتابى، لأنهم لايؤمنون برسولنا، ولا بكتابنا، كما نؤمن نحن بهم، فهم بين منكر لرسالته جملة أو مؤمن بأنه مرسل للعرب خاصة، كما لا تلزمهم شرائعهم بتمكين المسلمة من أداء شعائر دينها، ويتصور مع ذلك تعرض الزوج غير المسلم لما يؤذى المسلمة فى مشاعرها نحو دينها، لأنه لا يؤمن به، ولذا فإن افتقاد المودة والسكينة التى هى من أهداف الزواج السامية متوقع بشكل كبير فى زواج المسلمة من غير المسلم الكتابى، والإسلام حريص على بناء الإنسان وسلامته من كل ما يسبب له ألما أو ضيقا، ولما كان اختلاف الدين غير مؤثر فى أمور أخرى أجازته شريعتنا، كأكل ذبائحهم فإن المسألة لا علاقة لها هنا بالمشاعر ولا الإيذاء فجاز خلافا للنكاح، ولنتأمل قوله تعالى: «اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم»، فتلاحظ فى الأطعمة الحل فى الجانبين بينما فى الزواج اقتصر على جانب ولم يتعرض للآخر بتعبير رقيق يفهم منه المراد دون إيذاء، وتتضح الصورة أكثر إذا نظرت إلى مسألة زواج المسلم بالمشركة، فديننا لا يبيح للمسلم أن يتزوج من مشركة، ولو كانت تعجب الرجل من نواحٍ متعددة كالجمال والحسب والمال والتى هى مرغبات للزواج فى النساء عموما، ومنع الزواج من المشركات مبنى على عدم إيمانهن، فالمشركة لا تؤمن بكتاب ولا بنبى، وبذلك تكون المودة والسكينة مفقودة فى هذه العلاقة، لأن شريعتنا لم تأمرنا بالاعتراف ولا الإيمان بالأديان الوضعية التى يدين بها البعض كالمجوسية وعبدة الأوثان والكواكب وغيرها، ولأنه لا يجوز للمسلم أن يقر زوجته على هذا الباطل أو يظهر احترامه له، ولذا سيؤذى مشاعر زوجته وهو غير جائز فى العلاقة بين الزوجين، فمن أجله منع الزواج منها بداية، وبذلك يتبين عظمة الإسلام، وأن المسألة لا علاقة لها بالتحيز أو الإخلال بمبدأ المساواة الذى قام عليه الإسلام وشريعته.
 
 
 
على أن ثمة أمر يجب أن ينظر إليه فقهاء العصر وهو زواج المسلمة من غير المسلم فى بلاد الغرب، حيث تمس الحاجة إلى معرفة حكم هذا الزواج فى الأقليات المسلمة فى العديد من الدول، حيث تنظر هذه الدول على الزواج على أنه عقد مدنى ولا يظهر لاختلاف الدين أثر يذكر على هذا الزواج، كما أن القول بوجوب التفريق بين المسلمة وزوجها غير المسلم قد يعرضها لمشاكل جمة إذا لم تكن لها عائلة أو مكان يؤويها، ولذا فقد تجد نفسها مضطرة لترك إسلامها والعياذ بالله أو سلوك طريق المعصية لتدبر نفقاتها وتواصل حياتها إذا لم تجد عملا أو زوجا مسلما، ولعل الاجتهاد الجماعى فى هذه المسألة يجد حلا لهذه المعضلة، كأن يمنع زواج المسلمة من غير المسلم ابتداء، لأن ما سبق ذكره لا مدخل له هنا فهى مسلمة مستقرة على إسلامها قبل الزواج، ويمكنها البحث عن زوج مسلم، بينما إذا تزوج الزوجان وهما على غير الإسلام فأسلمت الزوجة وبقى زوجها على دينه فيفرق بين حالتين: الأولى: إن كانت الزوجة التى أسلمت فلن تتعرض إن فارقت زوجها لما سبق ذكره لوجود عائلة تعولها أو مصدر رزق كوظيفة أو تجارة تمكنها من العيش حتى ترزق بزوج مسلم فهذه يحرم عليها أن تستمر على زواجها من غير المسلم، والثانية: إذا لم يكن لها عائلة أو مصدر رزق وسيترتب على مفارقتها لزوجها عودتها إلى دينها قبل الإسلام أو سلوك طريق الانحراف لا محالة، فأعتقد أن قواعد شرعنا تبيح الإبقاء على هذه الزوجية صيانة للزوجة وحماية لدينها، فى ظل زوجية لا إيذاء لها فى مشاعرها، لعدم تأثير الانتماء الدينى على الحياة فى هذه المجتمعات، فلا يعقل أن تكون أحكام شريعتنا مؤدية إلى عقاب الزوجة التى تدخل فى الإسلام بتضييعها أو عودتها إلى غير الإسلام.

عن الكاتب

فريق التحرير

محررو الموقع

المقالات المتعلقة

الدين للحياة

التحايل على القانون من أجل المصلحة.. في ميزان الشرع

بقلم : محمد كمال

فرض الله الحلال والحرام على الإنسان ليحيا حياة سعيدة تحافظ على البنيان الذي استأمنه الله عليه، ونص في الشرع الشريف على كل ما يحتاجه الإنسان لكي يسير في الطريق الصحيح الذي ينتهي به إلى الغاية التي يأملها، وهي رضا ربه والدخول في رحمته وظله يوم لا ظل إلا ظله.    

الدين للحياة

الدكتور محمد مختار جمعة يكتب: الإسلام وحقوق الإنسان

بقلم : فريق التحرير

لقد كرم الإسلام الإنسان على إطلاق إنسانيته بغض النظر عن دينه أو لونه أو جنسه أو عرقه ، فقال سبحانه فى محكم التنزيل : ” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آَدَمَ ” (الإسراء: 70) ، ولم يقل كرمنا المسلمين وحدهم ، أو المؤمنين وحدهم، ولا الموحدين وحدهم، ولا المتدينين وحدهم.

الدين للحياة

السيد العزاوى يكتب: نبي الهدي ورسول الإنسانية

بقلم : فريق التحرير

ومازلنا في شهر ميلاد نبي الهدي ورسول الانسانية نتأمل المسيرة المحمدية باجوائها العطرة التي تشرق الأنوار من كل جوانبها فقد سعدت أم القري بهذا النبي الأمي الذي ملأ سماءها باخلاقه الكريمة وصبره وقوة تحمله علي إيذاء كفار مكه ووقوفهم في طريق نشر دعوته بكل الوسائل لكن كل ذلك لم يثنه عن المضي في ابلاغ الناس رسالة ربه بكل سعة الصدر ونشر الطمأنينه في قلوب كل من استجاب لدعوته. ولم تصدر منه صلي الله عليه وسلم أي الوان من العداء لهؤلاء الاعداء وانما كان صلي الله عليه وسلم يتجه إلي ربه سبحانه وتعالي طالبا الهداية لهم وكانت دعواته المشهورة التي سجلتها كتب السيرة والتراجم باحرف من نور فقد كان يسأل ربه قائلا بكل رجاء "اللهم اهد قومي فإنهم لايعلمون" ولعل أفضل موقف لهذا الرسول صلي الله عليه وسلم حينما خرج من الطائف حزينا علي عدم استجابة أهلها لدعوته صلي الله عليه وسلم وجاءه في هذه اللحظات أمين وحي السماءجبريل عليه السلام وقال له: يامحمد أن أوامر الله تتضمن ان طبق هذين الجبلين المحيطين بمكه علي أهلها تطيبا لخاطرك ومواساة لك علي هذا الموقف السيء لأهل الطائف لكنه صلي الله عليه وسلم رفض بكل قوة قائلا: دعهم يا أخي ياجبريل لعل الله يخرج من اصلابهم ذرية يعبدون الله.